من الفج العميق إلى البيت العتيق (الجزء الاول)

بينما تمضي في مناسك الحج، تبتعد رويدا رويدا عن نفسك، عن ضعفك، عن سلبيتك، عن سطحيتك، عن تسرعك، عن قلة صبرك، عن كبريائك، عن حدودك التي وضعتها بنفسك لنفسك. الحج أكبر من أن يعتبر محطة لغسل الذنوب تبقى حكرا على من بلغ به الكبر عتيا، الحج هو الفريضة الوحيدة التي وجبت مرة واحدة في العمر، لأنه زاد للعمر كله، الحج يجعلك تعيش الكثير من التجارب والتحديات العميقة جدا في أيام معدودات وأمكنة معلومات، الحج مدرسة…دروسه تقوم الحياة، توجه القلوب، تضبط النفوس وتمتحن أعلى درجات صبرك واحتمالك وعطائك.

الحج يصهر معادنك التي عاشت لمدة طويلة في مرحلة تشكلها الأولية دون تحول، يضعها تحت الضغط لمدة وجيزة فتتحول لمعادن أنفس وتتحول بعدها أنت، الحج ارتقاء للروح وتذكير لها بامتداداتها السماوية، الحج سفر أفقيٌّ جغرافياًّ عمودي متعالٍ روحياً ينقلك من فجك العميق إلى البيت العتيق، الحج…الرحلة ما قبل الأخيرة.

درس الإحرام

الحج تجربة فريدة وجديدة ومختلفة عن كل ما عشته من قبل، وسفر غير الذي عزمت عليه من قبل، وكأي سفر لا بد من عدة واستعداد، غير أن الاستعداد للحج راق برقي العبادة وفريد بتفردها. أول مراحل الحج هو الإحرام وهو نية الدخول في النسك بحيث يحظر على الحاج بعدها مجموعة من المباحات. عندما تحرم فانت تدخل في سلام تام مع ذاتك ومع محيطك فيسلم من آذاك كل انس وجماد قولا وفعلا، عندما تحرم تتجنب لبس المخيط –للرجال-، تتجنب الرفث والأخذ من اظافرك وشعر جسمك، تتجنب التطيب، يحرم عليك قتل الصيد وإفساد الزرع، عندما تحرم تتعاهد على ألا ترفث ولا تفسق ولا تجادل، فلا الزمان ولا المكان ولا المدة تسمح بذلك، عندما تحرم تعلن أنك العبد الذليل المنصاع لأوامر الله.

تذكرك قطعتا الثوب الأبيض بمآلك الأخير فتستحضر بشكل دائم تلك اللحظات الأخيرة و تعمل على ردع نفسك و تقويمها باستمرار، عندما تحرم تستغني عن كل زينة تبعدك عن ذاتك الحقيقة فتتصالح مع جسدك و تتصالح مع نفسك بمحاسنها وعيوبها، بمرضها وصحتها، بهوانها وقوتها، أنت في حالة تجرد من الأقنعة التي تحيط نفسك بها منذ استيقاظك في أيامك الروتينية من قبل، أنت في حالة ابتعاد عن قيود المظاهر والأنا والرياء والمباهاة، بإحرامك يذوب مفهوم الأنا وتتحد ال’نحن’، فالكل هنا سواسية، وفي أرض الميقات حيث يحرم الحجاج يدفن الكل أنانيته و حبه لذاته و استعلاءه بها، عند الميقات تذوب الأنساب و الأحساب و القبلية و لا يبقى الا صوت ال’نحن’ فتتذوق أكثر معنى كلمة أمة، المعنى الذي تلاشى من حياتنا.

في الإحرام عودة للطبيعة والكثير من البساطة التي لوثتها المادية والاستهلاكية من قبل، أيحدث لك أن تشتاق لإنسانيتك وسط زحام روتينك اليومي؟ كذلك تذكرك محطة الإحرام أنك إنسان يميل إلى البساطة بطبعه لولا سطوة مظاهر التقدم والمدنية وزيفها، في الإحرام تركيز على الجوهر وتدريب على لبس البسيط من الثياب الذي يفي بدوره وهو الستر أساسا، فتعاهد نفسك ألا تستعمله لزينة مبالغ فيها أو لرياء أو لمحاولة تميز محشوة بكبرياء، فنحن أحيانا نولي الشكل اهتماما قد يشغلنا عن تزيين الأساس الذي إذا فسد ما نفعت معه زينة.

