قراءة في كتاب: أشهر 50 خرافة في علم النفس

466

نعرض في هذا المقال قراءة في كتاب للكتاب الاجتماعي “أشهر 50 خرافة في علم النفس: هدم الأفكار الخاطئة الشائعة حول سلوك الإنسان” لكُتَّابه سكوت لينفيلد وستيفن جاي لين وجون روشيو وباري بايرستاين والمترجَم للغة العربية من قبل كلمات عربية للترجمة والنشر بالقاهرة عن المترجمين محمد رمضان داود وإيمان أحمد عزب.

كُتَّاب هذا الكِتاب؛ وهم سكوت لينفيلد وستيفن جاي لين وجون روشيو وباري بايرستاين، كلهم أساتذة جامعيون متخصصون في علم النفس وقد كتبوا هذا الكتاب لتكذيب ثم تصحيح عدة معلومات خاطئة وخرافات غير حقيقية صنعها ما سموه بعلم النفس الشعبي، وأخذ بها الناس على أنها مسلمات وأفكار صائبة وحقيقية، والأخطر أنها أصبحت منتشرة كالبديهيات حتى بين صفوف المتعلمين ممن تلقوا تعليما جيدا، وطلاب علم النفس، وحتى حاملي الشهادات باختلاف أصنافها ودرجاتها. وقد وضع الكتاب لكل نوع من الخرافات فصلا خاصا به فَحَوى بذلك الكتاب إحدى عشر فصلا بعد المقدمة وقبل الخاتمة.

الفصل الأول: خرافات حول المخ والإدراك

تضمن هذا الفصل 5 خرافات، أولها أن معظم الناس لا يستخدمون إلا 10٪ فقط من قدرة المخ، ولعل هذا الاعتقاد يجر تحت طياته الاعتقادات الخاصة بقانون الجذب والسبليمينال واستغلال مخزون طاقة العقل الباطن غير المستعملة لتحقيق أهداف المرء، والوصول إليها بواسطة توكيدات صوتية أو مرئية مرسلة للعقل الباطن، ويستعمل الناس هذه الطرق للترقي في مناصبهم أو الوصول إلى أحلامهم وتحقيق مبتغياتهم، غير أن الدراسات كشفت على أن هذا ليس إلا وهم ودجل، فقد كشف الباحثون الذين عملوا على مناطق المخ أنه لا توجد أي مناطق خاملة أو غير مستغلة في المخ أو خالية من الإدراك أو الشعور أو الحركة. وقد استطاع الباحثون أن ينسبوا عددا كبيرا من الوظائف النفسية إلى مناطق محددة من المخ، ولم يظهر هذا الرسم التفصيلي الذي قاموا به للمخ وجود أي مناطق خاملة تنتظر أن يسند إليها مهام جديدة، وبالتالي فكلا من الاعتقادين أن الإنسان يستخدم 10٪ من قدرة المخ وأن الـ 90 ٪ الباقية من طاقة المخ غير مستغلة هما خرافتان لا غير.

الخرافة 2: هي استخدام بعض الناس جانب المخ الأيسر واستخدام البعض الآخر للجانب الأيمن، أكد الباحثون حقا على أن هناك اختلافا وتفاوتا في درجة الجودة النسبية التي يؤدي بها نصفا الكرة المخية الأيمن والأيسر الأنشطة العقلية المختلفة، وبهذا فالاختلاف الكامن بين نصفي الكرة المخية الأيمن والأيسر هو اختلاف في كيفية معالجة المهام وليس في ماهية المهام التي يؤديانها، وبالتالي فلا يوجد من الناس من يستخدم جانبا واحدا من المخ وإنما يكون إحدى الجانبين يؤدي المهمات بشكل أسرع وبكفاءة أكبر من الآخر، ولذا يقتنص النصف الأسرع والأكثر كفاءة تلك المهمة أولا.

الخرافة 3: هي أن الحاسة السادسة ظاهرة علمية ثابتة معترف بها، ومصطلح الحاسة السادسة يعني الإدراك أو المعرفة دون استخدام أي من الحواس الخمسة المعروفة، كما أنه يعتبر اطلاعا عن المستقبل وكشف للمجهول ومن وثقوا بهذا الدجل والكهن ليسوا سوى من وثقوا بعبارة أن الحاسة السادسة ظاهرية علمية ثابتة معترف بها، ومن آمنوا بقدرة الاتصال بين العقول دون استخدام الحواس الخمس ما يسمى بالتخاطر أو قراءة الأفكار وأيضا من يؤمنون بالجلاء البصري أو الاستبصار الذي يعني قدرة العقل على معرفة الماضي والتنبؤ بالمستقبل، كما أن التأثير الشعوري الذي تخلفه الصدف المثيرة وغير المتوقعة هو بلا شك أحد الأسباب التي تدفع الكثيرين إلى الإيمان بوجود ما يسمى بالحاسة السادسة، فوجود مثل هذه الظاهرة يتعارض مع معظم قوانين الفيزياء المعترف بها الخاصة بالمكان والزمان والمادة وبالتالي فما هذا إلا دجل وشعوذة.

الخرافة 4: هي أنه يصاحب عمليات الإدراك البصري خروج انبعاثات طفيفة من العينين، يعتقد العديد من الناس بأن العين البشرية تولد انبعاثات، فكما يقول مؤلفو الكتاب أن فئة كبيرة من الناس تؤمن بمبدأ “العين الشريرة” التي تصيب الآخرين بالأذى النفسي أو الجسدي، كما ذكروا أن هذا الاعتقاد لا يزال منتشرا بين سكان المكسيك وسكان منطقة البحر المتوسط وأمريكا الوسطى والعالم العربي، ويرجع ذلك إلى أن هذا الاعتقاد الخاص بالعين الشريرة أو العين الحاسدة قد ورد في العهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس، كما أنه وردت هذه الاعتقادات في نظريات بعض الفلاسفة والعلماء القدام كالفيلسوف الإغريقي أفلاطون وعالم الرياضيات الإغريقي إقليدس، كما ذكر المؤلفون أنه من الأشياء التي جعلت الناس يؤمنون أكثر بهذا الاعتقاد هو الشخصية الكرتونية سوبرمان الذي تنبعث من عينيه أشعة الإكس السينية التي تمكنه من مهاجمة الأشرار واختراق الفولاذ بنظره، ويخلص الكُتاب إلى أن هذه أيضا ليست إلا خرافة لا دليل علمي عليها بينما هناك أدلة ضدها، ولم تنتشر كنظرية علمية نفسية زائفة إلا بهذه الأسباب السابق ذكرها.

الخرافة 5: هي أنه بإمكان الرسائل اللاشعورية أن تقنع الأفراد بشراء المنتجات ويمكن أن يلخص الرد على هذه الخرافة بمقولة لبوب جارفيلد (1994) وهو محرر عمود خاص في مجلة “أدفرتيزينج إيدج”، قال: “الإعلانات المعتمدة على الرسائل اللاشعورية ليس لها وجود إلا في وعي العامة، على الأقل لا توجد في الإعلانات التي تستهدف المستهلك. لا أحد يكترث بها لأنه من الصعب جدا أن تؤثر في الناس عن طريق مداهمتهم بصور وقحة.”

