مراجعة كتاب العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري

لطالما شغل تاريخ الجنس البشري العقول والأذهان، وظل دائما محل أسئلة وإشكاليات لا حصر لها بين آراء وفرضيات متضاربة. ولا شك أنك ستكون أنت أيضا ترغب بمعرفة خبايا الرحلة العظيمة التي مر بها الجنس البشري ليصبح المسيطر الوحيد والمهيمن على هذه الأرض.

يكشف لنا يوفال خبايا الرحلة التي مر بها البشر والأسلاف على هذه الأرض، انطلاقا مما أسماه بالثورة الذهنية، فقبل 13.5 مليار سنة -رجوعا إلى كتاب تأملات عن تطور ذكاء الإنسان يقول ساغان أنها 14 مليار سنة- بدأ ما يسمى بالانفجار العظيم، وهنا بدأت الحكاية وبدأت الملامح الأساسية للفيزياء.

بعد ظهورها بـ 300 ألف سنة بدأت المادة والطاقة بالالتحام لتشكل الذرات، واتحدت لتكوين الجزيئات وقبل 3.8 مليار سنة اندمجت جزيئات معينة على كوكب الأرض لتشكل بنيات معقدة وتسمى “المتعضيات” في علم البيولوجيا، ويذكر المؤلف أنه قبل 70.000 عام تقريبا بدأت متعضيات تنتمي لنوع الإنسان العاقل homo sapiens لتشكل الثقافات، نتحدث هنا عن الثورة الذهنية.

هذه البداية التي استهل بها الكاتب هي -ربما- أفكار قد تجدها في أحد الكتب العلمية مع تغييرات طفيفة لكن المعلومة ثابتة، والجميل أن المؤلف فصل القول في أن كُلا من الثورة الذهنية والثورة الزراعية التي تَلتها، والثورة العلمية بعدهما أثروا بشكل كبير في البشر، على اعتبار أنهم في البداية لم يكن لديهم أدنى فكرة عن سلالتهم، هل ستمشي يوما على القمر وتشطر الذرة وتسبر أغوار الشفرة الذهنية.

كيف حصل هذا؟
كان البشر في الماضي السحيق غير مميزين عن الحيوانات الأخرى، لكن الإنسان العاقل الآن أصبح يعتبر نفسه منفصلا عن باقي الحيوانات ويتيما، لكن سواء رضي الإنسان بذلك أم لا فهو ضمنيا ينتمي لفصيلة تدعى great apes، وتعتبر الغوريلات والشمبانز أقرب الأحياء للبشر.

تطور الانسان أول مرة في شرق افريقيا قبل 2،5 مليون سنة وتطور بعد ذلك في اتجاهات مختلفة ليصل إلى الإنسان العاقل homo sapiens، هذا الأخير الذي ظل متيما بذكائه العالي هذا مع العلم أن الأدمغة الكبيرة والقدرة على التعلم كانت صفة للبشر الذين عاشوا قبل مليوني سنة، هذا الذكاء جلب عدة امتيازات كان من بينها ترويض النار التي استخدمها البشر قبل 800.000 سنة.

يذكر الكاتب أيضا تعداد أنواع البشري الذي لا يتجاوز مليوني نسمة، والذين انتشروا من شرق آسيا إلى شبه الجزيرة العربية وهذا التوسع والانتشار سيكون راجعا إما لنظرية التهجين؛ أي علاقات جنسية وامتزاج، وإما لنظرية الإحلال، ومحورها الاختلاف والنفور، ووفقا لهذه النظرية فإن العقلاء وباقي أنواع البشر كانت لهم اختلافات تشريحية وعادات تزواج مختلفة، ووفقا لهذا فإن جميع البشر يمكن إرجاعهم حصريا لشرق أفريقيا قبل 70.000 سنة؛ أي أن كل واحد منا هو عاقل نقي، لكن داروين أشار إلى أن الإنسان العاقل هو مجرد نوع آخر من الحيوانات، لكن السؤال المطروح: كيف استطاع الإنسان العاقل غزو العالم بهذه المواصفات البسيطة؟

