الصدقة بين الإخفاء والإظهار

من رحمة الرحيم بنا وكرمه وجوده علينا أنه فتح لنا أبوابا عديدة ومختلفة لتطهير النفس، للتقرب إليه جل في علاه، وللتكفير عن ذنوبنا لإحياء إنسانيتنا ولخلق المودة والرحمة بيننا وللتخفيف من معاناة بعضنا، لقتل طمعنا وجشعنا ولنشر الحب بيننا. والصدقة من بين هذه الأبواب، لما فيها من قيمة وأجر عند الخالق وإدخال السرور على قلب المخلوق، تخفف همومه وثقله، وتجعل صحراء قلبه تزهر.

سميت بالصدقة لأنها تدل على صدق الإنسان وتؤكده؛ فالصادق سليم السريرة يعطي بحب ليخفف ألما، أو يضمد جرحا، أو يفرج كربة ويرسم ابتسامة. وكما قال الحبيب المصطفى ﷺ: «…والصدقة برهان…». فهي برهان على الإيمان، تنشر المحبة بين الغني والفقير، تزرع قيم التكافل الاجتماعي والتآزر والتآخي؛ هي عمل صالح، والعمل الصالح علة من علل وجودنا في الدنيا، والدليل الذي يبرهن ذلك هو أن الإنسان إذا اقترب أجله وجاءه ملك موته يتمنى أن يعود إلى الدنيا لعله يعمل صالحا.

ولكن، نظرا للتطور التكنولوجي الذي يعرفه عصرنا، واقتحام الشاشات لحياتنا اليومية، ومشاركتنا لأدق تفاصيلنا على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت ظاهرة شائعة فرضت نفسها، تختلف الآراء وتتناقض الأفكار حول إظهار ونشر الأعمال الخيرية والصالحة بما فيها الصدقة والعطاء وإظهار التكافل والتعاون على هاته المواقع. فالبعض يعتبرها رياء ويضيفها إلى قائمة الخطط المدروسة لرسم وبناء وإظهار صورة جميلة متميزة بين أفراد المجتمع، ربما لتحقيق مصالحه الخاصة، أو لإشباع رغبته في حب الظهور وتلميع السمعة، والبعض الآخر يعتبرها تشجيعا للأفراد على القيام بمثل تلك الأعمال خاصة أن هاته المواقع تؤثر بشكل كبير على الفرد وسلوكياته.

أظن أننا يجب أن نرى هذه الأعمال “بعين النحلة” التي ترى في كل الأمور أجملها، نصفها الممتلئ وجانبها المزهر. فالنحلة تعتلي الورود لترتوي من رحيقها غير آبهة بأشواكها، تتعامل مع جانبها الحلو، الجميل المعطر وتتجاوز الأشواك المؤلمة. فمهما كانت الأمور واضحة فالسرائر والنوايا لا يعلمها إلا العليم بذات الصدور.

لا تحقرن من المعروف شيئا اتباعا لقول الجواد الكريم ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق ثمرة»، فما تدري ماذا يفعل ذاك الشق من الثمرة، وتمسك بالجود ينفعل الموجود.

المال مال الله وله حق فيه، وهو ينزل في يد الله الخالق قبل أن يقع في يد المخلوق، فقد كانت أمنا عائشة -رضي الله عنها- تعطر الصدقة قبل أن تخرجها، لقد كانت تستشعر قيمتها وتدرك عمقها، وتعلم أنها وصال بينها وبين مولاها. عظم الصدقة والعطاء، وتدبر عمقها، وتجرد من الأحكام المسبقة والنوايا المسيئة لك قبل غيرك، فكل يرى الأمور من زاويته الخاصة. لا يهم إظهار الصدقة أو إخفاؤها، بقدر ما يهم أثرها، ونتيجتها، وأجرها وصدقها…فالأهم هو أن تفرج الكرب، أن تقضي الحوائج وأن ترسم البسمة على الوجوه وأن تتصدق بنية صادقة.