في رحاب كورونا

606

هلع وصوت أنين صامت، دموع تذرف على راحل لم يحظ بالوداع الأخير، إعلام نسي أخبار شاكيرا وميسي وحتى ترامب، ولا حديث له سوى عنك أيها السادي القاتل.

كل شيء في أرضي تغير، فهذا الكوكب عودنا على الصخب، على قوي يستعرض عضلاته هناك فيدك الأرض بأسلحته الذكية، وغني يخرج للعلن كمختال فخور ببدلة أنيقة وسيارة فارهة، تعودنا على حياة فيها المادة تسيطر…

وفي لحظة سكون، ملأ الهدوء المكان وعاد بنا الزمان إلى عصر غابر تفشى فيه الطاعون القاتل وفيروسات صعب أن نذكر اسمها المعقد.

اليوم، الكل في رحاب كورونا سواسية، العالم المتقدم والمتخلف، الدائن والمدين، الأشقر والأبيض والأسمر، الكل والله الكل. فكورونا أعلنت ميثاقا عالميا جديدا لحقوق الإنسان، وخلقت جوا من التسامح لم تحظ به فلسطين المحتلة منذ أكثر من سبعين سنة.

فهذا مغربي في كازابلانكا يواسي شعب إيطاليا المكلوم، وذاك هندي من نيودلهي يرثي الآلاف في ووهان، وبين هؤلاء، إيطالي وإسباني وصربي يتحسر على اتحاد أوروبي تفكك، وقتلته الرأسمالية بجشعها وأنانيتها المفرطة التي انكشفت بفضل كورونا.

مقالات مرتبطة

على مدى قرون والإنسان يطور المادة لخدمته إلى أن وصلنا لعهد غابت فيه الروح، فساد الظلم المكان،
وعافتنا الأرض وحتى السماء فأصبحنا في تشرين الكاذب نرى الفصول الأربعة في يوم واحد.

وفي أعين الخائن نرى الأمان، وفي الفيس بوك ومشتقاته الذكية نجد ضالتنا في ذلك التافه وتلك الشمطاء.

ضللنا الطريق فعاد المعلم في أسفل الهرم، والعالم منبوذ بلا أتباع، والمدرسة بناء إسمنتي يسود فيه الملل من كتب أرهقت حاملها بوزنها، لا بما تحمل من علوم وأفكار.

عادت بنا كورونا إلى الذات فأحيت أحاسيس غابرة أكل الدهر عليها وشرب، فأصبحنا نتبادل رسائل الافتخار بسواعد الوطن، شعرنا بجمال أرضنا، بنخوة الغني وقت الشدة، بقدسية الطبيب والممرض، بجمال عامل النظافة وأناقته، برحمة خالق لم يسألنا يوما لم لا ندعوه صباح مساء، وإن كانت أبواب رحمته لم تغلق أبدا.

ما بعد كورونا لا بد أن لا يشبه ما قبلها، فهذا الفيروس وضعنا في امتحان أخلاقي؛ في قراءة لذات إنسانية خفت بريقها في زمن العولمة.

ما بعد كورونا لا بد أن يكون أجمل؛ فمن لم يراجع نفسه في هذه المحنة عيب أن ينتمي لجنس بشري حفر في الصخر ومن قبله التراب ليبني حضارة إنسانية نبيلة.

ما بعد كورونا زلزال فكري وعلمي وبناء للإنسان من أجل الإنسان، وطرد للتفاهة والبلادة من عقولنا، فنحن خير المخلوقات على الأرض وعلينا أن نستحق هذا الشرف وإلا عادت كورونا بأشكال مختلفة، حينها قد لا تنفع كمامة أو معقم أو حتى حجر صحي عبر الجلوس بين أركان بيت أنيق ومكيف.