سنتحدث هنا بالطبع عن القدرة الذهنية التي تمتع بها الإنسان العاقل قبل 70.000 سنة وقد كان يتمتع بذكاء وإبداع وحساسية، وحول استخدام نوع جديد من اللغة، التي اعتبرت صدفة بحتة، لكن المهم هو معرفة نتائج هذه الطفرة الجينية. نذكر هنا أن كل حيوان له نوع خاص من اللغة، لكن لغة الإنسان العاقل كانت مطاوعة وتطورت كوسيلة لتبادل المعلومات، وفي خضم هذه المرحلة ظهرت الأساطير، والخرافات، والآلهة والأديان وتمكن الإنسان العاقل من الحديث عن الخيال ونسج أساطير شائعة، وهي الميزة المتفردة أو ما يطلق عليه لغة العقلاء. وقد ساعدت هذه الثورة في تشكيل مجموعات أكبر وأكثر استقرارا، وأصبح الإنسان قادرا على تشكيل مدن وإمبراطوريات، وتمكن من تجاوز الجينوم واستطاع نقل سلوكياته إلى الأجيال المستقبلية دون حاجة لتغيير جيني، واشتغل بالتجارة والصيد خلافا لكل الأنواع الأخرى.

وتشكل هذه الثورة الذهنية اللحظة الزمنية التي أعلن فيها التاريخ استقلاله عن علم البيولوجيا. والسؤال هنا عن نوعية النشاطات التي كان يزاولها الإنسان حين يستيقظ صباحا ونوعية الأكل، وهل كانت هناك مراسم وظوابط أخلاقية ومنافسات رياضية؟ للإجابة عن هاته الأسئلة وغيرها يجب أن ننفذ لعقول أسلافنا، فالعديد من الخصائص الاجتماعية تشكلت قبل عصر النهضة، يقول الأستاذ كارل ساغان في كتابه تأملات عن تطور حياة الإنسان: أن البشرية عاشت أغلب تاريخها بأسلوب الصيد، والبشر حين تخلى عن هذا النمط فقد تخلى عن طفولته، لكن عموما بقيت الجدالات حامية الوطيس حول نمط الحياة الطبيعي للإنسان العاقل.

نذكر هنا أن نظام البشر الغذائي لمئات السنين كان جيدا ومتنوعا وكانوا أقل عرضة للمعاناة عند غياب مصدر من مصادر الغذاء، لكنهم كانوا غير محصنين جيدا تجاه الكوارث الطبيعية والحرائق والزلازل، لكن ماذا عن حياتهم الروحانية؟

لا يمكننا إجراء أي محاولة لوصف تفاصيل الروحانية الغابرة؛ لأنها ستكون افتراضية لكن الكاتب يستدل ببعض الأمثلة لوصف تقريب.

يتساءل الكاتب أيضا حول دور الحرب في هذه المجتمعات، فهل كان الإنسان العاقل عنيفا ووحشيا أم مسالما؟ وجوابا على هذا يقول الأستاذ يوفال أن هناك مناطقا وقارات نعمت بالسلام والرخاء، ومناطق أخرى ارتفعت فيها معدلات العنف بشكل وحشي.

يتساءل يوفال أيضا كيف أعاد “الجامعون” كما يصفهم إعادة تشكيل بنية هذا الكوكب وتعلم بناء المراكب العابرة، واعتبره تحولا غير مسبوق في مقدرات البشر وأنماط حياتهم، وتمكن الإنسان العاقل من الوصول إلى الأراضي الأسترالية وكانت هذه اللحظة التي وطأت فيها قدم أول صياد جامع شاطئ أستراليا هي اللحظة التي تسلق فيها الإنسان العاقل الحلقة الأعلى في سلسلة الغذاء ليصبح بذلك النوع الأخطر في تاريخ كوكب الأرض، فبعد وصول العاقل لهذه الأراضي انقرض ما يقارب 23 نوعا من أصل 24 نوعا من الحيوانات الأسترالية، فهل كان للإنسان العاقل يد في هذا؟ وهل هو مذنب في التهمة الموجهة إليه؟

لا يمكن تبريء الإنسان العاقل، فلولا وصوله إلى الأراضي الأسترالية وما حولها لكانت الكناغر الضخمة والأنواع النادرة من الأسود والتنانين والأفاعي ذوات السبع أقدام مازالت تستوطن الأراضي الأسترالية، لكن المناخ أيضا له دور بسيط في هذا الانقراض، ويمكننا القول بأن الإنسان العاقل دفع حوالي نصف حيوانات الكوكب إلى الانقراض -قبل اختراع الكتابة والعجلة والأدوات الحديدية بزمن طويل-، وقد اعتبرت الثورة الزراعية بمثابة قفزة نوعية في التاريخ البشري وساهمت بشكل كبير في تدعيم قوة العقل البشري، لكن سلبياتها كانت أكبر من ميزاتها، ذلك أن العنف سيطر على المجتمعات الزراعية البسيطة. وعلى مر الزمان، تمت السيطرة على هذا العنف بتطور أوسع للمدن والمماليك والدول، ولا ننسى كذلك أن الثورة الزراعية كانت مأساة فظيعة بالنسبة لأغلبية الحيوانات، وفرصة كبيرة لإنشاء مدن مكتظة وإمبراطوريات قوية، وكان الخيال البشري يبني شبكات مذهلة من التعاون الجماعي كما لم يحدث من قبل على وجه الأرض (قانون حمورابي 1976 وإعلان الاستقلال الأمريكي 1776).