درس الطواف

تقبل بعد إحرامك على مكة مشتاقا، مستسلما، ملبيا وقد تركت وراءك كل ما يمكن أن يثقل روحك من ترسبات أفسدت فطرتك وتصنعا دائما لشخصية غير التي جبلت عليها وأخلاقا غير التي ترجوها ونفسا غير نفسك. في أول دخول لمكة تنتابك رهبة لم تشهدها في مكان غيرها وقدسية عجيبة تسمو معها في جو روحاني نقي يعم المكان، مكة بجبالها المترامية القوية وجوها الصحراوي الحار تبدو لك قاسية عند أول وهلة، فمكة تقع في موقع من أصعب التكوينات الجيولوجية حيث أن أغلب صخورها غرانيتية شديدة الصلابة. استنشاق هوائها يجعلك تستحضر كل ما قراته و تربيت عليه و سمعت عنه فتتهاوى على ذاكرتك الصور و الكلمات مكة، قريش، إبراهيم، إسماعيل، محمد، الدعوة، الجاهلية، أصنام مكة، أبرهة، الصحابة، الهجرة، الغزوات… في خضم العرض المستمر و المتتالي لكل تلك الصور و الكلمات لا تصدق أنك في مكة فينتابك مزيج من الشوق و الفرح و الحزن و الحنين و الخوف و الرهبة، فتتذكر مع كل ذلك ما عاناه المصطفى عليه الصلاة و السلام و ما قاساه من رفض و ظلم و أذى، كيف استطاع حبيبنا مواجهة هذه الظروف المناخية القاسية وعقولا استمدت تحجرها من الجبال المحيطة بها؟ من أين استمد القوة ليعلن عن رسالته في بيئة تجذرت فيها الوثنية والقبلية منذ آلاف السنين؟ كيف وصل إلينا كل ذلك النور والحب والارتواء من واد غير ذي زرع؟.

ينقلك الشوق والواجب لأداء طواف القدوم وأنت في غمرة عدم تصديقك أنك بصدد رؤية أول بيت وضع للناس، تراه فعلا فتنسى نفسك والدنيا من حولك وتحس الكعبة تستقبلك ضاحكة مستبشرة، هناك حيث الخشوع وجبر الخاطر والرضا والصفح والسلام وكل معنى جميل، تتساءل مع رؤيتك للكعبة كيف ضلت ثابتة بحفظ المولى لم تندثر من أثر سيل ولا من سطوة قبيلة ولا من تسلط جبار، ففي كل مرة يحفظها الله بحفظه فيرسل لها من يجددها كلما تصدعت أوهدمت وذلك من لدن آدم الى الآن. تتذكر أنك في ضيافة الرحمن فتزداد طمأنينة وينطلق لسانك ملبيا داعيا موقنا بالإجابة موقنا بقربه بشكل لم تحسه من قبل، أمام مشهدها المهيب السالب للعقول والأرواح تبدأ طوافك.

يعلمك الطواف أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وأن التدرج في كل شيء يحقق المراد. تبدأ شوطك الأول مكتشفا لموضع قدمك، لأركان الكعبة، لمقام إبراهيم، لحجر إسماعيل، للناس حولك، قد تتضايق من تصرف البعض وتدافعهم وتعاملهم البعيد عن عظمة المقام..الزم واصبر وتجاوز فهذا درس تدريبي في حد ذاته، املك اعصابك واصبر على الزحام وعلى كل أذى قد يلحق بك من إخوانك، وتذكر أن الحج بكل أركانه دروس وتمحيص و بلو لأعمق ما فيك من خير، فالعبرة بتتبع العلامات و فهم الدروس ثم النجاح في الامتحان و إلا فكيف سيغير فيك الحج؟ وتذكر أنك لا تطوف وحدك فأنت تذوب وسط الجموع وراغبا كنت أو كارها تقترب منهم وكأن شرط قربك منه سبحانه هو قربك بالناس والاحتكاك بهم فالمؤمن الذي يخالط الناس ويعينهم ويصبر على أذاهم أحب الى الله ممن يعتزلهم وينظر إليهم من وراء زجاج التكبر والأنانية والتمحور حول الذات، فما قيمتك بتمحورك حول ذاتك دون بصمة في عقول وقلوب من حولك؟

بعد ان تتدرب على ذلك، سلم قلبك للحجر الأسود وأكمل الطواف وتذكر أنك تدور عكس عقارب الساعة، وفي ذلك تذكير لك بضرورة الالتفات خلفك أحيانا وأنت سائر في طريقك لتستلهم من دروس ماضيك وإنجازاتك وأخطاءك ومواطن ضعفك فتقف وقفة مع نفسك لتتوب على ما فات وتطلب الإعانة على التوفيق والسداد والهداية فيما هو آت، فالوقفات التقييمية والتصحيحية تعتبر من أهم الأدوات المعتمدة في تطوير نظم الإدارة في الشركات والمصانع فما بالك بمسيرها فالإنسان أولى بتقييم وتصحيح ذاته ومساره قبل أن يقَيِّم ويصحح ما يديره.

