لكأنني بُعِثتُ من الأموات ؟! (3)

67
قصة تدشين أول معالجة لمرض وراثي عند الإنسان عن طريق إضافة الجين الناقص
بقلم الدكتور خالص جلبي
تكلمنا عن السيدة فرانسين التي خضعت للمعالجة بتعديل جيناتها ومعالجة مرض خطير عندها هو فرط الكولسترول العائلي ورحلة المعالجة تبدأ مع الفيروسات وما أدراك ماهي؟ ثم ماهي الجينات؟
هذه الفقرات هي ما يسمى الجينات، والتي هي في حقيقتها أحماض أمينية مصفوفة، تشكل بعدد محدود يزيد وينقص فقرة هامة ذات معنى محدد للجسم، سواء كان بدن إنسان أو هيكل فراشة، أو قطعة من التفاح. هذه الفقرات تعطي أوامرها بواسطة مطبعة خاصة، إلى نقل هذه الرسالة إلى البدن كي يقوم بتصنيع دائم لكل مكوناته أو التعويض عما يفقد أو ترميم ما ينهار، في عملية على مدار الساعة، لا تعرف الفتور والسآمة تسبح بحمد الله العلي الكبير. فهنا الإنسولين يحرق سكراً، وهنا أدرينالين ينظم الضغط، وهناك جرح يحتاج للالتئام.
إن الوصول إلى المطبعة أو بالأصح إلى الشاعر الذي ينشد هذه القصائد البديعة، وهو غارق في نشوةٍ من المعاني، يبدو أنه تحت تأثير هذه الخمرة يقع في خلل بين حين وآخر، وهو يتلو من الأوراق التي بين يديه. فكيف يمكن تصحيح أخطائه، وترميم ثغراته، وتقويم ما اعوج وانحرف عن سبيل الرشاد؟
هذه كانت وما زالت مشكلة الطب مع الخلل البيولوجي الوراثي، بل وحتى مع عدو البشرية الأول السرطان؛ لأنها قصيدة اضطربت، ومعاني ضلت، ومفاهيم انحطت.
لقد تم هذا الآن بعملية على غاية من الذكاء وبدون إزعاج الشاعر النشوان عن طريق من يتسلل إلى أوراقه الموضوعة بين يديه، كي يتم حذف كلمة، أو إضافة نقطة إلى كلمة، أو تبديل كلمة محل أخرى، هذا هو عمل الفيروس الرهيب الذي أخذ لقب القلوب أو العكوس في وظيفته، لأن من طبيعته التسلل إلى داخل خريطة البناء الجوهرية، والنسخة الأصلية حيث اللوح المحفوظ فيجري التعديل على الخلل، ويشطب الكلمة الزائدة، أو يضيف النقطة الناقصة، أو حتى التشكيل الملائم للحرف.
وفي مريضتنا فرانسين عُرف أن الخلل هو في الكروموسوم ذو الرقم 19 بنقص جيني محدد على وجه الدقة، وعلى المتسلل الذكي أن يُسرب القطعة الناقصة لتلتحم بالأصل، فتبدأ في العمل، وهي هنا حياة المريضة للتخلص من طوفان تراكم شحم الدم.
إن هذه الحرب الأهلية المشتعلة داخل الجسم هي التحدي الذي يقف أمام أطباء اليوم لإدخال السلام مرة أخرى إلى ربوع البدن! ولكن الدخول إلى أوراق هذا الشاعر البليغ، لا تخلو من كوارث، إذا لم يتم التنبه إلى دقة التغيير المقصود، فقد نغير حرفاً في كلمة، أو كلمة في بيت شعري، إلا أن المعنى قد يختل اختلالاً، يفضي إلى كارثة في النطق، أو مصيبة في التعبير، أو خطأً رهيباً في دلالاا الكلمات، وهذا مايخشاه العلماء اليوم، فالتلاعب بكلمات الخلق قد تحيل كلمة خلق خرقاً، والروعة عورةً، والإبداع دعابةً، أو قد تصبح جمل البناء عبارات تخريب، وأبيات المدح قدحاً وعدواناً.
وفي النهاية قد تستحيل قصيد الإنسان بكاملها، إلى بناء مشوه، وتركيب مرعب، وهو ما يخشاه مهندسو الوراثة اليوم، في الوصول في النهاية، بالإنسان إلى إنسان فرانكنشتاين، وهي القصة المعبرة عن محاولة الوصول إلى تركيب جديد متقدم للإنسان، فتولد عنه وحش مرعب مدمر، اضطر في النهاية صانعوه ومركبوه إلى تدميره والتخلص منه، ولا غرابة في هذا؛ إذ طالما نسمع عن محاولات دمج الشيفرة الوراثية للإنسان مع جينات الفئران، يراجع في هذا الكتاب الشيق لعبد المحسن صالح  “التنبؤ العلمي ومستقبل الإنسان” سلسلة عالم المعرفة الرقم 48.
هذه هي باختصار الأمراض الجينية والتي كانت تعاني السيدة فرنسين من إحداها فبدل الفكر أصبحت كفرا وبدل الحب أصبحت حراً شواظاً لهيباً.
كان على الدكتور ويلسون إذاً أن يدخل كلمة الحب مرة أخرى إلى اللغة الجينية.
قام فريق الدكتور ويلسون بتدريب وإعداد الفيروسات الموضوع فيها هذه الكلمة الجديدة، وكانت الفيروسات في برادات مجهزة للانطلاق في إصلاح خلل الكلمة الجينية السيئةف وآثارها الضارة، وإن المرء يهوي في جهنم سبعين خريفاً لكلمة لا يقيم لها بالاً.
في الليلة السابقة لنقل العصارة الرائعة، تم إغراق الخلايا الكبدية بالفيروسات المقلوبة، وفي الصباح الباكر تم غسل الخلايا من جديد، من بقايا أغلفة الفيروسات المكسرة والتي انتقلت مادتها الجينية الآن إلى نواة الخلايا الكبدية، أصبحت الخلايا وقد تم التلاعب بالمكونات الوراثية فيها، ويبقى أمامهم وضعها في نابذ مركزي يدور بسرعة تزيد عن ألف دورة في الدقيقة، حتى يتم طرد الخلايا الثقيلة إلى المحيط، وأخذهم بالتالي في خلاصة بنية اللون للحقن.
تَمَّ حقن المريضة فرانسين ثلاث مرات كل مرة بحوالي مليار خلية مُعَدَّلة الجينات، على أمل استقرار الخلايا الجديدة في النسيج الكبدي وقيامها بدورها الحيوي في تكسير بللورات الكولسترول الخطيرة في الدوران.
بقي أن نقول قبل خروج المريضة من المستشفى كانت تكاليف العملية قد وصلت إلى 75000 دولار أمريكي وقد نجحت العملية.