لكن كيف استطاع الناس إدراك أن النظام المتخيل الذي يدير حياتهم موجود فقط في الخيال أولا؟ (لأن النظام المتخيل مدمج في العالم المادي -النظام المتخيل نظام جمعي- النظام المتخيل يشكل رغباتنا).

نرجع لنقطة أخرى مهمة هي أن بداية المجتمعات المعقدة فجر الثورة الزراعية ظهر نوع مختلف من المعلومات والبيانات الحسابية كان من اللازم استيعابها، لكن العقل البشري عجز عن ذلك واستطاع السومريون تحرير نظامهم الاجتماعي وفتحوا الطريق لظهور المماليك والإمبراطوريات. سمي نظام المعالجة هذا بالكتابة، بداية بالإشارات المادية ودمج نوعين من الإشارات، ومثلت الأرقام نوعا واحدا من تلك الإشارات، واكتشف البشر بعدها أنهم بحاجة لتدوين أمور أخرى غير البيانات الحسابية، وظهرت الكتابة المسمارية لكتابة الرسائل الشخصية، وبعدها الكتابة الهيروغليفية وبدأ نظام الكتابة الكلية (الشعر وكتب التاريخ وقصص الحب والدراما وكتب الطبخ…الخ). بدأت رحلة الكتابة من هنا، لكن مع ذلك ظلت وظيفة الكتابة الأولى هي الاحتفاظ بالبيانات الحسابية، ومع مرور الوقت تطورت طرق معالجة البيانات وتم اختراع نظام جزئي جديد وهو لغة الأرقام، هناك بلا شك مجموعة من الأقوال المتضاربة حول من اخترع لغة الأرقام بين العرب والهندوس.

وبالرجوع لتلك الأنظمة المتخيلة فقد كان لها تأثير سلبي؛ حيث عانت الطبقة الفقيرة من القمع والتمييز وقد أدت حلقة مفرغة في إطالة التراتبية العنصرية في أمريكا المعاصرة ألا وهي استيراد العبيد الأفارقة. كانت أفريقيا آنذاك معروفة بتجارة العبيد، ويمكننا أن نفهم أن هذه الأحداث حولت نسخ الخيال إلى هياكل اجتماعية قاسية، لكن هل خضع الجنس أيضا لمعايير تراتبية؟ الجواب هو نعم، اعتبرت تراتبية الجنس ذات أهمية قصوى في جميع المجتمعات البشرية، فقسم البشر أنفسهم لرجال ونساء وبالطبع حصل الرجل على الصفة الأفضل واعتبرت معظم المجتمعات البشرية مجتمعات رجولية أبوية منحت للرجال قيمة على النساء، لكن السؤال المطروح: لماذا اعتبر الرجل دائما أفضل من المرأة؟ نتحدث هنا عن القوة البدنية؛ حيث تم استبعاد المرأة دائما من الوظائف التي تتطلب مجهودا أقل (سياسة وقانون) وتم حصرها في العمل اليدوي الشاق (حرف منزلية وأعمال يدوية شاقة)، وتبقى التراتبية الاجتماعية الأكثر تأثيرا والأكثر استقرارا في التاريخ هي التراتبية بناء على قدرة الرجال البدنية وأركز على “بدنية” في إخضاع النساء، ولذلك ظل الرجل على مر التاريخ الأكثر اندفاعا للانخراط في الحروب نظرا للنزعة العدوانية والعنيفة التي يتمتعون بها.

بعد هذا كله يمكن القول إن المجتمعات البشرية تمكنت من خلق بنية معقدة سميت لاحقا بالثقافة، وتمكن الإنسان العاقل من التعاون والاتحاد مع الغرباء كان النظام العالمي الأول اقتصاديا: النظام النقدي، والنظام العالمي الثاني كان سياسيا، أما النظام العالمي الثالث فقد كان دينيا: نظام الديانات العالمية كالبوذية والمسيحية والإسلامية.

