الحزن فرح الوجود

136

من أكبر المفارقات التي ألحظها في حياتي اليومية، على منابر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي هو تلك الدعاية التي يتم نشرها عن السعادة وأنها هي الهدف في الحياة، وكل ما يتم إذاعته من الإشهارات المليئة بالرقص والزغاريد، والأفلام المنتهية بفوز البطل وزواجه بحبيبته وعيشهما بآمان، وهذه البروبغندا التي تَخْلق عند المشاهد مفارقة خطيرة؛ تؤثر على نظرته حول الحياة وقدرته على التفريق ما بين الواقع والخيال؛ إذ من المستحيل أن نفرح كل الأيام، وإلا لن يكون للفرح قيمة عند قدومه إلينا، تماما مثل الشمس حينما تبزغ بعد أسبوع من هطول الأمطار، فيكون منظرها وسط ضباب الغيوم والرياح أجمل من المشاهدة اليومية لها، فشمس الإنسان سعادته، وهي قادمة لا محالة، لكن من الواجب أن تأتي بعد ليلة ممطرة أحيانا.

فكرة المجتمع السطحية حول مفهوم الحزن
غالبا ما تكون المقاربات المغلوطة التي يقدمها الناس حول مفهومي الحزن والسعادة سبب تعاستهم، فالكل يخاف من أن يشعر بالحزن أو أن يراه الآخرون حزينا، والكل يسعى لتحميل صورته على الأنستغرام وهو في سفر مرح مع أصدقائه ليظهر للآخرين مدى سعادته، لكنه غير مستعد أن يفعل المثل إذا ما أصابته مصيبة أو مشكل؛ لأنه يخاف أن يراه الآخرون متخبطاً في همومه؛ ويخاف لأن ذلك سيظهره بمظهر الضعف وعدم الاستقرار. لكن الحقيقة أن الحزن أمر طبيعي جداً، وعدم تقبلك لحزنك هو جنون وخطأ نابع من جهل بريء حول فكرة الفرح والترح.

اعلم عزيزي القارئ أن فكرة الانشغال بالبحث عن السعادة هي في حد ذاتها تعاسة، لأن البحث عن الشيء يدل على الفقدان القبلي للباحث عنه، فكما أن البحث عن المال يدل على فقر قبلي، والبحث عن القوة يدل على ضعف، فإن تكريس الحياة للبحث عن السعادة وعدم تقبل نكبات الحزن لن يزيد الإنسان إلا إحباطا في سبيل إيجاد سعادته.

الحزن و السعادة وجهان لعملة واحدة
إن الفرح ما هو إلا حزن قبلي وقد انفرج كربه، هذا الانفراج يولد فرحة أولية ستتحول لحزن مبدئي بظهور مشكل آخر، وهكذا دواليك.

فالفرح والترح إحساسان متواليان ومترابطان حالهما كحال الليل والنهار، أو كفصل الربيع الأخضر الذي سينتهي بخريف أصفر. والخشب الخشن الذي سيعطي جيتارة تبدع أنغاما دافئة، لذلك فإذا قال البعض: “إن الحياة مليئة بالفرح”، وقال البعض الآخر: “بل إن الترح أورد ما في الحياة”، سأقول: إنهما توأمان لا ينفصلان، يأتيان ويذهبان معا، فإذا جلس أحدهما منفرداً إلى مائدتي فلن يغرب عن ذهني أن رفيقه سيكون حينئذ مضطجعا على سريري ينتظرني.

الحزن فرح الوجود
كلما طال الفرح، زاد ضحك الإنسان وسروره وكلما علت ضحكاته قل إحساسه بلحظات الحياة وقل احتكاكه بالمشاكل، وزاد اشتياقه لذلك الشعور الجميل حينما يكون الفرد واقفا على ناصية حلمه يقاتل من أجل البقاء، ذلك الشعور عندما يحاول الإنسان إيجاد حل لمشكلة عويصة، بروح مكسورة، وعقل حذق، وجسم يكاد ينفجر من الأدرنالين، إن هذا في حد ذاته “فرح”، إنه “الفرح الحزين”.

ذلك الشعور عندما يكون الزوج يمشي ذهابا وإيابا في رواق المشفى ينتظر خبر ولادة زوجته، حزيناً، وخائفاً ومتخبطا بين مشاعره، فما إن يتأكد أن مولوده في صحة جيدة حتى ينشرح صدره فرحاً، أو كحال التلميذ لحظة الإعلان عن النتائج…كلها لحظات مليئة بالحزن، لكنها هي اللحظات الأجمل التي سيتذكرها الفرد طوال حياته.

في الحقيقة، نحن نخاف من الحزن، لكننا نحبه ولا نستطيع العيش بدونه، كما قال مصطفى محمود: “نحن نقاوم ما نحب ونتحمل ما نكره.”

سبق أن قرأت كتاباً يشرح مفارقة كثرة الانتحار في المجتمعات الاسكندنافية؛ حيث تم الإشارة إلى أن الإنسان كلما كان في أمس الحاجة لشيء وناله، يتم إفراز السروطونين واللوسوطوسين -هرمونا السعادة بشكل كبير، فَتُنَارُ أضواء جسمه فرحاً، ولكن بالمقابل، كلما نال مراده بشكل رتيب وبدون جهد فردي يذكر، أصبح يعاني من الضجر وفقدان المعنى من الشيء، وهو غالبا ما يكون السبب الرئيس في الانتحار.

قرأت في كتاب Man’s search for meaning لعالم النفس Viktor frankl؛ حيث يسرد ما مر عليه من أهوال في معتقل نازي خلال الحرب العالمية الثانية، فكان أغلب المعتقلين الذين لم يكونوا راضين عن حزنهم وحالهم في السجن، ومن كانوا كثيري التذمر هم من ينتهي حالهم بالانتحار أو الاستسلام للطاعون والجوع، وفقط القليلون الذين كانوا وسط هذا الزحام النفسي القاتل يغنون، ويرقصون، ويحكون حكايات لبعضهم، ويتعايشون مع حزنهم، هم من نجوا في النهاية.