حافلة التخلف

2 1٬605

لعل أستاذ الرياضيات الذي درسني في قسم الثاني إعدادي كان على حق لما استدار بعد إثارة التلاميذ الشغب وهو يشرح لنا إحدى المبرهنات وأخبرنا أننا لن نتقدم كشعب حتى نتعلم احترام الأستاذ، سكت لبرهة بعدما رمى بالطبشور على الأرض وتأسف على الحال الذي وليّنا عليه، أخبرنا أن الأمور للأسف تزداد سوء فجيله كان توّاقا للتعلم وكان يحترم جميع الأساتذة ويفعل المستحيل من أجل التحصيل العلمي لأنه لم يكن يتوفر على كل مانتوفر عليه الآن مشيرا بذلك إلى الانترنت و الظروف الاقتصادية التي تحسنت نسبيا.


امتنع عن إكمال شرح مبرهنة ڤيتارغورس التي تنص على أنه في أي مثلث قائم الزاوية يكون مجموع مربع طول الضلعين المحاذيين للزاوية القائمة مساويا لمربع طول الوتر. صراحة لم نكن نعرف لماذا ندرس هذه المبرهنة وما هي جنسية صاحبها وماذا سنستفيد منها مستقبلا إذا أصبحنا أطباء أو مهندسين أو أي مواطن صالح في المجتمع، ماكنا متأكدين منه ونحن في سن الرابعة عشر هو أن الرياضيات مهمة وهي التي ستضمن لنا مستقبلا مشرقا يخرجنا من الرتابة التي نعيشها. كان الكل ينظر إليه وهو مطأطأ الرأس حين انبعث منه صوت أقرب إلى البكاء من الصرامة يحكي لنا عن صديقه الفرنسي الذي عاش مدة طويلة في المغرب وقال له أن المغاربة سيتقدمون يوم يتعلمون دخول حافلة النقل فردا فردا عِوَض أن يهجمو عليها قبل أن تتوقف من أجل غزو المقاعد القليلة المتوفرة مع عدم إعطاء حق الأسبقية للعجزة والحوامل. أكمل خطابه بعد أن عاد سنوات إلى الوراء يتذكر أياما خلت من الصعب أن تتكرر وأكمل شرح المبرهنة على إيقاع صمت مطبق كبل أفواهنا وخيم على القسم. “كان الأستاذ على حق”، كان ذلك ماقلته يوم استقليت الحافلة أول مرة في مدينة الدار البيضاء، قطعنا مشوار عشرين دقيقة خلال أكثر من ساعتين عشت فيها أصعب تجربة في النقل العمومي في حياتي:



نساء متعبات في الخمسين يصعدن الحافلة المكتظة بعدما قضوا يوما كاملا يكنسون وينظفون أرجاء الشركات التي يشتغلن فيها كعاملات نظافة للحصول على ألف درهم أو ألفي كل شهر، لا يدرين ماذا يفعلن بها، لكنهن يفعلن الكثير ويربين أجيالا ويزوجن بناتهن ويصرفن على أجيال من المعطلين، كهول وعجزة قسمت الشمس ظهورهم وتعودوا على البؤس، لا يشتكون أبدا. إن سألتهم عن هدفهم في الحياة لما عرفوا الإجابة.

سيدة أطلقت صرخة مهولة بعدما تأكدت أن الشاب الذي كان واقفا إزاءها والذي نزل في المحطة السابقة سرق محفظة نقوذها التي كانت تحتوي على كل ماتملك، صورة ابنها الوحيدة الذي مات منذ عشرين سنة في حادثة سير ولا تملك غيرها، سألتها سيدة عن النقود فأجابتها وهي تبكي أن النقود لا تهم رغم أن مظهرها ويديها لم يكونوا في حالة تدل على أنها تعيش في رغد ونعيم. في الجهة الأخرى من الحافلة لكم رجل امرأة حتى فاض أنفها بالدم، كانت تحمل طفلة في الثانية من عمرها بينما كان يتشبت طفل في الرابعة من عمره بتلابيب جِلْبابها. تبين من الصراخ أنها زوجته وأنه ضربها لشيء تافه لا يستحق الذكر لكنني سأذكره، طلبت منه أن ينزلوا من الحافلة المكتظة لأن حرارة الطفلة مرتفعة فلكمها هكذا ببساطة. صعد بعدها شاب في الثلاثين أو العشرين من عمره، لم تترك الشمس والجروح الملتئمة ببشاعة على وجهه مجالا لتخمين عمره الحقيقي، صار يصرخ في الحافلة كعربيد أفرغ حانة شعبية من قنينات كحولها لتوه، انهال بالسب على المقدسات كلها وعلى الناس وكل شيء حتى الذباب ودرجة الحرارة، كان المراقبان يتجنبان النظر إليه رغم أنه لم يدفع ثمن التذكرة عكس ماقاموا به من إهانة وتنكيل في حق تلميذ مراهق تبين أنه نسي بطاقة اشتراكه، انهالا عليه بلكمة ووابل من الشتم ثم أخرجاه من الحافلة في خلاء لاوجود فيه لبشر. أكملت الحافلة طريقها بحزن حتى صرت تحسب أنها لن تكملها إلا بعد الفجر رغم أنها حافلة وسط المدينة. طلبت عجوز أعياها الوقوف من شاب أن يعطيها مكانه فامتنع بحجة أنها تمثل وأنه منهك أكثر منها، أشاحت بوجهها وهي على وشك البكاء ليقوم شاب آخر ويمنحها مكانه لتغدق عليه بالدعوات التي لو تحققت لامتلك مال قارون. صرخت تلميذة في السادسة عشر ترتدي بلوزتها البيضاء بعدما ادعت أن رجلا في عمر جدها تحرش بها، لم يعرها أحد اهتماما، لكن العجوز انتقد شكلها وقال صارخا في أرجاء الحافلة أن بنات الْيَوْمَ سلعة رخيصة يرتدين القصير ويضعن الكثير من الماكياج لإثارة انتباه الرجال، تنقصهن التربية والحياء. شرعت الصبية في البكاء قبل أن يسدد شاب في العشرين انبثق من العدم لكمة للعجوز المتحرش بعدما أكد للجميع أنه رأى عمله الشنيع بأم عينه. نزل العجوز مطأطأ الرأس في المحطة الموالية يمسح نزيف أنفه بمنديل أصبح لونه كالسمن القديم بعدما كان في يوم من الأيام أبيضا. أخبرتني فتاة لا أعرفها كانت واقفة بجانبي أنها تعرضت للتحرش الجنسي من نفس العجوز لكنها لم تستطع أن تنتفض في وجهه لأنها خافت من الفضيحة. كنت أنظر إلى مراهقين في السابع عشر ينزعان الغشاء الجلدي عن مقعدي الحافلة اللذين يشغلانه بكل ما أوتيا من قوة، أشحت بوجهي كأنني لم أرى شيئا.

