عناد الأطفال: خروج عن المألوف أم خطأ في الرؤية؟

العناد حسب أخصائيي التربية وعلم نفس الطفل هو قبل كل شيء سلوك لمرحلة معينة، يلجأ فيها الطفل للرفض والتمسك برأيه، باعتبار تطوره الإدراكي ووعيه الذي بدأ ينمو ويتفاعل مع مجريات محيطه. ويعتبر سلوك العناد رد فعل طبيعي لأسلوب الإكراه والإجبار بالتربية، فحين يعاند الطفل فهو يحافظ على حقه، وحين نرفض سلوكه فنحن، كآباء أو مربين، نتغافل عن حقيقة دورنا الذي يتأسس فقط على مسؤولية تبيين وتذكير وحماية وتوضيح وتبليغ ومنحه حقوقه الكاملة.

وللأسف ما نشهده اليوم من معاناة الأسر مع سلوكات أطفالهم المزعجة هو فقط تقصير وسوء فهم لأهمية الدور المنوط بهم واتجاههم نحو أسلوب الإكراه والإجبار، وبالتالي تكون ردود أفعال أطفالهم مخيبة لآمالهم ولتوقعاتهم وتصطدم مع ما ربوا عليه واعتقدوا أنه الأصح. فهم يقدمون الأشياء المفيدة في قالب قاس غير مرغوب ولا يثير الطفل، مما يجعله يتوقف عن التواصل الإيجابي وينفر ويعارض؛ لأن الأمر المفيد لم يثر انتباهه وبالتالي اقتصر إدراكه فقط على الغلاف الخارجي القاسي الذي يلمسه ويشعر به، أما الجوهر فبعيد كل البعد عن أولوياته، الشيء الذي يقوده نحو البحث بأية فرصة عن أمور ممنوعة قد يجد فيها متعة وإثارة فقدها بالأولى.

ويعتبر العديد من الآباء والمربين أن رفض الطفل لأوامرهم وعناده لهم هو وقاحة و”ند للند” وقلة احترام وسوء تربية وإخلال بالقيم التي ربوا عليها. ومن جانب الطفل فرفضه ومعارضته هو تجسيد لعدم شعوره بالحرية في الاختيار أو في إبداء رأي أو الامتعاض من أمر…، وبالتالي مع عدم منح خيارات وغياب الحوار والتوضيح وفرض الرأي أو الأمر بقوة من طرف الراشدين سيجعل الطفل يعاند أو حتى يتمرد على ما أكره وأجبر عليه أو سيغدو طفلا مستسلما منقادا ذليلا. وبما أنه لم يتلق الحرية ويتعرف على مقاييس استعمالها بشكل صحيح سيستغلها بشكل خاطئ وسيتمرد على ما نعتقده إطارا وحدودا وخطوطا حمراء.

العناد يعني أن إدراك ووعي الطفل في نمو وتطور مستمرين، فرفضه وعدم قبوله لأوامر الكبار يدل فقط على رغبته بالاكتشاف والتعلم وأنه بحاجة لحرية قرار واختيار، حتى يكتسب ويتفاعل ويتعلم التفكير وحل المشكلات بنفسه، حينها وفقط سيرتفع لديه الإدراك وسيتعلم مع الوقت أنه مسؤول عن أخطائه وقراراته ومواقفه.

العناد إذن هو مرحلة قبل أن يكون سلوكا، وهو قيمة إيجابية يحتاجها الطفل لينمو بشكل سوي ويمارس تفاعلاته الاجتماعية ليتمكن من تحقيق تقديره لذاته وثقته بالآخرين، وبالتالي ستكتمل شخصيته وسيكتسب مهارات حياتية يستعين بها على مصاعب ومنعرجات الحياة التي تنتظره.

أهمية العناد تكمن في وظائفه التي يشغلها، فهو يدل على أن الطفل وصل لمرحلة يستطيع أن يستقل فيها عن الآخرين ويأخذ قراراته بنفسه وأن يفكر ويدرك وخاصة بعد سن السنتين؛ حيث إنه قبل سن السنتين أو السنة والنصف تتمحور كل أناه عن أمه. فبعد السنة والنصف يمكنه العناد من اكتساب وتكوين لغة تبدأ ب “لا”، وتنتهي ب “أنا لا أريد”، “أنا أريد”، “أنا أفعل”،… هذه اللغة تعبر عن استقلاليته وعن بداية تحمله لمسؤولية اختياراته ورغباته. فالعناد هنا إثبات للذات “أنا أستطيع أن أفعل / أن أفهم”، فما يتوجب علينا هو احترام رغبته وتعزيز قيمة العناد الإيجابية، فبها سيتمكن من تأسيس أسس قوية لشخصية متوازنة.

وقد يظهر العناد على شكل معارضة واضحة أو التمسك برأي أو فكرة ما، وهو عناد ظاهر ومقبول، وهو الشكل الذي يرفضه أغلب الراشدين باعتباره تقليلا من قيمتهم ورأيهم وتجاربهم. كما قد يظهر العناد بشكل متستر، وهو نمط سلبي نتيجة ما يخلفه من صراعات واضطرابات على المستوى النفسي أو الصحي. فتجد الطفل مثلا يقبل ما تلزمه به لكنه ينتقم ويعوض عن خضوعه، بوعي أو بدونه، بالفشل في التنفيذ أو بالتمارض أو بالتبول اللاإرادي.

