الوباء المعلم

1

بداية سنة جديدة كانت أيضا بداية تجارب عظيمة، اختزلت فيها مجتمعات العالم لتصير مجتمعا واحدا، عقلا واحدا وسيدا واحدا، حيث تساوى فيها الغني والفقير، المريض والسليم، العاقل والمختل، ورفعت الألقاب عن الأسياد وتلاشت قيمة الأموال والممتلكات وأصبح هدف الشعوب بأكملها واضح وصريح وواحد.
لقد جربنا الخوف من المجهول، من الموت، من العزلة، من ترك أطفالنا خلفنا دون رعاية أو من إهمال آبائنا وأمهاتنا في غيابنا، كما كان الملايين سنويا تحت ظل القنابل في البلدان المخرَّبة خائفين.

وجربنا أن نسجن في أقل من مائة متر مربع لمدة أسابيع طمعا في السلامة وانتظارا لاكتشاف مضاد للوباء، بينما هنالك في العالم سجناء بدون ضوء، وبدون أكل، وبدون نظافة وتحت كل أساليب التعذيب، مظلومون وبائسون وصامدون…

كما جربنا أن نكون ضعفاء ومرهوبين بسبب فيروس صغير جدا، حتى أننا نرتجف رعبا من ذكر اسمه، اسمه الذي يشبهه تماما، هو تاج قد هز عروش البلدان، اهتزت مرة واحدة بضربة واحدة، فالعالم الآن كله مستيقظ متيقظ مترقب في واجهة اللاعودة، أمام الموت الحق، وقلق من عدم تحمله الآلام والنوبات والحرارة المرتفعة، تماما كما كان ملايين البشر قبل ذلك يتعذبون بأمراض أخرى أكثر ضررا وأشدها عذابا. والآن بالضبط، ولأن القلق موزع بالأطنان على كل الصدور لتتنفس بثقل، بخوف حتى اعتقدنا لوهلة أن القدر قد تغير أو أن الأمراض الأخرى كانت مختلفة بينما كلها تؤدي إلى نفس النتيجه ونفس البوابة.

وجربنا أن نخاف من الجوع، ومن قلة المياه والمأكل ومن توقف الشركات عن إصدار منتجاتها أو انقطاعها بسبب توقف العمال عن العمل، جربنا معاناة سكان الأرياف والبوادي وجربنا عطش من يعيش في الجفاف.

كل هذا وما كنا يوما لنعذر المتسولين وسارقي الخبز -لأنهم سرقوا من جوعهم وليس من فساد أخلاقهم- أو أن نصبر على مزاج المرضى المتقلب دوما ونعذر من طرق باب العون أو باب اللجوء، وأن نضع أيدينا في أيد مختلفة بلونها وعرقها ودينها ولسانها لأننا إنسان.

كان مجرد وباء لكنه قد أعاد لنا صوابنا أو جزءا منه لنتذكر أننا متساوون أمام القدر والموت، بل أمام خالق الطبيعة جل وعلا، متساوون فيما نملك وما لا نملك، في أفعالنا ومعاركنا، في أهلنا ومشاعرنا في أهدافنا وقدراتنا، في واجباتنا وحقوقنا، مع اختلافنا في بعضها إلا أننا متساوون بتوازن شديد ومحكم بينها، لأننا إنسان والإنسانية تستيقظ من سباتها حين تتلاشى كل تلك الأمور عن هذا الأخير، حين يصبح الإنسان إنسانا فقط.

إننا ندرك الآن قيمة كل منا وقيمة الحريات التي لم نكن نشعر بها وقيمة النعم التي كنا نعيش بها ومنها وفيها، أصبحنا نعلم الفرق بين النور والظلام وبين الملاء والفراغ.

خلال فترة قصيرة جدا اتحد العالم على كلمة واحدة ووافق على حل واحد، وتطوع فيها المتطوعون ونصح فيها الناصحون كما لم نشهد يوما هذه القوة، لأنه قد صدق فعلا من قال إن في الاتحاد قوة.