مقالات مرتبطة


صعدت فتاة الحافلة، كانت جميلة على مشارف الثلاثين لكنه بدا جليا على وجهها أنها كانت تبكي، رن هاتفها، انفجرت بالبكاء في وجه المتحدث لتنطق “نعم لقد تزوج ، أخبرتني جارتهم بالأمر، نعم.. ” لتنفجر باكية مرة أخرى بينما انصهر الكحل و خرير الأنف على وجهها “أنت تعرفين كل شيء.. أمضينا عشر سنوات معا يا سميرة، التقينا نهاية الأسبوع، كان كل شيء بخير لكنه تركني دون أن يخبرني بشيء، ماذا سأفعل بدونه؟ بكيت بحرقة مرة أخرى وفقدت الوعي دون إنذار مسبق. أخرجت النسوة العطور من حقائبهن، أخريات وضعن مفاتيح رنانة في يدها، بينما انهارت الأخريات باكيات بعدما رقت أفئدتهن لها. استفاقت بعد مدة ثم نزلت في المحطة الموالية دون أن تترك أثرا.




انفجر إطار الحافلة قبل وصولها إلى جسر، نزل الكل ماعدا أولئك الذين لم يريدوا التضحية بمقاعدهم. بكى الصغار وأُنهك العجزة، بينما جلس الكثير على الرصيف يمسحون حبات العرق والدخان والغبار التي تراكمت على وجوههم. يا للهول، كانت الحافلة تحمل أكثر من ستين راكبا مكدسا على مساحة محدودة. أخرج السائق المعدات لتبديل الإطار، ساعده بعض المراهقين الجامحين إضافة إلى كهل قوي البنية حكى أنه قضى عشرين سنة في إيطاليا قبل أن يهرب من زوجته الإيطالية ويعود إلى وطنه. بدلوا الإطار بعد ساعة إلا ربع لأنهم أضاعوا بُرغيا تبين فيما بعد أن السائق وضعه في جيبه دون أن ينتبه.

وصلنا إلى المحطة الأخيرة بعد أكثر من ساعتين وعشرين دقيقة من انطلاق الحافلة، غادر الكل الحافلة ماعدا السائق الذي أشار صارخا لبعض الناس بالعودة إلى الحافلة، كنت أنا منهم. وجد قفة تحت أحد المقاعد اعتقد أنها مليئة بالخضر نسيها شخص ما ليتبين أنها كانت ُتسْكن رضيعا لم يتجاوز سنه الأسبوع. تعالت أصوات “الله أكبر، لا حول ولا قوة الا بالله ..! ليتصل أحدكم بالشرطة”.

وقفت مشتتة التفكير أبكي وكأن حزن الْيَوْمَ بطوله وعذابه لم يكونا كافيين. قبل أن أغادر المكان منهارة أذرف كل ماتجمع في غددي الدمعية من دموع، كانوا يخمنون جنس الرضيع. “أتمنى أن يكون رجلا، سيتعذب كثيرا إن كان العكس”. هكذا قالت امرأة قبل أن يسبقها رجل ويتأكد من جنسه “إنها فتاة، عسى أن تعيش حياة هنيئة”.

سارعت الخطوات وذبت وسط الزحام لا أتذكر شيئا غير وجه الرضيعة ووجه أستاذ الرياضيات وهو يشرح لنا مبرهنة ڤيتاغورس.