الخطوات والنصائح التربوية الإيجابية للحفاظ على التدخل الإيجابي، التي تلي هذه الفقرة، لن تغير من الأمر الشيء الكثير طالما أننا لم نعقد العزم على إعادة النظر في أساليبنا التربوية ونستوعب حقيقة دورنا ونغير معتقداتنا؛ الموروث منها أو المتراكم نتيجة التجارب والخبرات حتى نصل بعلاقتنا وتواصلنا مع الطفل إلى بر الأمان:

  • تجنب الأساليب السلبية من كثرة اللوم والضرب والتعنيف والصراخ والتحقير والاستهانة به، فلن يساعد ذلك سوى في زيادة فتيل أزمة التواصل وبالتالي زيادة حدة السلوكات السلبية.
  • تغيير التركيز، بمعنى أننا ننتقل من التركيز على السلوكات السلبية إلى السلوكات الإيجابية، مع التشجيع والمكافأة وإبداء الفرحة والاهتمام بما حققه من أمور إيجابية.
  • التعبير عن المشاعر، فهي مفتاح سر العلاقة الناجحة مع الطفل. فحين تعبر لطفلك عن مشاعرك عبر وصف السلوك كان مزعجا أو لا سيعزز الفهم وبالتالي يمنحه ثقة في التواصل.
  • تجنب وصف الطفل بالعناد وإطلاق اسم العنيد عليه. فشخصية الطفل مزيج بين مختلف الصفات فلا يحق لنا الحكم عليه بصفة واحدة مطلقة، لأن ذلك سيقوده إلى الاتصاف به مع التكرار المستمر.
  • الابتسام والتعود على ذلك، وتجنب الابتسامات المصطنعة أو المزيفة.
  • تعزيز ومدح المبادرات الإيجابية بإعطائها قيمة التحدث للآخرين عنها بوجود الطفل وإبداء الفرحة بما فعله ولو كان أمرا بسيطا.
  • تشجيع الحوار الذي يعزز التواصل ويقوي التفكير وينمي التقدير الذاتي ويحافظ على العلاقات الاجتماعية وليس حوار الند للند أو استغلال السلطة حسب مهمة الراشد.
  • الاتفاق على مجموعة من القوانين تحدد تدخلات وأدوار ومسؤوليات كلا الأطراف من طفل وراشد، حتى يتمكن الجميع من المحاسبة والفهم وبالتالي تجنب قمع الحريات.

ولقد وردت مجموعة من الآيات في القرآن الكريم المتضمنة لمصطلح العناد من قبيل: بسورة ق ﴿ألقيا في جهنم كل كفار عنيد﴾ (ق: 24)، وفي سورة هود ﴿وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد﴾ (هود: 59)، وفي سورة إبراهيم ﴿واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد﴾ (إبراهيم: 15)، وفي سورة المدثر ﴿كلا إنه كان لآياتنا عنيدا﴾ (المدثر: 16).
والملاحظ من كل هذه الآيات أن كلمة عنيد اقترنت بسلوك سلبي محض، وأطلقت على من عاند الحق وعارض بالباطل مع علمه بذلك. وبالتالي فإطلاق صفة العنيد على الطفل هو مخالفة لأوامر الله وعدم استيعاب لمضامين كتابه المنير، حيث إننا نعتبر أن الطفل قد خالف أوامرنا بعد أن فهمها وقام بعكس ما نود منه. لذا فمن المستحب تجنب إطلاق صفة العناد أو أي صفة أخرى على الطفل، فلا يمكن اختزال كل معالم شخصيته بصفة أو صفات معينة. يقول الله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد:11 )، المغزى من الاستدلال بهذه الآية الكريمة أننا، وقبل الخوض في أي مشكل سلوكي لأطفالنا، علينا أن نعيد التفكير في طرق تربيتنا وتعاملنا وردود أفعالنا مع أطفالنا. فحين يسيء ابني أو متعلمي التصرف فعلي أن أسائل نفسي أولا وأحاسبها على أخطائها وأعترف بمسؤوليتي وأنني السبب بأحاسيسي التي أسقطتها على طفلي فأصبح هو المخطئ. وبالتالي فعودتنا لأنفسنا ومراجعتنا لطرقنا التربوية ستقودنا لا محالة لطرق الخلاص وستنور مفاهيمنا وآلياتنا التواصلية مع أبنائنا.

قد يتعجب بعض القارئين من علاقة الآيات القرآنية بموضوعنا وقد يبدع البعض في ذلك، لكن يجدر بنا الإقرار كمسلمين، وهو المفروض في قناعتنا الدينية، أنه علينا أن ندرك تفاصيل القرآن والسنة إدراكا حياتيا يتقاطع مع كل جوانب حياتنا اليومية ويتأسس عليه تبعا كل مواقفنا وأفكارنا، فاعتبار حيثيات الدين أمورا شكلية فقط لن يمكننا من الغوص في جوهره وروحه.

إننا بحاجة فعلا لتغيير معتقداتنا عن أسلوب تربيتنا. فما تلقيناه ليس بلاغا مبينا، قد يحمل مجموعة من الأمور الإيجابية يسعدنا الاحتفاظ بها وأمورا أخرى تحتاج لوقفة تغيير من أجلها، فأطفالنا خلقوا لزمان غير زماننا. أما حين ننهج أسلوب المصاحبة والتبيين والحماية المعتدلة فنحن نتواصل مع الطفل كراشد مسؤول وستنخفض حدة الاصطدام والحوادث معه ويرتفع معدل الحرية والإدراك والوعي مما يساهم في إعداد فرد متزن وسوي.

نحن لسنا مطالبين بتغيير سمات شخصية طفلنا، بل فقط ملزمون بالصبر ثم الصبر ثم ما ذكرناه سابقا من مسؤوليات وأدوار تعود على الأسرة كاملة بالتفاهم والبحث عن حلول إيجابية مُرضية لكل الأطراف.