الفصل الثاني: خرافات من المهد إلى اللحد، خرافات عن النمو والشيخوخة

الخرافة 6: الاستماع إلى موسيقى موتسارت يعزز ذكاء الأطفال الرضع وقد جاءت هذه الخرافة انطلاقا من تجربة على طلاب جامعيين استمعوا لموسيقى الموتسارت وأنجزوا عملهم بشكل جيد، على عكس من استمعوا لنوعيات موسيقى أخرى. وقد كانت تجربة واحدة فقط ولما تم نشرها قامت شركات ألعاب الأطفال والأشرطة الموسيقية والدعاية باستغلال هذه التجربة التي طبقت على الكبار لتقوم ببيع منتوجات أطفال ورضع على أن هذه الموسيقى تعزز ذكاء الأطفال، وقد لقيت الفكرة استحسانا من الناس ورواجا شديدا. خاصة أن الآباء يفضلون أن يكون أبناؤهم أذكياء ويحصلون على نقط جيدة ومراتب مشرفة في دراستهم. وقد حدث كل هذا دون أي تأكيد علمي لهذه الفرضية، فجل الأبحاث التي قامت في هذا الموضوع كانت تعلن عن عدم وجود أي تأثير للموسيقى الكلاسيكية على مستوى الذكاء أو عن وجود تأثير طفيف، كما أن هذه النتيجة الأخيرة تقول إن تأثير موتسارت لا يزيد سوى نقطتين أو أقل في حاصل الذكاء ولا يستمر هذا إلا حوالي ساعة من الزمن أو أقل.

الخرافة 7: المراهقة هي حتما مرحلة اضطراب نفسي، وقد ذكر في هذا الجزء أن اعتبار مرحلة المراهقة داء أو اضطراب نفسي مفهوم ظهر في أوائل القرن العشرين، وعُرِف معه أن فترة المراهقة عند الأبناء هي فترة عواصف وتوترات وأقسى فترة تمر على آبائهم في تربيتهم، وللتيقن من صحة هذه الفرضية لا بد من التأكد من دراسة ثلاثة محاور في سلوك المراهقين: الصراعات مع الآباء والتقلبات المزاجية ثم السلوك الخطر، وقد أثبتت الدراسات أن هذه الخرافة لا تشتمل إلا على جزء صغير من الحقيقة أدى إلى شهرة هذا الادعاء بما ليس فيه، فصحيح أن المراهقة قد تصاحبها صراعات مع الآباء وتقلبات مزاجية وسلوك خطر لكن هذا يحصل فقط مع بعض المراهقين وليس كلهم، إذ تشير الدراسات إلى أن 20٪ فقط من المراهقين من يمرون باضطرابات ملحوظة.

الخرافة 8: معظم الناس يمرون بأزمة منتصف العمر في الأربعينيات أو في أوائل الخمسينيات من عمرهم، إذ هي مرحلة بها مراجعة للذات ومواجهة لاحتمالات الوفاة بسبب كِبَر العمر، وفيها يحاول الشخص أن يراجع نفسه ويحقق ما يأمل إليه وما يحلم به، فهي مرحلة انتقالية صعبة يقف فيها المرء تقريبا في منتصف الطريق بين الميلاد والموت، وقد مثلت هذه الفكرة في العديد من الأعمال الفنية كالأفلام، وكذلك توجد منتديات وبرامج ومواقع تختص في عرض تجارب الناس مع هذه الأزمة العمرية وكيف تخطوها، وللإشارة فكما أن الطلاق أيضا يعد من أعراض هذه الأزمة، فاحتمالات حدوثه في هذه المرحلة أكبر في الواقع من غيرها من المراحل العمرية والنفسية عند الإنسان. وأخيرا فالخطأ في هذا الاعتقاد جاء في كلمة معظم، فهذه المرحلة العمرية حقا توجد ويمر بها بعض الناس من الرجال والنساء لكن ليس معظمهم كما هو مذكور في عنوان الخرافة وكما هو شائع، فالدراسات أثبتت أنه من يعانون من هذه الأزمة تتراوح نسبتهم بين 10 إلى 26٪ فقط.

الخرافة 9: التقدم في العمر عادة ما يقترن بزيادة الشعور بالتذمر وأعراض الشيخوخة، فيعني ذلك أن كبار السن أو المتقدمين في السن يميلون إلى الوحدة والانعزال، كما أنهم يصبحون سريعي الغضب وأكثر عرضة للاكتئاب الشديد، ويفتقرون إلى الشعور بالرغبة الجنسية، وما يدل على عدم صحة هذه الفرضية أن الدراسات العلمية أثبتت أن كبار السن هم الأكثر سعادة بينما متوسطو العمر هم الأكثر عرضة للاكتئاب، بل أكثر من ذلك فقد وجدوا أن شعور السعادة عند الشباب يعد عاديا وأقل بكثير من الشعور بالسعادة عند المسنين، وأنه فقط 15٪ من كبار السن من يعانون من الاكتئاب وغالبية هذه الحالات لا يكون سبب الاكتئاب عندها التقدم البيولوجي في العمر وإنما بسبب الحالات المرضية والشعور بالآلام، والأعراض الجانبية للأدوية، والانعزال الاجتماعي كما أن تدهور الحالة الصحية مع تقدم العمر هو ما يكون سببا في حالات تراجع النشاط الجنسي عند هذه الفئة العمرية؛ أما بالنسبة لقضية النسيان عند كبار السن، فإنه لأمر طبيعي أن يتعرض الإنسان لضعف طفيف بالذاكرة مع تقدم عمره، يعتبر درجة بسيطة من درجات النسيان حيث يجد الشخص صعوبة في استرجاع الكلمات أثناء الحديث، ولكن فقدان الذاكرة الحاد كمرض الزهايمر فهو غير مرتبط بكبر السن وليس من مضاعفاته الطبيعية فهذا المرض يصيب كذلك من هم بالثلاثينيات والأربعينيات من عمرهم.

الخرافة 10: عند الاحتضار يمر الناس بسلسلة عامة من المراحل النفسية، فمعظم المختصين في علم النفس من أخصائيين وعلماء وأطباء وممرضين في مختلف أنحاء العالم، يعتمدون كلمة DABDA للتعبير عن المراحل الخمس للاحتضار أو كما يسميها البعض “مراحل الحزن الخمس”، والتي هي: الإنكار Denial، والغضب Anger، والمساومة Braigaining، والاكتئاب Depression، والقبول Acceptance، وهذه المراحل الخمس من تأليف الطبيبة النفسية السويسرية إليزابيث كوبلر-روس، وهذا ما يقره علم النفس الشعبي، غير أن الدلائل العلمية تكشف على أن العديد من المحتضرين لا يمرون بهذه المراحل، وهناك من يمر بها لكن بترتيب عكسي أو مختلف، كما أنه لا توجد أي أدلة تؤيد حدوث حدود فاصلة وقفزات مفاجئة من مرحلة إلى أخرى كما عرفتها روس.