ولتحقيق رؤية عالمية كان لا بد من المال فبدأ البشر أولا بالمقايضة وتبادل السلع، وبعدها تمكن المسيحيون من إصدار عملات ذهبية وفضية التي ساهمت في ظهور شبكات تجارية معقدة وأيضا اعتبر نظام الثقة الوحيد الذي أنشأه البشر والذي لا يميز بين العرق والسن أو الميول الجنسية.

وفي نفس الإطار حول توحيد المجموعات العرقية والمناطق البيئية الواحدة تحت مظلة سياسية واحدة، وجدت الإمبراطوريات ضالتها واعتبرت النظام السياسي الأكثر شيوعا، فبرزت كذلك إمبراطوريات الشر…وظل البشر منذ 200 سنة قبل الميلاد يعيشون تحت كنف الإمبراطوريات واعتبر الدين في الواقع الموحد الثالث للبشرية، إلى جانب المال والإمبراطوريات وكان الإسلام والبوذية هما الديانات الأشهر في التاريخ؛ والتي ساهمت بشكل كبير في توحيد الجنس البشري ومع مرور الوقت ابتعد الإنسان عن فكرة تعدد الآلهة وبدؤوا بالإيمان بالرب الواحد، ويناقش الأستاذ أيضا إشكالية الإنسانية باعتبارها صفة مشتركة بين جميع البشر وقد خضع لها الجميع أيضا.

انتقل الأستاذ للإجابة عن سؤال لماذا يدرس التاريخ؟ ربما نحن ندرس التاريخ لنعرف المستقبل لكن المهم أننا ندرسه لنوسع آفاقنا، لكن ليس هناك دليل على أن هذا التاريخ يعمل لصالح البشر، فهناك مجموعة خيارات واحتمالات لا تتحقق أبدا، فمن الممكن تخيل التاريخ مستمرا لأجيال بعد أجيال بدون الثورة العلمية وبدون الإمبراطورية الرومانية وبدون عملات ذهبية.

وبعد هذه الرحلة الأسطورية في خبايا الكتاب عن الثورة الذهنية والثورة الزراعية ومسار توحيد البشرية، انتقل الكاتب للحديث عن الثورة العلمية، استرسل الأستاذ يوفال من مجموعة وحدات بدأها باكتشاف الجهل ومحاولة البشر الحصول على قوى جديدة من خلال البحث المستمر لمعرفة الكون، وكانت الثورة العلمية ثورة جهل اكتشف فيها البشر أنهم لا يعرفون إجابة عن كل تلك الأسئلة التي تشغل بالهم، وكان البشر دوما على استعداد لاحتضان الجهل بدرجة أكبر وإيمانهم القوي بالتقنية وبطرق البحث العلمي، واقتنع البشر أن بامكانهم التغلب على أي مشكلة من خلال الحصول على المعرفة الحقيقية، لكن المشكلة التي كانت أكثر إزعاجا وتشويشا على البشر هي “الموت”، وبعد عدة تجارب وتساؤلات اقتنع البشر أن العلم ليس مشروعا يحدث على مستوى روحي أو أخلاقي أعلى من بقية الأنشطة البشرية، ورسخت فكرة حتمية الموت في أذان البشر، فركزوا على البحث العلمي وهم على علم تام أن هذا الأخير لن يتحقق إلا بتحالفه مع دين أو إديولوجية (نتحدث هنا عن الرأسمالية والإمبريالية)، وتمكنت أوروبا من السيطرة على العالم وهذا راجع للتفكير والتصرف بشكل علمي ورأسمالي، أما الطفرة التقنية فكان من السهل عليهم التعامل معها وتسخيرها أفضل من الآخرين، وكان الحدث الأبرز هو اكتشاف أمريكا وتمتع الأوروبيون بتحكم لا منازع له في أمريكا وأوقيانوسيا، ويذكر الكاتب أيضا أن صعود أوروبا وازدهارها لم يكن وراءه سوى العلم والإمبراطورية، لكن معقل الفرس كانت هي الرأسمالية وسعي رجال الأعمال إلى كسب المال.
فهل كان الهدف النهائي لهذه المشاريع هو المال فقط؟

يستعمل الأستاذ يوفال هنا لغة اقتصادية صرفة، فالاقتصاد يلتهم كل شيء وينمو بطريقة جنونية، في السابق كان الاقتصاد جامدا وظلت البشرية حبيسة هذا المأزق، لسنوات عدة لكن اكتشاف الائتمان كان مثل المنقذ وهو نظام جديد قائم على الثقة. عموما فقد أصبحت الرأسمالية العقيدة الحقيقية للاقتصاد، ولعبت دورا أساسيا وحاسما في نهضة العلوم الحديثة وتطويرها وفي ظهور الإمبريالية الأوروبية في خضم هذه الأحداث تطورت الأسواق الحرة وتم إعطاؤها الحرية الكاملة للتصرف، وكان لها طبعا مجموعة آثار سلبية من أبرزها الجشع والتوزيع غير العادل للثروات.

