بين حب لا يعرف السن وبين ثقافة المجتمع

وأنا أتمشى على شاطئ البحر تائهة في الجمال الرباني الموزع بين لون أزرق يتميز به البحر، ورمال ذهبية، وقمر وحيد جميل في عتمة الليل الذي تزينه أضواء المدينة، وإذا بعجوز كسر تيهاني بتصرفاته العفوية المليئة بالحب، فقد كان يحمل الماء بيديه ويضعه على أرجل زوجته الجالسة فوق كرسي متحرك، وبين فينة وأخرى يحرك كرسيها بقواه الضعيفة ويدور بها وهي سعيدة، أما هو فأسعد؛ إذ كلما ابتسمت توسعت ابتسامته. لن أكذب إن أخفيت استغرابي لفترة من الزمن فهذه الثقاقة عادية عند الغرب، في حين يتجسد الحب والاهتمام عند البعض الآخر في تخصيص الزوجة لقمة خاصة لزوجها، وكلمة طيبة من الزوج أمام الأولاد والأحفاد في حق زوجته.

جلست أتأملهما وإذا بعقلي يطرح تساؤلات مختلفة أهمها: هل عيش الحب وجنون العشاق خاص بالشباب والراشدين فقط؟ هل كبار السن لا يحتاجون لتلك المشاعر السامية من حب واهتمام؟ بلى، هم الأولى بذلك، فالمنظر الذي أراه أمامي خير مثال. العجائز حينما يكبرون تصبح مشاعرهم رقيقة جدا كشباب في مقتبل العمر، وتصبح الكتف بحاجة إلى ما تسند عليه فقد تعبت من حمل الكثير من الهموم والمسؤوليات طوال كل السنوات التي مضت، كراشدين أرادوا من يخفف عنهم حمل الدراسة والعمل ويشعرون بالحياة مع أزواجهم، وقلبه بحاجة إلى من يطبطب عليه بكلمات الحب، كمراهق يتلهف لسماعها، أما عقله، فهو راغب في أن يجد من يسمع لاستنتاجاته من كل تجارب السنوات التي مرت، أما روحه، فهي تتمنى أن تكمل رحلتها في الجنة مع رفيقة العمر.

صحيح أنه كلما كبر الشخص في سنه كلما تغيرت مفاهيم الحب بالنسبة له، وتبدلت طرق التعبير عنه، لكن مفاهيم الحب والاهتمام تبقى ثابتة تحتاجها كل نفس بشرية، فإن كان عند الشباب هو عشاء رومانسي على ضوء الشموع، فهو عند كبار السن فطور بسيط على مائدة واحدة يتذكرون فيها لحظات العمر كيف مرت وذكرياتهم معا ومع فلذات كبدهم.

وحب العجائز، حب نقي كألماسة في عمق المحيط، فقد مر بمراحل عديدة وجرب الحلوة والمرة ومع ذلك ما زال قائما، وزاده الاحترام جمالا. يقال إنه من عاشر قوما أربعين يوما صار منهم، فماذا عمن عاشر زوجا أربعين سنة وأكثر، كيف سيكون الانتماء وهل سييقى مكان للفروقات، أصبح الخليط متجانسا كالملح والسكر في كأس الماء مهما حاولت عزلهم، إلا أن الحلاوة والمرارة سيتذوقها لسانك؛ وحبا قويا صلبا كحب أنقى الأرواح يستحق أن يأخذ حقه في هذا العالم والمجتمع، وأن لا يقتصر على الشباب فقط؛ فالمشاعر في هذا الكون عامة والعربي بالخصوص أصبحت توزع دون عدل، نمجدها للشباب ونبخسها للعجائز.

مقالات مرتبطة

لو تأملنا الغرب قليلا لوجدنا أن حياة العجائز تنعم بجزء من الرومانسية في اليوم، إن لم نقل أغلب اليوم، وفي بعض الأماكن للعجائز يوم خاص بهم للرقص على بعض النغمات تحت تصفيقات الكبير والصغير ونظرات الود تملأ المحيط، أخجل من أن أدعو لتقليدهم ففي بعض أفعالهم تجاوزات لا تناسب ديننا ولا تعرف، لكنني أطمح لأن تعطى قيمة لمشاعرهم كما يعطيها الغرب لعجائزهم.

ففي مجتمعنا تجدنا لا نلمس حبهم إلا في صبر كل منهم على الآخر طيلة السنوات التي جمعتهم، وإلى أن يودع الحياة أحد الطرفين فنلمس في ملامح الطرف الآخر حزنا وألما ثم نوقع من جديد على أن حب العجائز شيء غريب بسؤالنا: وهل كنت تحبها لهذه الدرجة التي تجعلك تبكي ويشحب وجهك لفراقها؟ أجل، ولأكثر من تلك الدرجة فحبهم هو كأس مزيجه الاحترام، والصبر، والعشرة الطويلة ومشاعر جميلة متنوعة، كيف لا يكون فراقهم قاسيا على أرواحهم الخفيفة.

كل العالم بحاجة للحب من الرضيع للشيخ الكبير ومن الطفلة للجدة، وما أجمل هذا العالم لو أعطي فيه لكل ذي حق حقه، فالحياة صعبة وتفقد لونها بدون تلك الطبطبات على القلب. ولنتأكد من أن كبار السن يشعرون بالحب، اسأل جدتك إن كانت على قيد الحياة عن جدك واغرق في ملامحها وسترى حجم الابتسامة التي ترتسم على وجهها وهي تحدثك عنه، وعن شهامته وكيف تقدم لخطبتها فتتورد وجنتاها كلما تذكرت لحظة جمعتهم معا، أو تمتلئ عيناها بالدمع حينما تتذكر أنه لم يعد موجودا، وكذلك الجد حينما تسأله، يجيبك بلغة خفيفة وحنونة، فتجده يسرد لك قصصا عن صبرها وعن ما تحملته من أجله ومن أجل أولادهم، ليختم بأنه لا يوجد امرأة مثلها.

لو انتشر حب العجائز المطرز بالاحترام، لاقتدى أغلب الشباب بهم وحافظوا على مشاعرهم حتى يجدوا من يشيب معهم، ومن يحدث أحفاده عنهم بكل حب.