الفصل الثالث: ذكرى ما مضى: خرافات عن الذاكرة

الخرافة 11: ذاكرة الإنسان تعمل مثل جهاز التسجيل أو كاميرا الفيديو، وتسجل بدقة الأحداث التي عايشناها، يعني أن الذكريات تنطبع إلى الأبد في سجل ذهني لا يمحى، وتصبح بذلك الذاكرة على أنها جهاز تسجيل أو قرص فيديو رقمي، ولتفنيد هذا الاعتقاد الشائع تم القيام بدراسات عدة كالدراسة التي قامت بها إليزابيث لوفتس على الطفل كريس، عندما قامت بتكوين ذكرى زائفة داخل ذهنه بمساعدة من شقيقه الأكبر جيم، وكانت نتيجة هذه الدراسة أنه يستطيع الباحثون أن يرسخوا في الأذهان ذكريات زائفة تماما عن أحداث ما، وقد تبعت هذه الدراسة دراسات أخرى أكدتها وتجاوزت ذلك، وبالتالي ثبت أن الاعتقاد الشائع هو مجرد خرافة والحقيقة أن الذاكرة وسط دائم التغير يبرز قدرتنا المميزة على خلق روايات لتجاربنا الماضية والحاضرة، فالإنسان يستطيع تذكر ما يخيل إليه بينما ينسى في الكثير من الحالات ما هو واقعي وحقيقي وحاصل.

الخرافة 12: التنويم المغناطيسي يفيد في استعادة ذكريات الأحداث المنسية، أي أن التنويم المغناطيسي يتمتع بقدرة خاصة على استرجاع الذكريات التي تاهت في غياهب العقل، الذكريات الحبيسة في أذهاننا منذ الماضي، فمِن الشائع لدى الناس أن التنويم المغناطيسي تقنية مفيدة جدا للشرطة، حيثُ تساعدُ الشهود على تذكر أحداث الجريمة، لكن المشكل في هذا الاعتقاد أن التنويم المغناطيسي يمكن أن تنتج عنه أخطاء في عملية التذكر فيعزز بذلك ذكريات وهمية زائفة لدى بعض الأشخاص، لذا، يُستحسن استخدام التنويم المغناطيسي في علاج الألم، والحالات المرضية، واضطرابات التعود وأيضا كعلاج سلوكي معرفي لبعض الحالات كحالات السمنة وحالات القلق، بدلا من استخدامه في استعادة ذكريات الأحداث المنسية خصوصا فيما يتعلق بالمجال القانوني واستعماله في تذكر الشهود لأحداث الجرائم.

الخرافة 13: الأفراد عادة ما يكبتون ذكريات التجارب الصادمة، وفي تعارض مع هذه الفرضية، تظهر الدراسات والأبحاث أن معظم الأشخاص يتذكرون الأحداث الصادمة بشكل جيد وفي بعض الأحيان بشكل جيد للغاية، كما أن البعض ممن يزعمون استعادة ذكريات مكبوتة يتحدثون عن أحداث غير معقولة وغير موثقة، والمشكل أن المعالجين النفسانيين لا يستطيعون غالبا التفريق ما بين “الإشارة” الصادرة عن الذكريات الحقيقة و”الضوضاء” الصادرة عن الذكريات الزائفة، وبالتالي فمشكل وجود ذكريات زائفة لدى الإنسان يجعل أيضا هذه الفرضية ليست إلا خرافة.

الخرافة 14: معظم المصابين بفقدان الذاكرة ينسون كل تفاصيل حياتهم الماضية، سبب هذه الخرافة هو الأفلام والمسلسلات حيث تُظهر دائما أن المريض بعد استيقاظه من الغيبوبة بعد فقدانه للذاكرة ينسى كل ما مر في ماضيه، وهذه بالتأكيد هي نظرية علم النفس الشعبي الذي يرى أن الإنسان بعد تعرضه لإصابات بالرأس أو سكتات دماغية، ينسى كل ماضيه السابق للإصابة أي ما يسمى علميا بِ “فقدان الذاكرة التراجعي”، بينما في الحقيقة علم النفس الحقيقي يرى أن الإنسان بعد الإصابة بتعرض لِ “فقدان الذاكرة التقدمي” أي نسيان المعلومات الجديدة! ففاقدي الذاكرة غالبا يواجهون صعوبة في تكوين ذاكرة جديدة، ويكون بعضهم قد فقد ذكرياته عن الماضي أيضا. المعتقد الخاطئ الآخر في هذه الخرافة أنه في حالة التعرض لإصابة بالرأس، فإن أفضل طريقة لاسترجاع الذاكرة هي التعريض لإصابة أخرى بالرأس.

الفصل الرابع: تعلم مهارات جديدة: خرافات عن الذكاء والتعلم

الخرافة 15: اختبارات حاصل الذكاء تنحاز ضد مجموعات معينة من الناس، وهذا اعتقاد خاطئ، لأن الاختلاف بين المجموعات لا يعد بالضرورة دليلا على وجود تحيز، وإن كان يمكن أن يوحي بذلك في بعض الحالات، لكن من المهم في كل هذا أن نفهم أن عدم وجود انحياز بالاختبارات لا يفسر لنا أسباب اختلاف نتائج المجموعات في اختبارات حاصل الذكاء. وقد ترجع هذه الاختلافات في جزء كبير منها أو في مجملها إلى تأثيرات البيئة المحيطة مثل انخفاض المستوى الاجتماعي والتعصب. وبالتالي فاختبارات حاصل الذكاء تتنبأ في مجالات مهمة ومتعددة على نحو سليم، لا انحياز فيه ضد أي كان، فالانحياز الحقيقي هو أن نلقي باللوم على اختبارات حاصل الذكاء نفسها ونتجاهل التفسيرات البيئية التي من المفترض أن تقف وراء وجود اختلافات في نتائج المجموعات المختلفة في اختبارات الذكاء.

الخرافة 16: إذا كنت غير واثق من الإجابة في أحد الاختبارات، فأفضل ما تفعله أن تتمسك بأول إجابة خطرت في بالك، قد يُعتبر “اختبار الاختيار من متعدد” أحد أدوات التعذيب الفكري الذي يمارسه المدرسون في حق متعلميهم حسب ما يعتقده بعض المتعلمين وبعض المدرسين، وقد تدخل علم النفس الشعبي في هذه الثغرة ليعمم فكرة اختيار أول إجابة تخطر على بال المتعلم إذا كان غير واثقا من صحتها أو خطئها، وتسمى هذه الخرافة أيضا “وهم الخاطر الأول”، إلا أنه لا دليل علمي لهذا الاعتقاد، وأن الأصح أن نتبع صوت العقل وليس الشعور في حال كان هناك سبب منطقي يدفعنا لأن نظن خطأ الإجابة التي اخترناها، لذا عندما تساورنا الشكوك لا يجب أن نتبع حدسنا وإنما المنطق.