الطواف حركة دائرية مستمرة، التغيير الذي ستحس به هو نتاج استمرار طوافك وليس بوصولك لآخر شوط، تستحضر إذا أن العبرة والدروس والمشاعر والنجاحات كلها متجسدة في الطريق لا بنقطة النهاية فالعبرة بالحركة لا بالوصول.

في الطواف استسلام وامتنان لكل من ساهمت يده في حفظ البيت حتى يكتب لك زيارته، في الطواف لا تبرح خيالك قصة إبراهيم فتختم طوافك مصليا بمقامه وتتذكر الدرس الرائع الذي علمنا معنى التوكل على الله والثقة به والذي تعززه في قلوبنا هاجرعليها السلام، هاجر التي سعت بين الصفا والمروة توكُّلا لا اتكالا بحثا عن مَخْرَج لها ولابنها، هاجر التي سعت وقلبها موقن بعطايا الرحمن وعقلها وجسدها يعمل للبحث عن الأسباب فعلمتنا الربط بين الاثنين، بين حسن التوكل والثقة بالله والعمل والأخذ بالأسباب. فحسن الظن بالله ليس بالأمر السهل وخصوصا في مكان مقفر غير ذي زرع وغير مأهول، الأمر يتطلب أساسا متينا للقيام بكل ذلك والنجاح في امتحان التوكل. في سعيك ربما ينتابك التعب فسرعان ما ترى صورة هاجر تهرول و هي المرأة و الأم و الزوجة المتخلى عنها تعطي درسا لكل نساء العالم بأن لكل منهن قدرات و قوة كافية لإتمام المسير و أنها لا يجب أن تنتظر أحدا لتكتمل فهي مكتملة بإيمانها و إدراكها و عملها، هاجر أعطت درسا للنساء و الرجال معا في الصبر و الأمل و التفاؤل المنقطع النظير المرافق للسعي و العمل و الذي لا يمكن أن يذهب سدى و كانت النتيجة “زم زم “النتيجة المباركة لمعادلة جمعت بين الصبر و العمل و الإيثار و الإيمان و الرضا و التفاؤل، و لا زالت هذه سنة الحياة و في عصرنا هذا لا نسمع عن نجاح الا وصفوا لنا نفس المعادلة لتحقيقه.

ثم تحلق بعد آخر شوط حلقا متخففا به من أولى أثقالك وأغلالك التي ستتحرر منها شيئا فشيئا وأنت ماض فيما تبقى من المناسك.

مقالات مرتبطة

درس منى

بعد مرورك بالواد الذي تتوسطه الكعبة يحتضنك واد منى، فهي أيضا واد تحيط به الجبال، وكأنك تنتقل من حضن الكعبة إلى حضن منى وأنت الجديد العهد بهذه العظمة وهذه المناسك وهذه الهيبة ينتابك شيء من الذهول فتحتاج أن تكون في موقع شبيه بالحضن الذي يشجعك ويكون لك سلوى على العظمة والتجربة الروحانية الفريدة الذي لم تعهدها بعد.

منى تُعْرَف بموضع مبيت الحجاج في يوم التروية وهو أول أيام الحج وموضع مبيتهم يوم عيد الأضحى وأيام التشريق، المسافة بين المسجد الحرام ومشعر منى تزيد عن ستة كيلومترات وربما لا يتوفر للجميع نقل يسهل مسيرهم، فتجد نفسك تمشي في خشوع نحو موضع لم تطأه قدامك من قبل، كل ما تعرفه عنه هو تلك الصور التي شاهدتها من فوق في يوم ما أمام شاشة التلفاز. الآن أنت تخطو إلى منى وتراها بوجه أخر، تراها عن قرب، خيم بيضاء لم ترض غير لون الإحرام كسوة، وقد اجتمع في كل خيمة منها العشرات من الحجاج. يذكرك منظرهم وهم بين غاد و رائح و ذاكر و قائم و قاعد وسائل ومتسائل وباحث عن طعامه أو شرابه وذلك الاكتظاظ الذي يطبع الكثير من الخيام، بأجواء مخيمات اللاجئين فتستحضر تعبهم و جهادهم اليومي و انعدام استقرارهم و صبرهم و تتساءل كيف يمضون أيامهم و لياليهم بين حر لاهب و برد قارس و انت الذي لم تستوعب بعد أنك ستظل في هذا المكان ليوم و ليلة كاملتين بعيدا عما تعودت عليه من راحة واستقلالية لأغراضك ولوازم نظافتك و سلامتك و شاحن هاتفك وإليكترونياتك و نظام وقتك المختار أو المفروض عليك، في منى أنت تعيش حرفيا كأنك لاجئ لكن لجوئك في أرض مباركة يهون عليك الأمر فتسعد بكل ثانية تمر عليك هنا و تستحي من الله أنك لم تحمده حق حمده على نعم من دوامها حسبت انك أوتيتها على علم، بيتك، قوت يومك، عملك، استقرارك، استقلاليتك ، راحتك، و نعم أخرى لا تعد و لا تحصى غالبا ما تنسى في دعائك الحمد عليها لتستعجل طلب المزيد.

