كورونا: نِعمة أم نِقمة؟

259

الثاني عشر من دجنبر لسنة 2019، يوم ليس كباقي الأيام العادية الروتينية المملة، هو يوم اتفقت فيه جميع وسائل الإعلام على عنوان موحد “ظهور فيروس جديد بمدينة ووهان الصينية Covid-19″، هذا الفيروس الذي انتشر بعد أيام قليلة في مختلف أنحاء العالم. مجرد كائن صغير ميكروسكوبي قلب العالم رأسا على عقب، دمّر اقتصاد العالم، خرب رئات مجموعة من المرضى، وسلب حياة بعضهم.

بدأت الدول في توعية مواطنيها لاستعمال مختلف الوسائل الوقائية للتصدي لهذا العدو كالنظافة ومنع التجمعات واحترام مسافات الأمان إلخ…إلا أنه صعُبَ التحكم فيه نظرًا لسرعة انتشاره وإهمال بعض الناس له أو احتقارا لقوته، فما بقي إلا حل واحد ألا وهو إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول…هذا القرار الجريء الذي اتخذته العديد من الدول شكّل حصارا قاسياً عليهم، حيثّ أُغلقت الحدود، وأُوصدت المعابر، وحُظر السفر، وتوقّفت التجارة، ومُنعت التجمعات، وألغيت الحفلات، وعُطّلت المدارس والجامعات، وأجبر الناس على التزام بيوتهم طوعاً أو كرها، لا حول لهم ولا قوة إلا مناجاة الخالق العظيم، أن يكشف عنهم هذا الضر، وأن يرفع عنهم هذا البلاء، وأن يزيح عن البشرية جمعاء هذه الغمّة التي كبّلت الحياة بأغلالٍ من فولاذ…هذا القرار غيَّر مجرى الحياة، وأرهق نفوس البعض وأحيا البعض الآخر، فقد جعل كل واحد منا يدرك مجموعة من النعم التي كان يغض بصره عنها مصداقا لقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} وإحدى هذه النعم نعمة الصحة التي انكشف قدرها وزاد شكرها، كما أنه جعلنا نستوعب مدى ضعف الإنسان، وعظيم انكساره، ويخبرنا بمدى عجزه على الرغم من كل ما يملك من علم ومال وجاه ونسب، فمجرد كائن لا يُرى حتى بالعين المجردة، قد أرعب قادة العالم وجعل من العالم مكانًا غريبًا…

ولكن، مع كل هذا، فهذا الكائن الصغير كان له جانب مشرق، حيث إنه منح لكوكب الأرض وقتًا للراحة، راحة من ضجيج البشر وشره، فالحيوانات الآن من كلاب ضالة وقطط صغيرة وطيور تنتقل بكل حرية غير آبهة بذلك الإنسان الذي يرهبها، سعيدة كأنها تشكر الفيروس على قدومه…إذا كانت العولمة قد ساهمت إلى حد كبير في اتساع رقعة الاتجار بالحيوانات المهددة بالانقراض، فإن تفشي فيروس كورونا المستجد كان وراء مجموعة من الإجراءات الإيجابية التي اتخذت أو هي بصدد الاتخاذ لتطوير آلية مواجهة هذا النشاط غير المشروع الذي يدر على أصحابه قرابة 23 مليار دولار في السنة حسب منظمة الأمم المتحدة. ويُعَدُّ آكل النمل أحد هذه الحيوانات. فقد كان يُطارَد ويُقتل في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لأنه يستخدم في صنع وجبات غذائية يُنظر إليها حسب تقاليد ومعتقدات متوارثة في الصين وفيتنام وبلدان آسيوية أخري باعتبارها وجبات تُنشط العملية الجنسية أو تفيد في الحفاظ على الصحة البشرية. ونظرا لأن هذا الحيوان يشتبه بوقوفه وراء نقل فيروس كورونا المستجد إلى الإنسان، فإن الرئيس الصيني شي جين بينغ يشرف بنفسه على الحملة الصينية الجديدة الرامية إلى تضييق الخناق على المتاجرين بعدد من منتجات الكائنات الحيوانية البرية والبحرية المهددة بالانقراض..

كما أنه انخفض معدل التلوث بالعالم حيث قلّ النشاط الصناعي وبالتالي أُنقذت أرواح كانت تموت سنويًا بفعل تلوث الهواء.. بتاريخ 8 مارس/آذار الجاري نشر خبير الموارد البيئية بجامعة ستانفورد “مارشال بورك” تقريرا على المدونة العالمية للأغذية والبيئة وديناميكيات الاقتصاد (G-FEED)، كان قد أجرى فيه بعض الحسابات حول معدل الانخفاض الأخير في تلوث الهواء على أجزاء من الصين.

وقدر بورك عدد الأرواح التي نجت نتيجة لذلك، ووجد أنه نتيجة لشهرين من الحد من التلوث، نجا 4000 طفل دون سن الخامسة و 73 ألف بالغ فوق سن الـ 70 في الصين.

بالطبع فإن هذا العدد أكبر بكثير من عدد الوفيات العالمي الحالي من الفيروس نفسه هناك. وبهذا خلص بورك إلى أن هذا الانخفاض في معدل تلوث الهواء سينقذ حياة أشخاص بمقدار يعادل 20 ضعفا من عدد الوفيات نتيجة كورونا هناك.