الخرافة 17: السمة المميزة لعسر القراءة هي عكس الحروف، يظن الكثير من غير المختصين أن الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة يرون الحروف معكوسة، غير أن الباحثين يجدون أن المصابين بعسر القراءة يواجهون مشكلة في التعامل مع “المقاطع الصوتية”، وهي أصغر وحدة لغوية ذات معنى، فهم يجدون صعوبة في تقسيم الكلمات إلى مقاطع صوتية، وبعض الباحثين يرون أن المصابين بعسر القراءة لديهم قصور في القدرة البصرية وقصور في التعامل مع المقاطع الصوتية في نفس الوقت، ولكن هذا الرأي لا يحظى بقبول عام، وعلى أي حال، فاعتقاد أن السمة المميزة لعسر القراءة هي عكس الحروف مجرد خرافة لا يوجد أي دليل علمي عليها وإنما كل الدلائل ضدها.

الخرافة 18: يحقق الطلاب أقصى استفادة من التعليم عندما تتوافق أساليب التدريس مع أساليب تعلمهم، وهنا لا توجد أي دلائل تؤيد فعالية التوفيق بين أساليب التدريس التي يستخدمها المعلمون وأساليب التعليم التي يميل إليها الطلاب، كما أنه لا يستطيع القائمون على التعليم أن يدربوا المدرسين على تعديل أساليب التدريس التي يستخدمونها لتتوافق مع أساليب التعلم التي يميل إليها الطلاب.

الفصل الخامس: تبدل حالات الوعي: خرافات عن الوعي

الخرافة 19: التنويم المغناطيسي حالة مميزة من حالات ((الغشية)) تختلف في طبيعتها عن اليقظة، وقد فند هذا الاعتقاد قديما، حيث انتهى الباحثون منذ زمن إلى أن التنويم المغناطيسي سببه هو التخيل والظن، أي أنه تأثير لعلاج وهمي، وأنه لا يغير من أحوال الإنسان المنوم، فبإمكانه مقاومة إيحاءات المنوِّم ومعارضتها، ولا يقوم الإنسان الخاضع للتنويم المغناطيسي بأي شيء يتنافى مع طبيعته كما تعرض مسلسلات وأفلام هوليوود، كما أنه كشف الباحثون على أن الأشخاص الخاضعين للتنويم المغناطيسي يكونون في يقظة تامة، فالفرق بينه وبين النوم سطحي جدا، وتعتمد إيحائية التنويم المغناطيسي على الأشخاص الذين لديهم استجابة للإيحاءات حتى من دون تنويم مغناطيسي، لكن، لا توجد أي دلائل علمية تؤيد الادعاء القائل بأن المنوَّم مغناطيسيا تصدر عنه سلوكيات غريبة.

الخرافة 20: أثبت الباحثون أن الأحلام لها معنى رمزي، يعتقد العديد من الناس أنهم يجب عليهم فك رموز الأحلام لأنها تكشف عن رغبات اللاوعي، ولتفنيد هذا الاعتقاد نلجأ إلى رأي المدرسة التحليلية مع سيجموند فرويد الذي يؤكد على نقطتين مهمتين بهذا الخصوص: الأولى أن الخواطر والمشاعر التي نعايشها كل يوم يمكن أن تؤثر على أحلامنا، والثانية أن العاطفة تلعب دورا كبيرا في الأحلام. ولكن كون المراكز العاطفية بالمخ تشحذ أثناء مراودة الأحلام لنا وفي الوقت ذاته يقل نشاط الجزء الأمامي من المخ المسؤول عن التفكير المنطقي، أي أن الأحلام هي محاولات لتحقيق رغبات الهو، ولا يعني أن الأحلام تخفي مغزاها وراء الرموز كما خرافتنا هذه.

الخرافة 21: بإمكان الإنسان أثناء نومه اكتساب المعرفة، كأن يتعلم لغة جديدة، يعتبر هذا الاعتقاد شائعا جدا كون أن العديد من الكتب والبرامج التليفزيونية والأفلام الشهيرة تثبت هذه الفكرة وتُشيعها أكثر لدى الناس، وما أكد على ذلك هو دراسة قام بها الباحثون ليجدوا أن مجموعة ممن قاموا بالاستماع لشرائط تعلم اللغات أثناء النوم تعلموها لكن دراسات أخرى فندت هذا الاعتقاد وهي التي راقب القائمون عليها موجات المخ ليتأكدوا من أن من خضعوا للتجربة كانوا نائمين بالفعل، فوُجد أن من استفادوا من هذه الشرائط لم يكونوا نائمين بل استمعوا إلى مقتطفات من هذه الشرائط وهم يتأرجحون بين اليقظة والمنام.

الخرافة 22: أثناء تجارب ((الخروج من الجسد)) يغادر الوعي الجسد، ولتفنيد هذا الاعتقاد لجأت بيجنا لينجينهاجر ومجموعة من زملائها إلى اختلاق مناخ افتراضي مماثل للحقيقة يمثل ظاهرة الخروج من الجسد وما دامت هذه الظاهرة قد تختلق وتمثل فهذا تلقائيا دليل على أن وعينا لا يغادر بالفعل أجسامنا، على الرغم من القناعة القوية الوهمية بذلك.

الفصل السادس: شيء في صدري: خرافات عن العواطف والدوافع

الخرافة 23: اختبار كشف الكذب وسيلة حقيقية للتحقق من الخداع، نظرا لأننا كلنا نكذب على الأقل مرة في اليوم، ونظرا لأنه لا يمكن معرفة أن الشخص يكذب فقط من كلامه، لجأ العديد من الناس لاختراع طرق وأجهزة لكشف الكذب، حتى تم اختراع جهاز كشف الكذب، وهو يزودنا بتسجيل مستمر للنشاط الفسيولوجي، لكن قد يكون الشخص المُختبر صادقا ولكن يميل للتعرق جدا، وبما أن جهاز كشف الكذب يسجل النشاط الفسيولوجي وهذا يزيد من درجة كفاءة توصيل الجلد للكهرباء وبالتالي سيظهر الجهاز أنه مخادع وكاذب بينما هو صادق! وبالتالي فجهاز كشف الكذب لا يعد أداة مثالية للتمييز بين الحقائق والأكاذيب.

الخرافة 24: يتوقف شعورنا بالسعادة إلى حد بعيد على الظروف الخارجية، وقد ثبت في دراسة مدى صحة هذا الاعتقاد أنه حقا هناك الأحداث المصيرية التي تؤثر عنا سلبا أو إيجابا على سعادتنا على المدى الطويل أو ربما في بعض الأحيان يكون تأثيرها أبديا كَ: “الطلاق أو فقدان شريك الحياة أو التسريح من العمل”، ولكن في حال حدوث مثل هذه الأحداث يتأقلم الناس معها مع مرور الوقت، لذا لا ترتبط سعادتنا كليا بما يحدث لنا خارجيا، ولكن السعادة ترتبط بما نصنعه نحن ونحققه في حياتنا على الأقل لأن ذلك مرتبط بذواتنا.

