قبل كل شيء يجب أن تخوض التجربة

إن التفكير في الإنسان يستوجب استحضار البعد المعرفي الذي يكشف عن الفاعلية البشرية والذي هو نتاج للتعلم المكتسب، الذي لا ينحصر فقط على مستوى تلقين الدروس، بل من خلال مختلف التجارب التي تطبع طريق الأفراد والتي تقوم بدور مهم في تكوين ذواتهم؛ فهي التي تجعل من ما هو نظري مطبقا، ومن الأفكار المرسومة في المخيلة حقيقة يستفاد منها، بعضها تكون ناجحة وبعضها قد يتسم بالفشل عند الكثيرين. لكن لا يهم! المهم هو خوض التجربة التي تلقننا دروسا مفيدة وعبرا كثيرة، نتعلم منها لكي تكون لنا فرصة لبداية نجاح ما، فكرة أو نظرية ما. وقد تكون فكرة ملهمة لابتكار جديد، فمثلا بائع الشوكولاتة الذي كان يقوم ببيع النعناع في فصل الصيف بسبب انخفاض مبيعات الشوكولاتة لديه، كان يبتكر أشكالا جديدة ومختلفة للنعناع حيث كان يقوم بضغطها وتشكيلها في مصنع محلي للأدوية. في أحد الأيام تعطلت ماكينة تصنيع الأدوية التي كان يعمل عليها وأدى العطل إلى تشكيل حلقات مفرغة على شكل (0) بدلا من الحبوب المضغوطة، وبدأ الترويج لهذه الأشكال الجديدة من النعناع كابتكار جديد له، وأطلق عليه اسم (Live savers) لتصبح بعدها حلوى ملونة وتنتشر في كل مكان.

وهذا إن لم نعتبره قد جاء بمحض الصدفة؛ فهو بفضل خوض هذا البائع لعدة تجارب، أولها بيع النعناع ثم ترويج أشكال الحلقات المفرغة من النعناع، كلها محاولات لم يصدها، لم يبدأ بالشكوى والتضجر عليها.

يقول روزفلت وهو الذي، لا يؤمن بالفشل: “من المنطقي أن تجرب طريقة ما، فإذا فشلت اعترف بذلك بصراحة وجرب طريقة أخرى، ولكن قبل كل شيء يجب أن تخوض التجربة”.

في عام 1920 م استقال روزفلت من منصبه في البحرية ورشح نفسه للانتخابات نائبا للرئيس الأمريكي، لكنه لم ينجح وهزم هزيمة ساحقة فخسر كلا الأمرين، منصبه في البحرية وأن يصبح نائبا للرئيس، وبعد هزيمته توجه للعمل مرة أخرى في المحاماة. وفي عام 1921 م وقبل أن يبلغ الأربعين من عمره أصيب بشلل من خصره وحتى قدميه ولم يتمكن من الوقوف دون مساعدة أحد، فابتعد عن الحياة السياسية تمامًا وأصبح حبيس البيت، وفي عام 1929 م عاد إلى العمل السياسي من جديد، حيث رشح نفسه لشغل منصب محافظ نيويورك، وفاز بهذا المنصب بصعوبة بالغة واستمر يعمل به لمدة 4 سنوات. ثم قرر الانطلاق بكرسيه المتحرك للدخول في انتخابات الرئاسة الأمريكية، وبعد إعلانه الترشح توقعت بعض المجلات أنه سيخسر لا محالة، حيث كانت أمريكا تواجه أسوأ كساد اقتصادي في تاريخها، لكن روزفلت فاز بأكثر من سبعة ملايين صوت بفارق عن منافسه مع أنه على كرسي متحرك. وفي عام 1936 م رشح روزفلت نفسه لولاية ثانية وتوقع الناس خسارته مرة أخرى، فقد كتب أحد النقاد السياسيين (فرانکلین روزفلت لن تزيد رئاسته عن فترة واحدة )، لكنه فاز على منافسه بفارق كبير على عكس توقعاتهم.

فاز روزفلت في فترة ثالثة ورابعة، ويعتبر هو الرئيس الثاني والثلاثون لأمريكا وواحدا من أعظم الرؤساء الذين حكموا الولايات
المتحدة الأمريكية، وهو الرئيس الوحيد الذي اختير لأكثر من فترتين رئاسيتين.

لم يمنعه الكرسي المتحرك من التنقل في كل العالم واستقبال الملوك وقادة الدول وعقد المؤتمرات. وقد توفي بعد كل هذا السجل الحافل بالتجارب الفاشلة والإنجازات الناجحة.

ينبغي على الإنسان في هذه الحياة أن يواصل التقدم إلى الأمام دائما، وأن يقوم بأشياء جديدة ويفتح أبوابا؛ ليتعرف على عوالم مختلفة ودائما عليه بتجربة مزيد من الطرق لتحقيق الإنجازات الرائعة، فالفرص كثيرة وقليلون هم من يعملون من أجلها، يصنعون نجاحاتهم بتجاربهم الفاشلة ويخطون فصولا من المجد بقلم الإصرار والمثابرة.