الهجرة الافتراضية: الملاذ الأخير / محمد بلال

تعتبر الهجرة انتقالا لأفراد من مجال لآخر، فيمكن لهذا الانتقال أن يكون من مدينة تجاه مدينة أخرى ضمن الهجرة الداخلية/المحلية كما يمكن أن يكون انتقالا من دولة لدولة أخرى في إطار الهجرة الخارجية/الدولية، وبما أن ظاهرة الهجرة تعد ملازمة للإنسان منذ أزل ظهوره، فإنها أيضا تواكب مستجدات العصر، وخصوصا ما تنتجه تداعيات التطور الإلكتروني؛ حيث أفرز هذا التطور مجالا غير المجال الجغرافي الملموس الذي اعتاد الإنسان أن يتنقل فيه، ألا وهو المجال الافتراضي، باعتباره فضاء لمجموعة من الشبكات الاجتماعية التي تتضمن أفرادا يتواصلون فيما بينهم، متجاوزين بذلك كل الحدود الجغرافية والسياسية. إن الهجرة الافتراضية أو الهجرة إلى المجال الافتراضي تعنى بذاك النزوح الفردي أو الجماعي لأفراد المجتمع، حيث إن هذا الحراك يتم من خلال هيمنة الطابع الافتراضي على أغلب الأنشطة اليومية للأفراد بالشكل الذي ينقطع مع واقعه الملموس ولو جزئيا.

إن تنامي وتيرة ولوج الأفراد للمجال الافتراضي حول العالم، خصوصا لما توفره منصاته من امتيازات لكل مستخدميها في كل المجالات والتخصصات، دفع إلى إعادة النظر في العلاقة التي تربط المستخدم بهذا المجال. إن البدايات الأولى لظهور المجال الافتراضي كانت تتمحور أساسا باعتباره مجالا للتواصل بين الأفراد، إلا أننا اليوم أمام فضاء يتضمن نشاط منظمات اجتماعية وشركات اقتصادية كبرى. إن ما يوفره هذا المجال للأفراد خصوصا الشباب من منصات للتعلم والتكوين وكذا العمل والتسويق، دفع بهؤلاء إلى نوع من النزوح الجماعي لجغرافيات مختلفة عن تلك التي يلامسونها ماديا، فنجد أن شريحة مهمة من أفراد المجتمع قد تخلت عن التنقل الجسدي لمراكز التعليم، لتتنقل وهي في منزلها وعبر كبسة زر لأقسام افتراضية تتعاطى نفس المادة التعليمية المقدمة في الأقسام “التقليدية” أو أفضل منها في كثير من الأحيان…ثم إن جائحة كورونا كوفيد-19 قد عززت التعليم عن بعد، وهو تعليم غير حضوري يتلقى من خلاله الأفراد تعليهم وهم جالسون في بيوتهم، وهذا ما يطرح سؤالا جوابه صعب: هل سيهجر التلاميذ والأساتذة أقسامهم المادية؟ على الأقل في المستقبل القريب، ثم إن العديد من الأشخاص قد تخلوا عن عرض سلعهم في الأسواق والشوارع لينتقلوا إلى إنشاء منصاتهم للتسويق والبيع، وحتى طرق الدفع، فإن التطور التكنولوجي والاختراعات الرقمية، قد أعطت حلولا كثيرة للدفع الإلكتروني لا يلتقي فيها طرفا التجارة، في هذا السياق فالسؤال يطرح عن مستقبل ذاك البائع التقليدي، الذي يجعل من السوق الشعبي ساحة لعرض منتجاته، هل سيحاول مرافقة ركب التطور التكنولوجي، أم أنه سيتحول لفقير مهمش حسب تعبير سيرج بوغام؟ وإن حاول مرافقة ركب المهاجرين للسوق الافتراضي فما هي تأشيرة هجرته؟

مقالات مرتبطة

إن المجال الافتراضي أعطى فرصة لمن استصعب عليهم العيش في المجتمع الملموس، كما أنه يعد فضاء لإظهار مواهب الشباب وإبداعاتهم، في ذات السياق، فإن شباب اليوم أصبح يجد متنفسا لإظهار قواه، هذا الشباب الذي يرتبط خطأً بأشكال الفشل؛ فذا مرة يعتبر جيل فشلة ومرة أخرى ينعت بجيل العجزة، إلا أن هذا الجيل اليوم نجح في التعاطي مع هذا الفضاء وتسخيره لخدمة مصالحه ولو نسبيا. ثم إن هذا الفضاء فتح مجالا للأفراد للتعبير عن مآسيهم؛ حيث نجد موجات احتجاجية عبر منصات التواصل الاجتماعي، تحكي معاناة شعوب في أوطانهم، كما يعزز المجال الافتراضي الروابط الاجتماعية وقيم التضامن بين بني البشر وكذا تكريس مبادئ الديمقراطية والحرية؛ إذ أصبحنا نعايش حملات تضامنية تجاه قضايا إنسانية اتسعت لتشمل المستوى العالمي، ومثالا على ذلك نجد الحملات التي اندلعت عبر وسائل التواصل الاجتماعي وكذا منصات الأنترنيت، عقب مقتل المواطن الأمريكي ذي البشرة السمراء الداكنة على يد الشرطة الأمريكية، حيث إن هذه الحملات ما كانت سوى انعكاس للحركات الاحتجاجية التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية. إضافة لكل ما سبق فإن المجال الافتراضي يشكل ملجأ هروبٍ للكثيرين من بؤس واقعهم الاجتماعي، إذ يمكن أن نجد أفرادا فاشلين في المجتمع الفعلي المادي، إلا أنهم ناجحين في المجتمعات الافتراضية، فقد نجد عاطلا يتسلق عرش السلطة في المواقع الإلكترونية، كما نجد جبانا يعتبر بطلا في ألعاب القتال الرقمية، أو تجد منعزلا اجتماعيا، لديه شبكات معارف لا تحصى أعدادها، أو فاشل عاطفيا لديه حبيبة، فقط في المجال الافتراضي.

إن الحديث عن الهجرة الجماعية للأفراد وولوجهم للمجال الافتراضي، ليس هجرةً جسدية/فيزيقية، بقدر ما هي انتماء فكري وعاطفي، ينتقل معه الأفراد بأفكارهم وقلوبهم، فيتأثرون بالمجال ويؤثرون فيه، الأمر الذي يساهم في بناء شخصياتهم وبالتالي خلق هوياتهم، وذلك من خلال التشبع بالأفكار والإيديولوجيات المنتشرة عبر المجال الافتراضي، هذه الأفكار من شأنها أن تكون متعارضة مع تنشئة الفرد وقيم محيطه، الأمر الذي من شأنه أن يكرس عزلته في المجتمع الذي يتواجد فيه جسديا، في المقابل، يساهم في تعزيز انتمائه للمجتمع الافتراضي الذي يلجأ إليه هروبا من واقعه التعيس.