الخرافة 25: السبب الأساسي أو الوحيد للقرح هو التوتر، ظن الكثير من العلماء الذي تأثروا بسيجموند فرويد أن القرح ينتج عن الصراعات النفسية وبذلك شاع هذا الاعتقاد، واستبدل مصدر القرح من الصراعات النفسية بالتوتر، ولم يثبت الباحثون حتى الآن دور التوتر في التسبب في القرح لكن ثبت في مقابل ذلك أن التوتر ليس هو، السبب الوحيد أو الأهم لذلك.

الخرافة 26: التوجه الذهني الإيجابي يمكن أن يقي من السرطان، وقد أثبت الدراسات والأبحاث في هذا الصدد أنه لا توجد أي رابطة بين التوتر والمشاعر والسرطان، حتى أنه ثبت أيضا أنه لا علاقة للتوجهات الذهنية والحالات الشعورية بالبقاء على الحياة لمرضى السرطان، ولم يثبت حتى أن الدعم النفسي لمرضى السرطان يبطئ مرضهم أو يقضي عليه، إذن فلا تأثير ولا علاقة ولا ترابط ما بين التوجه الذهني كيف ما كان ومرض السرطان!

الفصل السابع: الكائن الاجتماعي: خرافات عن سلوكيات التعامل

الخرافة 27: الأضداد تتجاذب: نحن ننجذب عاطفيا أكثر إلى الأشخاص الذين يختلفون عنا، وهذه خرافة لأن الأدلة البحثية تشير إلى أنه في العلاقات العاطفية يتجاذب الأمثال وليس الأضداد، وتوضح مئات الدراسات أن الأشخاص الذين لهم سمات شخصية متشابهة يزيد احتمال انجذاب بعضهم إلى بعض من الأشخاص الذين صفاتهم متضادة وغير متشابهة.

الخرافة 28: الأمان في الكثرة: كلما زاد عدد الأشخاص الحاضرين في حالة طارئة زادت احتمالات تدخل شخص ما، وقد أثبت الدراسات عكس ذلك “في الكثرة خطر وليس أمان”، فقد لُوحِظ في العديد من الحوادث والأبحاث أنه لا أمان في الكثرة وأن الناس لا يكترثون للخطر وللطوارئ ولا يتدخلون لتقديم المساعدة في حال كانوا كثرة، فالقليل فقط من الناس من يتدخلون لتقديم الأمان في الكثرة بينما الغالبية لا تكثرت.

الفصل 29: يختلف الرجال والنساء في طرق التواصل اختلافا تاما، ونجد هذا الاعتقاد الخاص بسوء الفهم بين الرجل والمرأة حاضرا وبقوة في الأغاني والشعر والأدب والمؤلفات، فحتى سيجموند فرويد كان قد أخبر المحللة النفسية ماري بونابارت عن سوء الفهم الذي يواجهه الرجل في فهم المرأة. لكن بعد اللجوء إلى قياس حجم الاختلاف بين الرجل والمرأة بمقياس “كوين د” ثبت أنه الرجال والنساء يتواصلون بأساليب بينها اختلاف ضئيل، وعدد قليل للغاية من تلك الاختلافات هو ما يكون كبيرا بقدر كاف يعطيه أهمية ما، ومع ذلك فللأغراض العلمية تزيد درجة التشابه بين الرجل والمرأة في أنماط التوصل التي يتبعونها أكثر من درجة الاختلاف.

الخرافة 30: التعبير عن الغضب أفضل من كتمانه، وسيجموند فرويد من بين أنصار هذا الاعتقاد باسم “التنفيس” بحيث يؤيد فكرة أنه يجب على الشخص عدم كتمان غضبه وإنما إخراجه وإطلاقه عن طريق التحدث مثلا، وأيضا أحد طرق العلاج النفسي المشهورة تشجع المرضى على الصراخ أو لكم الوسائد أو رمي الكرات صوب الحائط لتفريغ غضبهم عندما يغضبون، لكن بعيدا عن هذا هناك أبحاث تشير إلى كذب فرضية التنفيس بحجة أنها تزيد من معدلات العنف، وبذلك فالتنفيس عن المشاعر المكبوتة يزيد من حدتها ليس إلا، ولا يكون مجديا إلا إذا كان مصحوبا بحل بنَّاء للمشكلات.

الفصل الثامن: اعرف نفسك: خرافات عن الشخصية

الخرافة 31: تنشئة الأطفال بأسلوب متشابه يجعل شخصياتهم متشابهة عند الكبر، ورد هذا الاعتقاد في العديد من الكتب والمقالات العلمية، ولعل من الأسباب التي يعود إليها هذا الاعتقاد ويؤيد بها علماء النفس الشعبي هذا الاعتقاد هو ترتيب الميلاد، لكن عكس ذلك ففي أغلب الدراسات كانت العلاقة بين ترتيب الميلاد والشخصية غير متوافقة أو منعدمة، وعثر الباحثون على ارتباطات بسيطة بين ترتيب الميلاد وبضعة جوانب قليلة من الانسجام مع الآخرين والانفتاح والانبساط الاجتماعي، لذلك فمؤشر ترتيب الميلاد يرتبط بقلة من السمات الشخصية ارتباطا ضعيفا يجعله بعيد جدا على أن يكون المؤشر القوي الذي يريد علم النفس الشعبي أن يقنعنا به.

الخرافة 32: الصفات الموروثة يستحيل تغييرها: لطالما ظن الكثير من العلماء في أوائل الثمانينيات أن سلوكنا يتشكل عن طريق البيئات التي نعيش فيها والتي تمثلها المعتقدات والممارسات الثقافية ومحيطنا من أفراد الأسرة وغيرهم من ذوي الأهمية والتأثير في حياتنا، والحوادث. لكن في عهدنا هذا بات العلماء الآن على يقين تام من تأثير الجينات الوراثية في الشخصية وفي العديد من الجوانب الأخرى من السلوك الإنساني. ومع ذلك ما تزال الاعتقادات الخاطئة المتعلقة بالانتقال الوراثي للسمات النفسية قائمة وأن هذه السمات الوراثية لا يمكن تغييرها. فعلم النفس الشعبي أخذ هذا الاعتقاد الخاطئ عن فهم خاطئ لانتقال السمات الوراثية خصوصا فيما يخص الذكاء، وقد ثبت حاليا في دراسات وأبحاث جديدة أن البيئة يمكن أن تزيد نمو القدرة العقلية حتى وإن كان معدل الذكاء سمة موروثة إلى حد بعيد، فنعم يتوارث الأشخاص بعض السمات كالذكاء مثلا لكن ما يجعل الاعتقاد الأول خرافة هو أنه يمكن تغيير الصفات الموروثة ولا استحالة في ذلك.

