صناديق التخلص من الأطفال

يولد سنويا العديد من الأطفال الذين يتم التخلي عنهم، إما لأنهم ولدوا بطريقة غير شرعية -أي خارج إطار الزواج- أو لأسباب اجتماعية كالفقر وعدم القدرة على رعاية المولود، لذا، سنت عدة دول كألمانيا قانونا يقضي بوضع الأطفال غير المرغوب فيهم في صناديق إيداع الطفل المتخلى عنه، بدلا من قتله أو رميه في أماكن تشكل عليه خطرا، خاصة أن بعض الدول ككوريا الجنوبية تمنع التبني.

مع ازدياد رمي الأطفال حديثي الولادة على الطرقات، وبين حاويات القمامة أو بالقرب من دور العبادة، وخطر موتهم نتيجة البرد أو اقتيات الكلاب الضالة عليهم، تم اللجوء في أوروبا وأمريكا إلى إنشاء صناديق على شكل رف أو باب يشبه الفتحة البريدية في جدار خارجي، يفتح يدويا ويوضع فيه الطفل المتخلى عنه أو اللقيط على سرير الصندوق الذي بلغت رطوبته ما لم تبلغه قلوب والديه الذين تخلوا عنه، كما أنه مزود بمنظمات درجة الحرارة وأجهزة استشعار، وبه جهاز إنذار لخدمة الطوارئ ويسمح باستعادة الطفل في وقت محدود لا يتجاوز الخمس دقائق، وتتواجد هاته الصناديق بالقرب من المستشفيات والمراكز الاجتماعية أو على مستوى الكنائس. تسمى هذه الصناديق صناديق إيداع الأطفال المتخلى عنهم أو حاضنة الأطفال، والتي تعرف باسم Baby hatch، تستلم الطفل المرغوب في التخلص منه وترسله مباشرة لدور الرعاية.

يعود تاريخ صناديق التخلص من الأطفال إلى العصور الوسطى؛ حيث كانت تسمى عجلات اللقيط؛ كانت على شكل براميل أسطوانية توضع بالقرب من المستشفيات والكنائس ودور الأيتام، وكانت أول أسطوانة حضانة في إيطاليا في القرن الثاني عشر وتحديدا في سنة 1098، أصدر البابا إينوسنت الثالث مرسوما يقضي بوضع الطفل غير المرغوب فيه في الأسطوانات الخاصة بذلك بدل قتله، وكانت الدول الأوروبية سباقة في هذه الفكرة التي تم إعادة إحيائها من جديد بعد الثورة الجنسية التي قامت في القارتين الأمريكية والأوروبية خلال ستينات القرن الماضي، وامتدت حتى السبعينيات منه، والتي كانت تدعو للتحرر الجنسي وثقافة الحب الحر ومذهب الهيبيز، مما أدى إلى كثرة الأطفال غير الشرعيين وغير المرغوب فيهم، فكانت فكرة صندوق حضانة الأطفال أنسب من رميهم في الشوارع وتعريض صحتهم وحياتهم للخطر.

مع أن المنظمات التي تقوم على هاته الصناديق تطالب بإدخالها في جميع دول العالم، بدعوى أنها الملاذ الأخير لهذا الطفل، وبأنها تحفظ له حقه في العيش بدلا من أن يقتل، إلا أن الأمم المتحدة عارضت استخدام هاته الصناديق في أجزاء أخرى من العالم ودعت الدول إلى معالجة الأسباب الجذرية للتخلي.

وأخيرا، أنا شخصيا أراها فكرة ناجعة مع بشاعتها؛ لأنه حتى لو كانت نتيجة لعلاقات غير شرعية لم تحفظ نسل هؤلاء الأطفال وحرمتهم من الأمومة فكان بذلك اعتداء صارخا على أرقى أعمال المرأة وهو الأمومة، إلا أن إلقاء الأطفال في صندوق آمن يضمن وصولهم لدور الرعاية وعيشهم بسلام يبدو أفضل من إنهاء حياتهم قبل بدايتها بالإجهاض، أو تعريض حياتهم وصحتهم للخطر بعد رميهم بعد الميلاد، فكل طفل منهم إنسان في الأخير والعيش الكريم يبقى حقا من حقوقه.

مقالات مرتبطة

أيضا للموضوع جوانب عدة؛ جانب العلاقات غير الشرعية التي تكون هاته نتائجه للأسف، بدءا من الأب الذي يتهرب من تحمل مسؤولية أفعاله والأم التي تعرض حياتها للخطر من جهة والعار من جهة أخرى، ومخافة من هذا العار الذي تجلبه لأهلها تفضل التخلي عن فلذة كبدها، بدلا من أن تتخلى عن سمعتها وسمعة عائلتها اللتين ستلطخان بنظرات وأقوال المجتمع. وكذلك بالنسبة للاغتصاب، فالموضوع ليس دائما ناتجا عن رضا المتخلي عن الطفل، ناهيك عن أنه يمكن أن يكون السبب هو الظروف الاجتماعية للمتخلين؛ كالفقر، فيتخلى الوالدان عن مولودهما ويحرمانه حنانهم ووجودهم من أمومة الأم وأبوة الوالد في حياته، مقابل أن ينعم بعيشة سليمة تضمن له فيه الدولة طعامه ودراسته وحاجياته البيولوجية والضرورية، حتى يصبح قادرا على تأمينها بنفسه، أما عن الأم، فلا شك أنها تتعذب وهي تقوم بعملها هذا وتتعذب طيلة حياتها يوما بعد يوم عن جريمة اقترفتها في حق من حملته في بطنها تسعة أشهر، وتحملت بحمله ألم الحمل والمخاض والوضع الذي يعادل كسر 42 عظمة، فالرحمة يا أمتنا فلولا نظرة المجتمع القاسية لما تخلت الكثير من الأمهات عن أولادهن.

لا أشجع على الخطأ وإنما أشجع على الرحمة بالمخطئ ودين الإسلام دين الحوار والعفو والتسامح، ومواقف النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة في رحمة المخطئين من رفقه بالشاب الذي طالبه بأن يحل له الزنا، ورفقه بمعاوية بن حكم لما تكلم في الصلاة ورفقه بالأعرابي الذي تبول في المسجد وغيرها من المواقف الدالة على آداب التعامل مع المخطئ في دين الإسلام، فاتركوا أمر الخلق لله فإنه {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفتح: 14].

ومن جهة أخرى، فإني أرى أن تجريم العلاقات غير الشرعية واتخاذ أقصى العقوبات في حق المتحرشين ثم المغتصبين، سيكون أمرا جيدا لاقتلاع المشكل من جذوره وخفض عدد الأطفال اللقطاء؛ وإن كانوا يعيشون بسلام داخل دور الرعاية دون أي نقص، إلا أن النقص كله في غياب الأم والأب، فوجودهما يعني الحماية، والرعاية، والقدوة، والسلطة والتكامل الأسري وغيابهما يعني ندرة ما سبق وربما انعدامه أحيانا.