البلاغ الثالث…نسيان!

“سؤال: إلى أينَ يذهبُ ضحايا الوطنِ، وهلْ تستقبلُ الجنّةُ شهداءَنا وشهداءَهم؟
مَنْ منّا على حقٍّ؟ وماذا إنْ كنَّا على باطلٍ؟
أيستطيعُ الموتُ أنْ يوحِّدَ مصيرَ فرائسِهِ في مكانٍ واحدٍ كما فعلَ حينَ جمعَهم، أمْ أنَّ نتائجه كما أسبابه…حزبٌ في الجنّةِ وآخرٌ في النّارِ؟!
أليسَ الموت أثناءَ الدّفاعِ عنِ الوطنِ شهادة، فماذا إنْ كانَ الجميعُ يدافعونَ عنْ وطنِهم وكلٌّ منهم ينكرُ الآخرَ ويعاديه، وأينَ يلتقي هؤلاء إنْ كانَتْ مبادئهم لا تجمعُهم وهي ذاتها؟

جواب: ويستعدُّ الوطنُ للخروجِ منْ قلوبِ مواطنيهِ وكأنَّهُ لا يريدُ سكناهم، يُطرَدونَ شخصاً تلوَ الآخر، والموتُ يعزمُ إعلانَ بدء حملتهِ، يئنُّ الشّجرُ ويشتكي منَ انعدامِ الهواءِ، وتشكو السّماءُ منْ عبواتِ القذائفِ الملتهبةِ، يحلمُ اللّيلُ بالرّحيلِ عنْ أصواتِ أزيزِ الرّصاصِ، ويصرخُ النّاسُ مطالبينَ بيومِ القيامة.

تحضِّرُ الغربةُ برامجَها داخلَ الوطنِ وخارجه، وتطالبُ الشّعوبَ بتطبيقِها، يفتحُ المنفى ذراعيهِ من كلِّ صوبٍ، ويخشى النّاسُ اعتيادَهُ.
يتساءَلُ الإنسانُ: ما قيمتي بلا وطنٍ يحضنُني؟
فيسألُهُ التَّاريخ: وحين كنتَ بداخلِهِ ماذا كانَتْ قيمتُكَ؟
فيصمتْ..”

لا بدَّ أنّها كانَتْ مقدِّمةً جيّدةً للبدءِ بالنّسيانِ، فجدالٌ علنيٌّ كهذا مريحٌ جدّاً، خاصّة أنّه يتناولُ الإنسانَ بشكلٍ عام. وأمّا بالنِّسبةِ للتّخصيصِ، فلا بدَّ منْ طرحِ أمثلةٍ…سأبدأ الكلامَ إذاً..

كانَتْ صدفةً غريبةً حينَ وجدتُ نفسي أتجوَّل في حسابِ أحدِ شهداءِ الحربِ السّوريّةِ على الفيسبوك.
للأمانةِ لا أعرف كيفَ جاءَ ذكره في خاطري لأبحثَ عنِ اسمِهِ وأدخلَ حسابَه.

لقدْ كانَ شابّاً منَ الحيِّ الّذي كنتُ أسكنُ فيه، عرفته معرفةً سطحيّةً، أبناء جيلٍ واحدٍ تقريباً، لقدْ استشهدَ منذ أكثر منْ سبعِ سنين، حينها كانَ نبأ استشهادِهِ صادماً لي.. ربَّما لأنّه كانَ أوّل خسارةٍ شخصيَّةٍ وأوّل موعدٍ علنيٍّ لي للثَّأر منْ هذه الحرب.

يوم استُشهِدَ لمْ يكنْ قدْ تجاوزَ الثَّامنةَ عشر منْ عمرِه.. لا شكَّ أنَّه قدِ استعجلَ الرَّحيلَ.

آخر منشور له كانَ بنهايةِ عام 2011، كما أنَّ هناك منشورات لأقارب وأصدقاء -كنتُ واحداً منهم- كتبوا له رثاءً وحزناً إلى غايةِ عامين بعد تاريخ رحيلهِ تقريباً.