الخرافة 33: تدني تقدير الذات سبب رئيسي للمشكلات النفسية، غير أن الأبحاث أثبتت أن تدني تقدير، الذات لا يرتبط ارتباطا قويا بالصحة النفسية المتدنية، وثبت في أبحاث أخرى على أن تقدير الذات يرتبط ارتباطا ضئيلا بالنجاح في التعاملات الشخصية، وأنه لا يرتبط دائما بالتدخين وإدمان الكحوليات أو المخدرات، وأنه على الرغم من التأثير الإيجابي لتقدير الذات في الأداء المدرسي، ثبت أن الأداء المدرسي الجيد هو الذي يسهم في ارتفاع درجة تقدير الذات، كما أن تدني تقدير الذات سبب رئيسي لزيادة احتمال اللجوء للعنف البدني وخرق القوانين، ومع ذلك فالدرجات العالية من تقدير الذات لا تحمي هي الأخرى من اللجوء للعنف، بل ارتفاع تقدير الذات يتسبب في الميل إلى ممارسة العنف البدني، نظرا لأن تقدير الذات المرتفع يتسبب في النرجسية والأشخاص النرجسيون ميالون للهجوم على الآخرين والتنمر عليهم والتصرف بعدوانية معهم.

الخرافة 34: يعاني معظم الأفراد الذين تعرضوا للاعتداء الجنسي في طفولتهم من اضطرابات حادة في الشخصية عند البلوغ، وقد فند هذا الاعتقاد عبر فكرة أنه يُعد استخفافا بقدرة الأطفال على تجاوز الأزمات، فعلم النفس الشعبي يصور الأطفال دائما على أنهم مخلوقات ضعيفة يغلب عليها “الانهيار” إذا واجهتها الضغوط وهذه الخرافة تسمى “خرافة هشاشة الأطفال”، غير أن الأدلة العلمية تثبت عكس ذلك، وبالتالي فالأطفال قادرين على تجاوز ما يتعرضون له من اعتداءات جنسية وغيرها في طفولتهم.

الخرافة 35: تكشف إجابات الأفراد على اختبارات بقع الحبر عن قدر كبير من المعلومات عن شخصياتهم، بالرغم من القبول الذي يلقاه هذا الاعتقاد المزعوم من طرف الطبيب النفسي السويسري هيرمان رورشاك إلا أن أدلته تعد ضعيفة على فوائده العلاجية، وقد ثبت في الدراسات أن “النظام الشامل” المعتمد من طرف رورشاك يميل إلى إظهار الأشخاص الطبيعيين في صورة المضطربين، فقد كشفت دراسات قام بها توماس شافر وزملاؤه عام 1999 على أن عينة من الأفراد الطبيعيين حصلوا على تقييمات مرضية فادحة في اختبار رورشاك، وبالتالي فأحيانا تكون بقع الحبر مجرد بقع الحبر لا غير.

الخرافة 36: يكشف خط يد كل منا عن سمات شخصيته، وفي هذا فقد أجرى جيفري دين (1992) أفضل مراجعة نقدية على الإطلاق للاختبارات العلمية الخاصة بعلم الخطوط. وأجرى تحليلا مقارنا لأكثر من 200 دراسة، اكتشف على إثرهم فشلا واضحا من جانب خبراء الخطوط في رصد سمات الشخصية أو توقع الأداء الوظيفي، و”ظاهرة بارنوم” أو عبارات بارنوم التي يخبر بها خبراء الخطوط الأشخاص الذين يأتونهم هي مجرد عبارات تنطبق على الجميع، فعبارات بارنوم هي عبارات تنطبق على الجميع.

الفصل التاسع: حزين وغاضب ومزعج؛ خرافات عن المرض العقلي

الخرافة 37: تسبب المسميات النفسية ضررا عن طريق وَصْم المرضى بالمرض العقلي، فيراهم الناس بنظرة سلبية وقد يعاملونهم بطرق غير سليمة كالاستهزاء بهم أو إيذائهم، وقد استُنتجَت الدراسات وانتُقِد الاعتقاد الخاص بتسبب المسميات النفسية في ضرر عن طريق وصم المرضى بأن من يقومون بوصم المرضى النفسيين أو التعامل معهم بطريقة سلبية يمكن أن يكون سبب تصرفهم هذا هو الشذوذ السلوكي وليس تسمية الأمراض، فالمسميات نفسها لا تسبب الأذى، وغالبا ما تكون سرية،  فلا شيء يجبر الأشخاص الذين يقلقون من أن تلحق بهم وصمة بأن يخبروا غيرهم بتشخيصات حالاتهم!

الخرافة 38: لا يقبل على الانتحار إلا من يصابون بالاكتئاب الشديد فقط، هذا اعتقاد شائع جدا، لكن في حقيقة الأمر وعلميا يصل احتمال وقوع الانتحار في حياة شخص مصاب باكتئاب شديد إلى ما يقارب من 6٪ (إنسكيب، هاريس، وباراكوف، 1998)، أما بالنسبة للشخص العادي فاحتمال انتحاره يبلغ 1٪ فقط. كما أن الأبحاث تظهر أن ما يقارب 13٪ و41٪ (بناء على الفحص) من الأفراد الذين ينتحرون لا تنطبق عليهم المعايير التشخيصية للاكتئاب الشديد، بل يكون المنتحرون غالبا مصابون بأمراض أخرى كالفصام واضطرابات الإدمان، اضطرابات الهلع، الرهاب الاجتماعي واضطراب الهوية الجنسية وغيرهم. ومن كل هذا فالاكتئاب الشديد أو الحاد لا يكون دائما سببا في حالات الانتحار.

الخرافة 39: الأشخاص المصابون بالفصام لهم شخصيات عديدة، وهنا تكمن الفكرة الخاطئة في أن الناس يعتقدون أن الفصام و”ازدواج الشخصية” أو “اضطراب تعدد الشخصية” الذي يطلق عليه حاليا “اضطراب الهوية الانشقاقي” هما شيء واحد، فمصطلح الفصام يساء استخدامه وبالتالي يستخدم في غير محله، دالا على غير معناه الحقيقي، فالفصام يختلف عن “اضطراب الهوية الانشقاقي” الذي هو حالة توفر الشخص على اثنين أو أكثر من “الشخصيات البديلة”، ومن أمثلته المألوفة “ازدواج الشخصية”، والفصام في الحقيقة ليس تعدد الشخصيات وإنما شخصية واحدة تتعرض للتقسيم والتفتيت، أي تشوش التفكير والتقلبات المفاجئة في الأحوال المزاجية، وغالبا تحاصرهم الأوهام والهلاوس، وليس تعدد الشخصيات!

الخرافة 40: تظهر على أبناء مدمني الكحول مجموعة مميزة من الأعراض، يصف علم النفس الشعبي ومنظريه أبناء مدمني الكحول بأن لديهم بعض الصفات المختلفة عن غيرهم كتدني تقدير الذات، الشعور بالخجل والذنب، نزعة إلى تحمل قدر كبير من المسؤولية عن الآخرين في أوقات معينة، حاجة إلى استحسان الآخرين، صعوبات في العلاقات الحميمية، إفراط في الولاء للآخرين، شعور بالعجز ومشكلات في السيطرة عن الدوافع، لكن، كشفت الأبحاث على أن هذه الصفات في الحقيقة تنطبق على حقا على الأبناء البالغين لمدمني المخدرات لكن الأهم والخدعة تكمن في أن هذه الصفات تنطبق على الجميع تقريبا.

