ضيف غريب: ظاهره نقمة وباطنه حكمة

99

زارنا ضيف غير متوقع، لم نعره أي اهتمام في بداية الأمر معتقدين أنه سيمر مرور الكرام ويمضي في حال سبيله، لكنه أبى إلا أن يجول العالم متنقلا من دولة لأخرى، ليؤكد لنا كم هو صغير هذا العالم.

اختلت موازين القوى وأصبح تصنيف قوى الدول لا يعتمد على اقتصادها، ولا مخزونها من البترول ولا حتى أسلحتها، على العكس تماما، فالدولة القوية الآن هي من تمتلك منظومة صحية وتعليمية مبنية على أساس متين تستطيع مسايرة ما خلفه هذا الضيف غير المتوقع. كما أنه قدم لنا اختبارا لمدى وعي الشعوب وقدرتها على التضامن والتآزر بغض النظر عن الجنس أو اللون أو السن أو حتى الطبقة الاجتماعية. فكل دولة جنت ما كانت تزرعه كل هذه السنوات، فمن كانوا يستثمرون في الإنسان لأنهم فهموا أن الإنسان هو المحرك والأساس، فقد استطاعوا مسايرة هذا الضيف والتقليل من خطورته.

ونحن هنا في المغرب، بدورنا قد حط الرحال عندنا ضيفنا اللئيم، فاتضح بالملموس ضعف الإمكانيات، وحالة المستشفيات المتدهورة، ومستوى التعليم المتدني، والأخطر هو انخفاض الوعي لدى فئة كبيرة من الشعب، وهذا ليس بالشيء الغريب؛ لأننا نجني فقط ما زرعته سياسات الدولة، فقد كان الاستثمار في الإنسان آخر أولوياتها، فالإنسان الواعي الذي يعرف ما له وما عليه – من منظورهم- قد يكون مصدر إزعاج، لذلك فضلوا أن يصنعوا منا مجوعة أفراد من السهل السيطرة على رغباتهم وتوجيه أفكارهم وإلهائهم بالتفاهة، لذلك فما رأيناه من مظاهرات في طنجة، فاس، وسلا ليس بالشيء الغريب ولا يجب علينا إلقاء اللوم على هؤلاء لأننا نتحمل المسؤولية بأكملنا وبدرجة أكبر “الدولة”.

ربما قد يظهر ضيفنا هذا بأنه عدو لنا وبأنه أخطر شيء قد نواجهه، لكن علينا أن نعترف أن بداخله أشياء عديدة إيجابية، أولها أنه دفعنا للتفكير في حياتنا التي كان يتأفف منها الأغلبية ويظنها حياة مملة لا قيمة لها، لندرك الٱن كيف كانت حياة مثيرة وجميلة، لكن الجشع الذي يسكن داخلنا حال دون رؤيتها بشكل واضح، والأمثلة كثيرة. لكن الأهم أنه ساوى بيننا وتعامل مع الجميع على قدم المساواة، فلم يعد هناك فرق بين غني يكتنز أمواله في أبناك سويسرا وفقير يمضي يومه بحثا عن كسرة خبز. أغلقت الحدود وتوقفت عجلة السفر فأدركت الفئة الأولى أن لا مفر لها إلا هذا الوطن المكلوم وأن مصيرهم مثل مصيرنا تماما سيكون سريرا مهترئا في مستشفى يصلح لكل شيء إلا لتطبيب المرضى.

مقالات مرتبطة

دفعنا ضيفنا إلى إعادة ترتيب أفكارنا وأولوياتنا، فأدركنا أهمية البحث العلمي والجامعة المغربية، أدركنا أهمية الاستثمار في مجال التعليم و الصحة وأن لا مفر لنا من هذا، لكن الأهم هو الاستثمار في الرأسمال البشري وتمكينه من المهارات والأدوات لكي يكون قادرا على التفكير والإدراك والإنتاج. تبين لنا بالملموس مدى تفاهة من كانوا يسكنون شاشات تلفازنا وواقعنا الافتراضي، لم نسمع لهم خبرا في ظل هذه الأزمة كما أن ضيفنا نور بصيرتنا لندرك بشاعة هذه الرأسمالية التي تتوغل يوما بعد يوم في عالمنا، لندرك أنانية توجهاتها وأهدافها التي تصب لخدمة الأقوى من الدول وتوزيع الفتات على الأضعف، والتحكم ورسم طريق سيرهم وسياساتهم.

إن الخوف والهلع يخرج أسوء ما في الإنسان، فغريزة البقاء تدفعه لفعل أبشع الأشياء والتفكير في نفسه فقط، هذا ما يفسر جشع بعض الدول والسرقات المتتالية لبعض الطائرات المحملة بالأدوات الضرورية لمواجهة ضيفنا.

لعلنا نطرح نفس السؤال: هل سنستخلص الدروس من هذه الزيارة المفاجئة لضيفنا؟ أم أن حليمة ستعود لعاداتها القديمة؟ هل ستدرك الدول فشل سياساتها وأهمية تغيير توجهاتها وتسليط اهتمامها على رأسمالها البشري؟ أم أننا سنكمل سيرنا في نفس النفق مع أننا نعلم أن لا نور في آخره.