الألم الاجتماعي

في كل مرة أقرأ فيها أو أسمع عن معاناة أحدهم جراء تعرضه لنبذ أو رفض اجتماعي، أو جراء فقد أو انتهاء علاقته بأحد المقربين، أجد أن وصفه للألم الناتج عن ذلك، نوعا ما مبالغ فيه لدرجة أنه يحاكي وصف الألم العضوي والمادي في جل تجلياته أو أكثر، إذ إن نعته بمصطلحات مماثلة كتلك التي نستخدمها عادة في وصف كل ما هو مادي وجسدي؛ كعبارات الكسر والجرح وما إلى ذلك، لم تكن بالنسبة لي سوى بلاغة لإظهار أذى نفسي معنوي ليس إلا. وأن فظاعة مشهد ما بعد الفراق ما هو إلا تضخيم درامي يرجى من خلاله كسب أكبر عدد ممكن من التعاطف.

ولطالما اعتبرت أن وصف ألم فاجعة الفراق أو الخيانة على أنه ألم يصيب الجسد أو القلب على وجه الخصوص، لم يكن سوى وصفا مجازيا لمعاناة لامادية، إلى أن قرأت رواية كن خائنا تكن أجمل للكاتب عبد الرحمان مروان حمدان، والمستوحاة من قصة حقيقية لصديق له والذي يروي فيها كيف أن ألم الخيانة القاسية التي تعرض لها صديقه كان سببا مباشرا في إصابته بمرض عضوي، وأن الألم الذي تكبده قلبه جعله يعاني فيما بعد من فشل عضلة القلب بنسبة ليست بالهينة.

واقعة كهذه وتراجيديا بهذه الفظاعة، مع القاموس العنيف الذي استخدمه الكاتب ليصف معاناة صديقه التي أودت بحياته فيما بعد، جعلتني أطرح العديد من التساؤلات ولعل أهمها: كيف لعلاقة اجتماعية فاشلة أن تؤذي صاحبها ليس نفسيا وحسب بل عضويا أيضا؟ وهل فعلا تجربة الرفض الاجتماعي تخلف ألما يشبه في فظاعته الألم الذي ينتج عن الأذى الجسدي أم أنها مجرد مبالغة لكسب التعاطف ليس إلا؟

بحثت عن أجوبة مقنعة علها تكذب ما اعتبرته أنا مجازا لأجد عكس ما كنت أتوقع؛ إذ إن الألم الاجتماعي الذي نستشعره عند تعرض علاقتنا للفشل على سبيل المثال هو ألم حرفي حقا، أي أنه نفس الألم الجسدي الذي يصيبنا والذي يعتبر بمثابة منبه لمشكل أو تلف داخل الجسم وجب التدخل لعلاجه. لأن المناطق الدماغية المتعلقة بالشعور الحسي بالألم هي نفسها المناطق المتدخلة عند الشعور بالألم الاجتماعي، ومن هنا يمكن اعتبار أن هذا الأخير هو كذلك بمثابة ٱلية للتنبيه عن مشكل داخلي في محاولة لتجنب الأخطار النفسية المتعلقة به والتي يمكن أن تتطور لتشكل تهديدا جديا لحياة الإنسان.

والأكثر من ذلك أن نظام تسكين الألم الجسدي les endrophines والتي ترتفع مستوياتها في أجسامنا عند الشعور بالألم الجسدي، ترتفع أيضا في حالات الألم الاجتماعي وذلك للتقليل من الشعور بالألم، تماما كما في الألم الجسدي، أي أن دماغنا يسعى من خلال إفرازه لهذه المركبات الأفيونية إلى تقليل الألم الناتج عن فشل العلاقات الاجتماعية في محاولة منه لتقليل حجم المعاناة في انتظار إيجاد حلول ناجعة كإعادة اندماج الشخص في المجتمع وتعزيز ثقته بنفسه.

الإقصاء أو الرفض الاجتماعي إذن ليس فقط تربة خصبة لنمو وتكاثر المعاناة النفسية المعنوية، بل أيضا أحد مسببات الألم الحرفي الذي يستدعي التدخل للحد منه وعدم تطوره لأمراض عضوية متعددة يصعب علاجها مع تراجع الصحة النفسية للمريض، كون العديد من البحوث أظهرت أن المرضى الذين يمرون بأزمات نفسية بالموازاة مع أمراضهم العضوية تكون نسبة استجابة أجسادهم للعلاج أضعف من غيرهم وكذا مدة علاجهم أطول وأصعب.

لذا فمن الضروري علينا جميعا سواء مرضى أو متعافين أن نربط بعضنا البعض بعلاقات متماسكة وداعمة، وعدم الاستهانة بالألم الناتج عن الرفض الاجتماعي الذي يعاني منه الأشخاص من حولنا في صمت أصم، فبقدر احتياجنا لبعضنا من أجل تحقيق التواصل والانتماء وكذا تكوين علاقات اجتماعية لضمان البقاء والأمان وتسهيل العيش، فنحن أيضا بحاجة لبعضنا البعض كي نسلم ليس فقط من المعاناة النفسية بل أيضا من الأمراض العضوية والألم في معناه الحقيقي وليس المجازي.