الخرافة 41: تفشى مرض التوحد الطفولي بصورة وبائية في الآونة الأخيرة، والغريب أن بعض الدراسات أظهرت أن وباء التوحد قد يكون مجرد وهم، ووجدوا أن الفترات التي ارتفعت فيها نسبة انتشار التوحد انخفضت فيها في المقابل تشخيصات التأخر العقلي وإعاقات التعلم، وافترض نتيجة لذلك، أن تشخيصات التوحد ربما كانت تتبادل المواقع مع غيرها من التشخيصات الأقل مسايرة للموضة، كما أن الدراسات أيضا أظهرت أن تشخيصات التوحد تشهد زيادة مذهلة في غياب أي زيادة حقيقية في انتشار التوحد، وبالتالي فهذه ليست إلا خرافة.

الخرافة 42: تزداد الجرائم وحالات دخول المستشفيات النفسية في أوقات اكتمال القمر، على مدار الأعوام ربط المؤلفون اكتمال البدر بمجموعة من الظواهر مثل السلوكيات الغريبة، وحالات دخول المستشفيات النفسية وحالات الانتحار وغيرهم، وقد ارتبطت عدة أحداث وأساطير باكتمال القمر. فالبوذية لحد الآن تحرم على أتباعها ممارسة الألعاب التي تمارس في الهواء الطلق أثناء فترات اكتمال القمر، ولا يزال الاعتقاد القائل أن لاكتمال القمر علاقة ببعض الظواهر موجودا حتى الآن، ويسمى هذا الاعتقاد “التأثير القمري” أو “تأثير ترانسلفانيا”، وفي هذا الموضوع قامت أكثر من 100 دراسة لا توجد من بينها أية دراسة تؤكد على أن للقمر المكتمل صلة بأي شيء مما يدعيه الناس، وأيضا يمكن أن يفسر هذا الاعتقاد بأن الممرضات اللواتي يعتقدن في صحة التأثير القمري هن اللواتي يسجلن عددا من الملحوظات بخصوص السلوكيات الغربية للمرضى أثناء فترة اكتمال القمر، وهذا ما دعم هذه الظنون الخاطئة بالإنسان دائما ما يحاول ربط ما يحدث له باعتقاداته.

الفصل العاشر: خرافات عن علم النفس والقانون

الخرافة 43: معظم المرضى العقليين يتسمون بالعنف، وتتفق اعتقادات عامة الأفراد بهذا الاعتقاد بشكل يقيني بينما تنقضها الدراسات التي تكشف على أنه توجد نسبة زيادة طفيفة في احتمال اللجوء للعنف بين الأفراد المصابون بأمراض نفسية شديدة، مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب وغيرهم، وحتى هذه الدراسات فقد أظهرت أن هذه الخطورة الزائدة تقتصر على مجموعة فردية صغيرة نسبيا من الأفراد المصابين بهذه الأمراض. وكشفت بعض الدراسات الحديثة على أنه لا يميل المرضى النفسيون أصحاب الحالات شديدة الخطورة ممن لا يعانون اضطرابات إدمان المواد المخدرة إلى العنف بدرجة أكبر من غيرهم من الأفراد، وبالتالي ففكرة الاحتمال المتزايد للعنف بين المرضى النفسيين غير صحيحة.

الخرافة 44: يساعد التحليل النفسي الجنائي في حل القضايا، بينما كشف اختبار قياس قدرات خبراء التحليل النفسي الجنائي المحترفين إلى قدرات الأفراد غير المدربين، عند إخضاع التحليل النفسي الجنائي له على أن النتائج غير مبهرة، وغالبا ما تكون كذلك في كل الاختبارات، فحسب الدراسات نادرا ما يتميز خبراء التحليل النفسي الجنائي المدربون عن الأفراد غير المدربين في استنتاج سمات شخصيات القتلة الحقيقيين من تفاصيل جرائمهم، فخبراء التحليل النفسي الجنائي لا يتفوقون إلا بدرجة ضئيلة للغاية عن غيرهم من الأفراد غير المتخصصين في التحليل النفسي الجنائي كطلاب الجامعة وعلماء النفس، وبالتالي فمساعدة التحليل النفسي الجنائي في حل القضايا لا تكاد تكون إلا مساعدة ضئيلة قد يقدمها غيرهم من غير المتخصصين على اختلاف ضئيل للغاية بين ما يستنتجه المتخصص وغير المتخصص.

الخرافة 45: ينجح نسبة كبيرة من المجرمين في استغلال الدفع بالجنون، على الرغم من أن العديد من الأمريكيين يعتقدون أن الدفع بالجنون حيلة يستخدمها الجناة كمنفذ يفلتون عبره من العقوبة، إلا أن الصحيح أن هذا الدفع تجري الاستعانة به في أقل من 1٪ فقط من المحاكمات الجنائية، وأن نسبة استخدامه في مجملها تقترب من 25٪ فقط، وأن الحالات التي تم إطلاق سراحها لهذا النوع من الدفع تقترب من 15٪ فقط وليس كما يدعي العوام من الناس، وبالتالي فالاعتقاد بأن نسبة كبيرة من المجرمين يستغلون حجة الدفع بالجنون للإفلات من العقوبة غير صحيح، فحتى من يحكم عليهم بدفع الجنون يقضون في المستشفيات الخاصة بالأمراض العقلية مدة قريبة من المدة المحكوم على الجاني العاقل بها في السجن إن لم نقل نفس المدة.

الخرافة 46: كل من يعترف بارتكاب جريمة ما يكون هو الذي ارتكبها حقا، تساعد الأعمال التلفزية في دعم الاعتقاد القائل إن الأفراد الذين يعترفون بأعمالهم الشريرة هم المذنبون الحقيقيون دائما، لكن يحدث في الحقيقة أن يعترف بعض الأشخاص بجرائم لم يرتكبوها، فمن الأشخاص من يكذبون في اعترافاتهم رغبة في حاجتهم إلى معاقبة الذات من أجل التكفير عن تجاوزات الماضي الحقيقية أو المتخيلة، أو رغبة في حماية الجاني الحقيقي، كما هو الحال إذا كان الجاني الحقيقي قريبا للمتهم، وهناك من يجد صعوبة في التمييز بين الحقيقة والخيال، أو ربما يصل الحال بالمتهمين المعرضين للأذى والضغط المتراكم من التحقيق إلى الاعتقاد بأنهم ارتبكوا الجريمة فعلا، وبالتالي فليس كل من اعترف بقيامه بجريمة ما قد ارتكبها فعلا.

