تهاجر أو تتخندق؟

0 1٬729

في التاريخ عبرة..

يقال إنه من مهد الحضارة في أدغال إفريقيا هاجرت ثلة من الهوموسابينس إلى الشمال حيث المجهول، تحدت هذه الثلة خوفها.. وقررت أن تكسر التوازن الذي ألفته.. وترحل إلى وجهة موحشة بعيدة لا تعرف عنها أي شيء.

ذاك المجهول بالأمس أصبح اليوم بفضل تلك الهجرة حضارة جبارة. تعانق أبنيتها الشاهقة السحاب من طوكيو شرقا إلى منهاتن غربا مرورا بموسكو وإسطنبول وروما وباريس وغرناطة ولندن. ذاك المجهول بالأمس صار اليوم طائرات وصواريخ وحواسيب تضاهي ذكاء الإنسان.

ذاك المجهول غير معالم الإنسان الإفريقي المهاجر قلبا وقالبا. لم يتبق منه في إنسان الشمال إلا بضع الصبغيات المتناثرة هنا وهناك. غيرت الهجرة في أولئك الذين هاجروا كل شيء حتى استحال ذاك اللون الأسود القاتم إلى بياض أنصع من الثلج.

تغير كل شيء حتى دارت الحياة دورتها وعاد ذلك الإنسان، الذي تكبد عناء الهجرة منذ عشرات آلاف السنين، ليستعمر ويقهر أولئك الذين اثاقلوا إلى الأرض في أدغال إفريقيا.

هاجر نفسك..

عندما تحزم أمتعتك وتركب قطار الرحيل فإنك لا تترك وراءك مجالا جغرافيا وبيئة وثقافة وحسب، بل إنك تهاجر منك إليك. تترك شخصك القديم الذي كنت بالكاد تعرفه وتعي ماهيته لتعانق شخصك الجديد. تسائله، تختار له، وتعيد بناءه من جديد.

إنك تخرج من ضيق النمط الواحد إلى أنماط متعددة كألوان الطيف. تكتشف أنك وعشيرتك وثقافتك ودينك لستم إلا نقطة في بحر ممتد، تشارككم فيه ثقافات وديانات وعشائر أخرى تكاد تكون لا حصر لها.

كنت قبل الهجرة ترى العالم من غرفتك المغلقة، فتظن أنك وعشيرتك مركز الكون، وأنكم الصواب، وأن ما وجدتم عليه آبائكم هو مناط الحدوة والاقتداء. لكنك سرعان ما تكتشف، بعد الهجرة، أن غيرك يمر بخلده عن ثقافته ودينه أو لا دينه وحضارته نفس التمثلات التي لديك. وأنه متمسك بها عن غير وعي كما أنت لحد الثمالة. حتى إنه مستعد ليزهق أرواح الآخرين المختلفين عنه من أجل أن يثبتها.

بعد برهة تأمل، يتكشف لك مليا أنك أنت وهذا الغير المختلف مجرد فرائس في شباك الآبائية والثقافة الأم. يتضح لك أن العالم ليس أبيضا وأسودا بل مزيجا متشابكا جميلا من الألوان والأشكال. كما يتجلى لك أن رؤيتك القديمة للعالم والناس من زاوية “فكر مثلي أو أنت ضدي” لعمرك رؤية ضيقة مخنوقة تقتل روح الإنسانية فيك.

لماذا عليك الاصطفاف في طابور المقلدين عن غير وعي؟ لماذا عليك التخندق في ما وجدت عليه نفسك لم تختره لها بل رضعته في حليب أمك؟ لماذا عليك أن تدافع بشراسة عما لم تمحصه دفاعا قد يصل إلى حد إزهاق الأرواح في حروب بشعة القاتل و المقتول فيها ضحايا أفكار هدامة؟

1xbet casino siteleri bahis siteleri