كما ساهم هذا الفيروس في إعادة ترتيب شرائح المجتمع، وإعطاء الأهمية لمن يستحق ذلك. فقد فهم الناس أخيرًا أن عالمنا غير محتاج لتلك التفاهة التي سيطرت على شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي، وقد فهموا أيضا أن من كانوا يُكَرّمون بالجوائز والميداليات من فنانين ومشاهير هم عديمو الفائدة اليوم، وأن من يستحق التنويه فعلًا هو الأستاذ المعلم للأجيال والطبيب الحريص على صحة مرضاه والجندي الحامي لوطنه والعالم الساعي للبحث والتنقيب عن خلاصات تنتفع بها البشرية…وقد أدرك المجتمع والدولة أهمية العلم في تطور البشرية واستمرارها على وجه الأرض، وبالتالي فالعناية بالمدارس والجامعات ومراكز التكوين، بالإضافة إلى المستشفيات والمراكز الصحية يعد أولوية الأولويات.

ومن إيجابيات هذا الوباء أيضا جمع شمل العائلات من جديد وقضاء معظم الوقت معهم…كما ظهر قاسم التآزر والتضامن بين مختلف شرائح المجتمع والمتمثلة في توزيع شباب لمواد غذائية على أسر أحيائهم الفقيرة، ونشطاء يتكلفون بمساعدات مالية لفائدة مواطنين فقدوا عملهم، وكمثال على ذلك السيد نور الدين، مالك مقهى بمدينة آسفي، عبر صفحته على “فيسبوك”، إنه سيتكلف بدفع أجر العاملين في المقهى إلى غاية فتحها من جديد.

السيد هاشم، شاب بنفس المدينة، وضع هاتفه الخاص بصفحته على فيسبوك، لفائدة المواطنين ضعيفي المناعة من أجل مساعدتهم على شراء أدوية أو سلع أو جلبها لهم.

مقالات مرتبطة

وعلى نفس طريقة هاشم ونور الدين، أطلق عدد من النشطاء، مبادرات فردية وجماعية للتضامن، غزت منصات التواصل الاجتماعي.

كما أعلن عدد من المواطنين تخليهم عن مستحقات كراء شقق على ذمة عمال فقدوا وظائفهم. إبداع في التضامن بيّن المعدن النفيس للمغاربة.

لكن بعد كل هذا الذي ذكرته سابقًا، السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو أنه بعد انقضاء هذه المحنة والقضاء على هذا الفيروس، هل سنتعلم درسا من هذا ونغير بعضًا من سلوكنا أو ستعود الحياة إلى ما كانت عليه سابقا؟ فدعاة حماية البيئة مثلا مستبشرون وكأن حرية التحرك والسفر الجنونية التي كانت سائدة انتهت بشكل قاطع، ويتنبأ المناهضون للرأسمالية بأن هذا النظام البغيض قد ولى إلى غير رجعة، في حين يرى الحمائيون أن الحدود سوف تُستعاد بشكل دائم، ويعتقد محبو أوروبا أن الاتحاد سيخرج معززا من هذه الأزمة، في حين يرى مناهضوه أنه سينفجر.

غير أنني أعتقد أنه بدلًا من التنبؤ بأن الآمال ستتحقق من تلقاء نفسها، قد يكون من الأفضل الاستعداد لتصحيح واقع يبدو صعبا على المدى القصير والمتوسط، لأن من الممكن -بل من الراجح- أن العودة إلى الوضع الطبيعي ستصاحبها بعض التعديلات، ولكنها ليست تغييرات عميقة.

ومما لا شك فيه أن الشركات ستسعى إلى ضمان توفير إمداداتها بشكل أفضل، وأن الأنظمة الصحية ستعيد تنظيم نفسها بشكل مفيد؛ ولكن هذا كله لا يعني تغيير النموذج الاقتصادي أو الاجتماعي. ويظن بعض الباحثين أن هذه المرحلة ستكون نهاية العولمة بشكلها الحالي: روبن نيبلت، مدير مركز تشاثم هاوس للأبحاث يقول إن وباء كورونا سيكون سببا في نهاية العولمة بشكلها الحالي خاصة وأنه يأتي بعد توتر تجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين ومطالبات نشطاء البيئة بخفض انبعاثات الكربون وهو ما سيدفع الحكومات إلى إعادة النظر في الاعتماد على خطوط الإمداد بعيدة المدى.

وعلاوة على ذلك، إن العالم لم يتغير على الإطلاق بعد الأوبئة الكبيرة السابقة، بل إن الجميع عالجوا جراحهم وانتهى الأمر بامتصاص الصدمة واستمر كل شيء كما كان في السابق.

وكدليل على ذلك مثال أزمة عام 2008 التي هزّت العالم بعواقبها المالية والاجتماعية، مشيرة إلى أن كل شيء عاد إلى طبيعته المعتادة، وإن كانت البنوك تمت رسملتها بشكل أفضل مما كانت عليه في السابق وأصبحت حذرة وتعرف كل شيء عن عملائها، ولكن النظام المالي العالمي في الواقع لم يتغير جذريا، بل صار أكثر تركيزا وأكثر أمانا، ولا شك أننا اعتدنا عليه.

وفي الختام، بعد قراءتك لهذه الأسطر، فإنه رغم قساوة وسوء هذه الجائحة إلا أنها قد بينت عن العديد من المحاسن السعيدة.