الفصل الحادي عشر: مهارات وعقاقير: خرافات عن العلاج النفسي

الخرافة 47: بصيرة الخبراء وحدسهم أفضل وسيلتين لاتخاذ القرارات العلاجية، يعترض الكثير عن هذا الاعتقاد المناصر لعملية التنبؤ الميكانيكي في اتخاد القرارات العلاجية، وينصرون اعتراضهم ببيان أن هذا النوع من العلاج يعتمد على التعميم بين الحالات، بينما قد لا يناسب هذا كل الأفراد لأن الأشخاص يختلفون دائما عن غيرهم، بمعنى أنه قد يصل نجاح علاج مرض ما عند شخص ما للحد الأقصى بينما قد لا ينجح هذا العلاج أبدا لنفس المرض عند شخص آخر، كما أن التعامل مع الناس بطريقة التنبؤ الميكانيكي تجعلهم كالأرقام فيحدث خلطا بين المعلومات للوصول إلى قرارات علاجية، ومن كل هذا فالبصيرة والرأي غير كافيان لاتخاذ القرارات العلاجية.

الخرافة 48: الامتناع هو الهدف الواقعي الوحيد لعلاج مدمني الكحوليات، وهنا نقول إنه لا يوجد علاج واحد فقط يصلح للجميع، فهناك مجموعة من الخيارات الكبيرة في علاج إدمان الكحوليات غير الامتناع، كالأدوية الطبية والعلاج النفسي ومجموعات الدعم، أما فكرة أن هدف الامتناع التام عن التناول في مقابل التحكم في معدل التناول ربما يجب استخدامهما على حسب الحالات المرضية كل على حدة، فما يصلح لأحد الأشخاص لا يصلح للجميع، فالتحكم في معدل التناول لا يصلح لجميع أنواع مدمني المخدرات وإنما لبعضهم فقط.

الخرافة 49: جميع وسائل العلاج النفسي الفعالة تجبر الأفراد على مواجهة الأسباب “الجذرية” لمشكلاتهم التي تعود لسنوات الطفولة، من ما يتوطن في ذاكرة الناس أنه عند استحضار العلاج النفسي في أذهانهم يرون عادة صورة واحدة، تمثل مريضا يجلس مستلقيا على أريكة، يطلب منه المعالج تذكر أحداث الماضي البعيد المؤلمة وسردها عليه، إذ من المفترض أن تكون هذه التجارب السابقة هي السبب في المشكلات التي يعانيها المريض عند الكبر، ولعل اعتقادات المحلل النفسي سيجموند فرويد تؤكد على هذا وتؤيده، حيث كان يعتقد في أن الصعوبات التي يمر بها الفرد شديدة الصلة الطفولة التي مر منها من قبل، خاصة السلبية منها، ورغم كل هذا إلا أن الأبحاث العلمية في هذا الموضوع، تؤكد تساوي درجة فعالية طرق العلاج التي تبدي أقل اهتمام بعلاج المشاعر المتزعزعة من الطفولة أو مواجهتها مع الطرق التي تمعن في الاهتمام بالماضي، بل قد تتفوق عليها الأولى أحيانا، وقد تبين الآن أيضا أن عددا من طرق العلاج الحالية، بصرف النظر عن مسألة اهتمامها بالماضي أو الحاضر، يمكن أن تكون ذات فائدة للأفراد بصرف النظر عن حاجتهم الاجتماعية والاقتصادية أو أنواعهم أو أعمارهم.

الخرافة 50: العلاج بالصدمة الكهربائية علاج خطير وقاس من الناحية البدنية، ربما لا تتعرض أغلب وسائل العلاج النفسي للقدر الكبير الذي من الأفكار المغلوطة الدي يتعرض له العلاج بالصدمة الكهربية، فمعظم الناس يحكمون عليه بأنه علاج قاس ووحشي وخطير على المريض نفسيا وبدنيا، وغالبا ما تنتشر هذه الفكرة في بعض الدول تحديدا كالولايات المتحدة وأستراليا والدول الأوروبية، ويرجع هذا الاعتقاد ربما لتاريخ هذا العلاج، حيث أحدث في السابق تشنجات عنيفة للمرضى أدت إلى كسور في عظامهم أو تحطم أسنانهم أو موتهم في بعض الأحيان وذلك قبل العقود الخمسة الأخيرة، حيث كان يستعمل آنذاك هذا العلاج لإخضاع المرضى الذين يصعب السيطرة عليهم، أما الآن فقد صارت هذه الطريقة أكثر أمانا ورحمة، فقد أصبح المرضى يتلقون مخدرا عاما أولا لإرخاء العضلات قبل أن يتم علاجهم بالصدمة الكهربائية، فطريقة الاستخدام السيئة في الماضي لهذا العلاج هي السبب في هذا الاعتقاد المغلوط والذي هو صحيح في حال الاستخدام السيء لهذا العلاج دائما وخاطئ في ظرف استعماله بشكل جيد بعد حقن المرضى بمخدرات ومهدئات قبل اللجوء إليه.

يختتم الكُتَّاب كتابهم بخاتمة بعنوان “الحقيقة أغرب من الخيال”، يبدؤونها بملخص صغير لمحتوى الكتاب، ثم يقدمون 13 اكتشاف من اكتشافات علم النفس التي يصعب تصديقها ولكنها صحيحة، نذكر منها أن أمخاخنا تحتوي على ما يقارب 3 ملايين ميل من الوصلات العصبية، أي الوصلات الموجودة بين خلايا المخ، فإذا وُضعت هذه الوصلات جنبا إلى جنب صار طولها مسافة ما بين الأرض وسطح القمر مضاعفة بما يقارب 12 مرة.

وبعد هذه الاكتشافات الحقيقية لعلم النفس الحقيقي والنظري، وضع الكتاب جزءا لأفكار ختامية عن الاستفادة من مهارات محو الخرافات في شتى مناحي الحياة. ثم ملحقا به مواقع إلكترونية يوصى بزيارتها من أجل استكشاف علم الخرافات النفسية، ثم المراجع التي اعتمد عليها الكُتّاب في كتابة كتابهم هذا، والتي أخذت حيزا كبيرا من الكتاب يقع في حوالي 100 صفحة.

وأختتم مقالي برأيي في الكتاب، فهو جيد وترجمته جيدة على عكس الكثير من الكتب الأجنبية التي تترجم بشكل غير لائق باللغة العربية ويصعب بذلك على القارئ فهمها، أما من ناحية محتوى الكتاب فهو جميل ومتسلسل وبه أكثر من 50 خرافة، ففي آخر كل فصل يضع المؤلفون العديد من الخرافات الأخرى إلى جانب حقائقها في جدول، وعلى الرغم من أنني لا أتفق على أن بعض الاعتقادات خرافات كما اعتبرها الكتاب إلا أنه يبقى المؤلفون متخصصون وأدرى مني بذلك، وعلى العموم فالكتاب جميل ومصحح لمفاهيم شتى نأخذ بها دون دراية منا عن مدى صحتها.

1xbet casino siteleri bahis siteleri