ويناقش الكاتب أيضا أن ثقة البشر في المستقبل ورغبة الرأسماليين في إعادة استثمار المال ليس كافيا؛ لأنه عاجلا أو آجلا ستنفذ كل الطاقات والمواد الخام الموجودة على كوكب الأرض، ولذلك كان لزاما تحريك دورة الصناعة وتم هذا عن طريق تحويل الطاقة، وكانت النتيجة ثورة في الإنتاجية البشرية ولأول مرة في التاريخ يفوق العرض الطلب، وأصبح نقاش النزعة الاستهلاكية يلوح في الأفق.

وعموما، اعتبرت الثورة الصناعية طريقا جديدا لتحويل الطاقة وإنتاج السلع وتحرير البشرية إلى حد كبير من الاعتماد على النظام البيئي المحيط، لكن البشر دمروا الطبيعة أو كما يقول يوفال “غيروا الطبيعة”، وكان للثورة الصناعية العديد من التقلبات من أبرزها تفكك النظام الأبوي، ويناقش الكاتب كذلك في مراحل متقدمة من الكتاب مسألة جد هامة وهي حساب السعادة لدى البشر، وهي التي لطالما شغلت بال العلماء والمفكرين والفلاسفة ويوزع العلماء استبيانات الرفاهية الذاتية ويربطون نتائجها بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية كالمال والحرية السياسية، ويستخدم علماء الأحياء العوامل الكيميائية والوراثية، يستدل الأستاذ يوفال برواية 1985 لجورج أورويل لتوضيح مسألة السعادة بشكل أوضح لكن التحليل يبقى نسبيا إلى حد ما.

ويطرح الكاتب تساؤلا: هل تعتمد السعادة فعلا على خداع الذات؟ لكن الجواب يبقى قاصرا واعتبر يوفال هذه الثغرة هي الأكبر في فهم التاريخ.

وفي نهاية هذا الكتاب الشيق ناقش الأستاذ يوفال نهاية الإنسان العاقل بعد كل هذه الرحلة الشاقة التي سلكها، فمن الممكن أن تؤدي الوتيرة التقنية إلى استبدال الإنسان العاقل بكائنات مختلفة تماما لا تمتلك عوالم معرفية فحسب بل عوالم عاطفية أيضا.

ماذا نريد أن نريد؟ هذا السؤال طرحه الأستاذ يوفال في نهاية الكتاب باعتباره السؤال الحقيقي الذي يواجهنا، وترك المجال للإجابة عنه مفتوحا.

وفي آخر فصول الكتاب: الحيوان الذي أصبح إلها، اعتبر الأستاذ يوفال الإنسان العاقل الذي تغلب على كافة الأنواع وبقي صامدا ولم يقف عند رغبته في الاستحواذ على الشباب الخالد بل على القدرات الإلهية للخلق والتدمير.
وفي الأخير يعتبر الأستاذ يوفال الإنسان العاقل إلها غير راض عن نفسه ولا يعرف ما يريد.

صراحة أخجل من الإدلاء برأيي البسيط في الكتب التي أقرأها، ولكن عموما، هذا الكتاب الدسم كما وكيفا، لا يسعني إلا أن أقول فيه أن كل راغب في المعرفة والرؤية الواضحة عن تاريخ الجنس البشري فهذا الكتاب موجه لك، استغرقت في قراءته مدة شهر بمعدل قرائتين باللغتين الفرنسية والعربية، وحاولت قدر الإمكان إيجاز الأفكار الكبرى مع أن هذا إجحاف في حق هذا الكتاب، لكن كان لزاما علي عدم الإطالة، ولقد اعتمدت في مراجعتي اللغة العربية لتكون أكثر إفادة لشريحة أكبر واعتمدت ثلاثة مراجع علمية لمقارنة المعلومات: “الجين سيدهارتا موكرجي” و “تأملات عن تطور ذكاء الإنسان لكارل ساغان” و”أصل الانواع لتشارلز داروين”

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أقول إن هذا الكتاب ينصح بقراءته لكل مهتم بتاريخ الجنس البشري.

الكاتب: يوفال نوح هراري.
ترجمة: حسين العبري / صالح بن علي الفلاحي.