عمّ تبحث؟

وأنت تُصارع همتك في الصباح لتفارق حُضن السرير الدافئ، وتتجنب النظر إلى مرآة الحمام كي لا تُصدم بمنظر وجهك الأصفر، وتتحاشى التعب الظاهر على محياك أسفل عينيك، بارزٌ لك يحييك تحية استحياء كضيف جاءك في وقتٍ غير مناسب للزيارة، وأنت تُداعب الصمت الصباحي بسبب سوء مزاجك، وتتحاشى زملاءك لأنك مللت من رؤيتهم كل صباح، هل سألت نفسك وسط كل هذا الركام النفسي، لماذا تُقاوِم من أجل الحياة؟

الحياة حرب، وأصعب ما في الحرب هو أنك تكتفي بالتوقع، أما التطبيق فيكون عند النزال، ولن يكون أمامك حينها متسعٌ من الوقت لبحث وسائل الكر والفر، والرابح في الحرب من يتوقع كل شيء ولا يترك لعدوه مجالا للتوقع، وأنت في هذه الحياة شئت أم أبيت محفوف بالأعداء، وليس العدو دائما كائن حي، قد يكون فكرة أو تصورا خاطئا، وليس عدو الإنسان ما يجهل كما قيل، بل عدو الإنسان أن يظن أن ما يعلمه علم اليقين هو الصواب وهو في الحقيقة خطأ.


هل سألت نفسك يوما وسط هذه الحرب الضروب، عما تبحث؟ لا أقصد بالسؤال مجرد السؤال كما تفعل كل صباح عندما تسأل رئيسك في العمل كيف حالك وأنت لا تأبه لحاله، بل أقصد هل تمعنت في السؤال؟ هل ضربت الأخماس بالأسداس يوما وأنت تشرب قهوة الغروب في ذلك المقهى الخارج عن المدينة هربا من الحياة، كما يخرج القائد من ساحة الحرب لتجديد العزم وتمكين العقل من رؤية واضحة من خارج الصندوق؟

فلنقل إن الحرب فُرضت عليك، وأنك استيقظت فجأة فوجدت نفسك في قطارٍ اسمه الحياة، يجري بلا توقف، يتجه ربما إلى حتفه، وليس لك إلا أن تتأقلم مع الوضع، في ظل هذه الرحلة السريعة، توقف عن لوم القطار وانظر ماذا يمكنك أن تستفيد من هذا السفر، غُص في جوفك، وابحث في أعماق نفسك عما تريد فعلا، عن ذلك الشيء الذي إذا ما بحثت عنه وتمكنت منه وَصلْت به جوانب عديدة في الحياة ما كُنت تحلم بها يوما.

سمِعت مقدمة عن المغني ستينغ (Sting) تقول فيها المذيعة أن شعاره كان: “طوال حياتي حاولت البحث عن الحقيقة وجعلها جميلة”، والحقيقة هنا تعني كنه الأشياء، والبحث عنها هو شعور فطري يلازمنا منذ بداية الإدراك، البحث عن الحقيقة يتجسد في تلك الأسئلة الكثيرة التي يبحثها الطفل مع محيطه، والحقيقة المطلقة الأبدية هي الله، ومنها تنبثق الحقائق الأخرى في هذا الكون، والبحث عنها إنما هو بحث عن عمق الأشياء الذي تصل به إلى جوانب عديدة في الحياة تدفعك إلى الزهد والإبداع والكثير من النعم التي ما حلمت بها من قبل.

أكثر ما شدّني في شخص راغنار ملك الفايكينز، الملك الذي وحّد الفايكينز للمرة الأولى في تاريخهم، واجتاح بريطانيا طولا وعرضا ووصل بشعبه وحملاته إلى باريس وحاصرها شر حصار وتفنن في الدخول إليها، بعد أن اتجه غربا في أعالي البحار مغيرا بذلك معتقدات سائدة قديمة كانت لا توجه الغزوات إلا للشرق، ناضل من أجل فكرته وفرّط في الغالي والنفيس ودحض كل أساطير الآلهة، ولما سُئِل لم تقوم بكل هذه البطولات؟ ما الحافز وراء كل هذا الاندفاع؟ أجاب: التّعلّم؛ الدافع الوحيد هو حب الاطلاع ورغبته في تعلم أكبر قدر ممكن من هذه الحياة.

و لما أن عاد من أولى غاراته نحو الغرب، صادر زعيمهم كل ما أتى به من كنوز وأموال وعبيد بتهمة عدم الامتثال للأوامر، وأمر بألا يختار راغنار إلا شيئا وحيدا من الأشياء التي غنِمها، اختار راغنار عبدا كان قسا لدى الانجليز، عمّت دهشة عارمة بين أوساط القبيلة، حرّر راغنار القس وطلب منه أن يعلّمه لغة الإنجليز وثقافتهم وديانتهم وكل صغيرة وكبيرة تتعلق بهم، ثم كان له عونا في دخول فرنسا بعد أن ربّى فيه حلم الرحلة إليها واجتياحها، وحدثه عن أسوار باريس وطُرُق ولوجها، فكان هذا القس الضعيف الذي استأثر به على دهشة من القوم مفتاح كل المستقبل الباهر الذي فرش طريق المجد لراغنار، بَحثَ عن التعلم فوجد في طريق البحث المجد والاحترام والتخليد والكثير من الملكات التي كانت مجرد أحلام في الماضي القريب.
الفكرة هي أن تحدد عما تبحث، وأن تَنهِتج في سبيل ذلك أدوات بحث دقيقة ترتكز حول شخصيتك وغريزتك وجيناتك… الإنسان ليس آلة، لا يُعامل كل الناس معاملة رجل واحد، ولن ينفعك خبير أو طبيب في تحديد ما تريد، وحدك تستطيع اختيار ما يناسبك بين الحقيقة والتعلم والتحدي وغيرها كثير من الأشياء التي تستحق عناء الحياة، والتي وَجَبَ ادراجها بشكل يومي في كل ما تقوم به لتقوم به بطعم مختلف، وليُوصِلك لنتائج ملموسة، وتُدرك بإدراكه جوانب حسية ومعنوية في الحياة، تعاش ولا توصف.

1xbet casino siteleri bahis siteleri