شبكات التواصل الاجتماعي بين FOMO وJOMO، أيهما يمثلك؟

12

في هذا العصر الرقمي، أصبح هاتفنا الذكي هو الرفيق القريب والصاحب الأول أينما حللنا وارتحلنا، شئنا أم أبينا صار الهاتف جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فلا بد أن نكون قد عشنا معه هذه اللحظات بغض النظر عن ضررها أو فائدتها، مثلا:
وأنت تذاكر لامتحان معين، فجأة تلتفت إلى هاتفك لتتصفح الرسائل والتنبيهات المنبعثة من مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وتتابع الأحداث والأخبار العالمية متتبعا لما يحصل في هذا العالم، يسحبك هاتفك بين الفينة والأخرى ليسرق منك وقتك وجهدك..

وأنت في لحظة استلقائك لتنام، تتلمس هاتفك لتودعه بنظرة سريعة على مختلف التطبيقات لئلا تفوّت بعض المعلومات الجديدة والمحادثات الأخيرة قبل نومك، وعند استيقاظك يكون تصفح هاتفك أولى أولوياتك..

وأنت مبحر بين دفتي كتاب تقرأه، تأتيك إشعارات جديدة من هاتفك لمتابعة آخر الفيديوهات والصور الجديدة فتغوص في فيديو وتنتقل إلى آخر دون وعي وإدراك..

وأنت منهمك في تفاصيل أشغالك وعملك، تتوقف للحظات لتتفقد أخبار أصدقائك الجديدة والمناسبات القادمة، والرحلات على مختلف الشبكات الاجتماعية في هاتفك..

وأنت في جلسة حميمية مع والديك، يرن هاتفك، يخبرك برسالة جديدة لك فيأخذك لعالم آخر تنسى معه أهمية اللحظة في كنف أسرتك..

تخاف أن يفوتك إعلان زواج صديقك أو فوات رحلة مع رفقائك أو خبر مختبئ بين طيات صفحات هذه المواقع، تخاف من أن يفوتك حدث دون أن تتفاعل معه، أو يمر خبر دون أن تعرفه، أو ينتشر مقطع فيديو دون أن تشاهده أو صورة دون أن تراها..
تتصفح هاتفك بنهم وشراهة خوفا من أن يفوتك شيء على تطبيقات “السوشيال ميديا”.

تتوه في هذا العالم، تمر الدقائق والساعات بل الأيام، فيمضي العمر، لا أنت حققت شيئا يذكر ولا استفدت من وقتك لنفسك ولا استمتعت بحياتك ولا عشت كما تحب ويحلو لك..

هذه الحالة  تسمى FOMO وهي اختصار لـ: Fear Of Missing Out وتعني “الخوف من أن يفوتنا شيء”، وللتوضيح أكثر: وتعني «الخوف من أن يفوتك شيء يحدث في المجتمع من حولك، وبشكل خاص على شبكات التواصل الاجتماعي»، وقد سُجل المصطلح في قاموس أكسفورد عام 2006م.

مصطلح “FOMO” ليس جديدا، بل ظهر منذ سنين مضت، وأول من كتب عنه هو الدكتور “دان هيرمان” في مجال التسويق الاستراتيجي سنة 1996؛ حيث لاحظ هذه الحالة أثناء استماعه للمستهلكين ومناقشتهم حول المنتجات الشرائية؛ إذ أبانوا عن خوفهم من تفويت فرصة شراء منتج جديد، ومدى فرحتهم عند اغتنامهم هذه الفرصة، بعد ذلك كتب عنه رجل الأعمال “باتريك ماكجينيس Patrick J. McGinnis” عام 2004 وهو الذي صاغ مصطلح FOMO في مقال نشره في مجلة هاربوس التابعة لكلية هارفرد للأعمال، وانتشر هذا المصطلح أكثر مع التقدم التكنولوجي الهائل وتطور مواقع التواصل الاجتماعي مثل Facebook و Instagram؛ نظرا لأن هذه المواقع أصبحت منبعا ومصدرا لآخر المستجدات والأحداث والأخبار المحلية والعالمية، والتظاهرات المختلفة في شتى بقاع هذا العالم.