آخر ما كتبَه.. أنّنا سننتصر..
أفكِّر.. عنْ أيِّ نصرٍ كانَ يتحدَّث، ومِنْ أجلِ أيّ نصرٍ قدْ رحلَ؟ أما زالَ يسمع الأخبار؟

المؤسف في الأمر أنَّنا ننسى..ننسى.. وهذا طبع فاسد، لا بدَّ لنا أنْ نتذكَّر، يجبُ أنْ نتذكَّر كي نعي ونتَّعظ!في نتائجِ البحثِ كنتُ قدْ وجدتُ صفحةً عامّةً أُنشِئت باسمهِ مسبوقةً بلقبِ الشَّهيد، راجعتُ سجلّها ومجمل منشوراتها، كانَتْ في بدايتِها تنشرُ صورَه إحياءً لذكراه، والواضح أنّها بعد عامٍ تقريباً تحوَّلتْ إلى منصَّة إخباريّة.

هكذا إذاً.. نحن رماد هذه الحرب وأوّل الأشياء الّتي يحاولُ النَّاسُ إنكارَها ونسيانَها لتخطّي هذه المرحلة.

إنّنا حين نذكرُ عددَ الضّحايا، فإنّنا بشكلٍ غير مباشر نُقلِّلُ منْ أهميَّة الموتِ، ربّما لأنَّ ذلك سيساعدُنا على اعتياده، أو على الاقتناعِ بأنَّ الضَّحيَّة كانَتْ عدداً لا أكثر.

لو أنَّنا نقرأ أسماءَ الرَّاحلينَ فقط لعلمنا حجمَ المصاب وقسوتَه.

ما أستغربه أنّني طوال الفترةِ الماضيةِ لمْ أتذكَّره، أو لمْ أحاول ذلك، لقدْ كنتُ ناسياً حقّاً أنّه قدْ كان، أو كنت أفعلُ كما نفعلُ نحنُ الأحياءُ دوماً.. نتناسى الموتى.

والمُزعج في الأمرِ أكثر أنّني الآن وبعد عشرِ دقائق من احتلاله لتفكيري، حاولتُ مجدَّداً أنْ أُشغِلَ نفسي عنه، أيْ أنْ أكتبَ مثلاً هذا النَّصّ لأُسقِطَ عنّي شعوراً قاتلاً بالذّنب.

كلامي هذا بشكلٍ أو بآخرٍ لا يُظهِرُ مدى إنسانيَّتي بقدرِ ما يُظهِرُ أنانيّتي وحقيقة أنَّ الكتابة عمّا حصل ستجعلُني أتجاوزُ قلقي وأخلد للنّوم…وفعلاً.. كنتُ قدْ نمتُ بعدها!

بالانتقالِ إلى الخاتمةِ سأقول غاضباً ومتهكِّماً:

“دعوني أقولُ لذاكَ الوطن بأنَّ مَنْ كانَ يريدُ الحياةَ بهِ قَدْ عاشَ بدونِهِ، وأنَّ مَنْ قُتِلَ قَدْ قُتِلَ فحسبْ، وأنَّ مَنْ كانَ السّجنُ مأواهُ فهذا مجرّد قدر، وأنَّ شتات البيوتِ عبارةٌ عنْ حجارةٍ متساقطةٍ ليسَ إلّا، وأنَّ أنهرَ الدّماءِ الّتي جرتْ هي مجرّد مياهٍ حمراء، وأنّ كلّ الأحداثِ الّتي حدثَتْ هي محض صدفةٍ سيّئةٍ ليسَ لنا علاقة بها.

 دعوني أنعي لكم كلّ المبادئ والشّعاراتِ الّتي كتبناها، دعوني أنعي لكم رحيلَ ذاكَ الوطنِ عنْ حضنٍ كانَ يظنُّهُ حضناً”

والسّلام.. على أرواحِنا!