كورونا: درس للجميع وامتحان للكل

173

في الفترة الأخيرة، أصبحنا نمضي وقتا عصيبا بسبب تفشي فيروس كورونا الذي أصاب آلاف البشر حول العالم، وما زال يودي بحياة الكثيرين. في الوقت الذي يحاول فيه العلماء إيجاد ترياق مناسب لهذا الداء. نتطلع كل يوم لآخر أخبار هذا الوباء لنعرف المعلومات المستجدة والإحصائيات الجديدة لنقف على هول هذه المأساة، آملين أن لا نكون في عداد الأرقام الموالية.

فيروس يبلغ قطره 125 نانومتر، لا يرى بالعين المجردة، يصيب الكبير والصغير، أخاف الناس وأرعب البشرية، أوقف عجلة الاقتصاد العالمي وعطّل سيرورة الحياة الاجتماعية، مما أجبر كثيرا من الدول على إحداث قوانين احترازية وسن تدابير وقائية تتناسب مع هذه الظروف الاستثنائية لمحاصرة الفيروس والسيطرة عليه.

وفي هذا الإطار أستغل الفرصة لأوجه تحية نضالية لجميع الأطقم الطبية والصحية المدنية والعسكرية التي تقف صباح مساء في الصفوف الأمامية في مواجهة مع المرض، وأوجه التحية أيضا لجميع السلطات الأمنية بكافة أنواعها وهيئاتها التي تسهر على إجراءات تطبيق الحجر الصحي على أرض الواقع، كما أنني أخص بالذكر رجال النظافة الذين يناضلون من أجل تنظيف مخلفات البشرية، ويقومون بحملات تعقيمية للمرافق العمومية والشوارع والمستشفيات، دون أن ننسى الصحفيين الذين يجاهدون بشكل يومي لنقل المعلومة الصحيحة والأخبار الأكيدة بالصوت والصورة، كلهم ومن دون استثناء جنود مجندة يخوضون حربا محتدمة مع وباء خطير، بينما نحن المواطنون مطالبون فقط بالمكوث في منازلنا بكل أريحية، لا نملك لهم إلا الدعاء. الشكر موصول لهم، فهم أبطالنا أحييهم جميعا وأشد على أيديهم بحرارة.

مقالات مرتبطة

انتشار فيروس كورونا في العالم، حدث خطير وقف الأطباء والعلماء عاجزين أمامه على الرغم من تقدم علوم الصحة والأوبئة في بقاع المعمورة. بغض النظر عما إذا كان هذا الفيروس من الطبيعة أو من صنع الإنسان. فهو حدث تاريخي ذكرنا أننا في نعم كثيرة وأفضال جسيمة، انصرفنا عن ذكرها. غفلنا عن نعمة الصحة في البدن، ونعمة الطهارة في الإسلام، ونعمة الصلاة في المساجد، ونعمة سقف يأوينا، نسينا نعمة الأمن في الوطن ونعمة صلة الرحم ورغد العيش، ونعمة الحرية في التنقل والسفر التي بتنا نعتبرها من المسلمات والبديهيات غير آبهين بقدرها، ولا عارفين بقيمتها، مقصرين في شكر المنعم علينا بها.

مصداقا لقوله تعالى في محكم كتابه العزيز : {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} [يونس:60] وقوله عز وجل: {كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89]

فشكر النعم يكون باللسان والقلب والجوارح، ولا يكتمل إلا بالمحافظة عليها وإنفاقها في سبيل الله واستغلالها في المصلحة العامة

لقوله تعالى: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15]

وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29، 30]

واقعة محزنة أيقظت حسا تضامنيا عاليا لدى البشر لتسقط جميع الشعارات السياسية والتوجهات الدينية والانتماءات العرقية لتجتمع تحت سقف واحد، وتسير على وقع موحد ونهج منظم لمحاربة هذا الفيروس والحد من انتشاره.

ابتلاء أجبرنا على التخلي عن عاداتنا الاستهلاكية اليومية لنعيد ترتيب أولوياتنا مستندين على الحاجة الملحة لها، في وقت أصبحنا نتمنى فيه أن نرجع إلى نمط حياتنا المعهود الذي لطالما تذمر منه الكثير ووصفه بالروتيني الرتيب.

هي فرصة إذا لإعادة اكتشاف أنفسنا لنعترف على نقصنا ونقف على أخطائنا لنعتبر، فرصة لنعترف بضعفنا وعجزنا أمام القدرة الإلهية، وفرصة لنصلح من حالنا فنعود ونراجع أنفسنا، ونعيد توطيد أواصر المحبة والاحترام مع أبنائنا وأسرنا بعد أن أفرط البعض في إهمالهم وانشغالهم بتحصيل الأموال وتحقيق الملذات. فرصة لنستعيد إنسانيتنا ونجدد علاقتنا بخالقنا بعد أن استكبر البعض وتجبر في الأرض، فنطلب منه الرحمة والمغفرة بعد أن ظلمنا أنفسنا.

حدث عظيم يختبر إيماننا بالله عز وجل ليعلمنا الصبر واليقين عند المصيبة، حدث يكفر الخطايا فيهذب العقول لتستقيم النفوس، فهكذا نحن البشر لا نتعلم إلا في الشدائد والمحن، فلم يعد في وسعنا إلا أن نعترف أن هذا الوباء هو درس للجميع وامتحان للكل. فيارب اشملنا برحمتك، واغمرنا بعفوك فأنت المتعالي الذي لا يعلى عليه.