مقالات مرتبطة

وتعتبر هذه الحالة إدمانا سلوكيا تفصلنا عن الواقع لنعيش في واقع افتراضي مُوازٍ له، فنهمل حياتنا، ونترك أهدافنا، وننسى أنفسنا، ونشتت أسرتنا، ونهتم وننشغل بهذا الأخير حيث يتملكنا شعور بأن هناك شيئا أكثر إثارة فاتنا يحدث بعيدا عنا، شعور دائم بالقلق والتوتر بأن حياة الآخرين دائما هي أكثر أهمية وإثارة من حياتنا؛ ذلك لأنهم يخوضون تجارب جديدة دون أن نتواجد فيها ونعيشها معهم، وكل هذا يأتي من الشعور بعقدة النقص ومقارنة حياتك بحياة الآخرين. وقد نتساءل: ما المشكلة في أن نتتبع أخبار أصدقائنا وأحداث العالم الذي نعيش فيه حتى نواكب عصرنا الحالي؟ المشكلة هنا هي الإفراط في الاستعمال والمبالغة في الفضول، وعدم التحكم في وقتنا ومن ثم نفقد السيطرة على حياتنا والقدرة على الاستمتاع بأي شيء جميل في حياتنا الطبيعية، فالعالم الافتراضي عالم كلما شربت منه ازددت منه عطشا.

وللخروج من حالة FOMO غير الطبيعية والعادة السيئة التي تجعل أدمغتنا تفرز مادة دوبامين أثناء تلقي إشعارات الإعجاب وتنبيهات رسائل جديدة من تطبيقات الشبكات الاجتماعية، ظهرت حالة جديدة إيجابية، جاءت كرد فعل عكسي لهذه الظاهرة، بدأ الكثير في تبني مفهوم آخر معاكس -بشكل لا إرادي- والذي أطلق عليه “JOMO” كاختصار لـ “Joy Of Missing Out” ويعني سعادة ترك الأشياء وليس مطاردتها والخوف من فواتها، وللتوضيح أكثر هو الاستمتاع بالابتعاد عن كل شيء والشعور بالتحرر الذي يأتي مع قطع الاتصال بالشبكات ووضع الهاتف جانبا.

فلعلّ ما فاتك وأنت جالس مع والديك تستمتع بحديثهم الشيق وكلامهم المفيد وأخبارهم الجميلة أهم مما فاتك على مواقع التواصل الاجتماعي، فأدرك والديك قبل فوات الأوان.

وما فاتك وأنت مستمتع في لحظة حميمية مع زوجتك وأولادك، أهم مما يروّج لك من أحداث لا تخصك وأخبار لا تهمك.
ما فاتك وأنت تعيش حياتك الطبيعية: تمارس هوايتك المفضلة ورياضتك الممتعة، ورحلاتك الجميلة مع رفقائك إلى أحضان الطبيعة أهم مما يصوّر لك في واقع افتراضي مزيف.

ما فاتك وأنت مهتم بتفاصيل حياتك الواقعية: تهتم بذاتك، تطور عملك، تنمي قدراتك، ترتقي في معاملاتك أهم مما فاتك في حياة الآخرين.

ما فاتك وأنت تتناول وجبة غذائك بلذة ونهم بما جادت به أصابع زوجتك مما لذ وطاب من طعام، أهم مما فاتك في هذا الفضاء الاجتماعي من إعلانات إشهارية تلهب معدتك وتتعب صحتك.

هي كلها فرص نهدرها دون أن ندركها ونحسن استغلالها، هي فرص تجعل حياتنا أكثر متعة وإثارة مع أحبائنا وأصدقائنا ومحيطنا، فنعيش حياتنا بواقعيتها أكثر جمالا وسعادة وحبا بعيدا عن كل ما قد يشوبها من ظواهر خطيرة تجعل حياتنا على شفا جرف هار.

ويبقى الاختيار لك أن تكون FOMO أو JOMO.