في منى لا مجال لحضور ملهيات، الوقت كله بين يديك لتتفكر، لتذكر، لتعيد تقييم نظرتك لهذا الوقت نفسه وكم تحججنا بعدم وجوده ونحن من شحناه بما لا يبقي له قيمة فيتسلل من بين أيدينا ونندم على ضياعه. في منى تغرس فيك قيمة التسامح أكثر من أي وقت مضى حين تتقاسم نفس المحيط المحدود المساحة و ما تيسر من قوت و مساحة نوم مع أشخاص من جنسيات مختلفة، فتستحضر أن العالم أكبر مما كنت تتصور، فتقارن منجزاتك بمنجزاتهم، و ظروف عيشك بظروفهم، و طموحاتك بطموحاتهم، و نظرتك عن الإسلام و نظرتهم، فتحس بتوسع مداركك شيئا فشيئا متحررا من نظرتك المحدودة المدى المتمركزة فقط على اهتماماتك و محيطك الضيق فيبعث ذلك فيك شوقا للتعارف مع شعوب و قبائل أخرى فتخرج من ذلك الإطار الضيق جدا الذي وضعت به نفسك لسنوات و جعلت نفسك محور نفسها و لم تحقق آية الله في كونه أن” جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا”.

صحيح أن منى ليست بداية الرحلة لكنك تتعلم فيها درسا مهما جدا، ففي الحج عموما لا مجال لتثقل نفسك بأغراض كثيرة، الأصل أنك تحج ماشيا إلا لغير المستطيع وبالتالي فكل ثقل ستتحمل نتيجته تعب أكثر وتأثير غير مرغوب فيه ربما في أداءك للنسك. وأنت في مسيرك ستلاحظ أنك مضطر في كل لحظة أن تترك شيئا ما أقل ضرورة مما يجب عليك التزود به: الملابس فوق الحاجة، الأكل الكثير، الاكسسوارات والكماليات التي تعودت اصطحابها، والكثير من الأشياء الذي تعودت ألا تفارقك في حلك وترحالك. الأمر هنا مختلف، يجب أن تعيد في كل مرة تقييم حملك فتتحرر مما يضفي ثقلا ولا تترك إلا ذو قيمة أو دور أساسي. وهذا درس محوري إذا ما أسقطناه على حياتنا، فالحياة رحلة وسفر، فكلما تخففت من أحمالك أمكنك أن تقطع مسافات أبعد، والسؤال الذي يجب عليك في كل مرة طرحه هو ماذا تحمل وماذا تدع؟ السؤال يهم الأشياء و الأشخاص أيضا…فالسفر مع كل الأحمال لن ينتج عنه إلا دفع ثمن الوزن الزائد، ثم إن كثرة الأمور الزائدة عن حاجاتنا أمر نتج عن طريقة استهلاكنا التي أصبحت إلى حد ما موحدة بشكل مرعب، أصبحت تجعل من بيوتنا مستودعا لكماليات لا تكمل احتياجنا بقدر ما تشتت انتباهنا و تضيع أوقاتنا و تُفقِد بركة دخلنا، والمشكل أن الأمر لا يقتصر على الأشياء بل ينطبق على القلوب أحيانا فتصبح بدورها مستودعا لأشخاص أو مشاعر رفضنا رصها جانبا فاحتفظنا بذكراها حتى شغلت المكان و لم تترك مجالا لجديد يعمر مكانها و يجدد القلوب و يمحو عنها صدأ وترسبات الماضي…

منى تهييئ ليوم الحج الأكبر –يوم عرفات-، فسبحان الحكيم الذي علم إقبالنا مثقلين بترسبات السنين، بأخطاء الماضي وتعثرات الطريق فعلم أن دخولنا المباشر في يوم الحج الأكبر صعب على نفوسنا التي لم تتعود بعد على عظمة الموقف فيهيئ النفس لقربه في أكثر الأيام جلالا.

درس عرفات

ليلة عرفات تتجافى الجنوب عن المضاجع لا رهبا بل رغبا، رغبا في أطول مناجاة يمكن أن تمر عليك في حياتك، رغبا في قرب ربما لن تشهده مرة ثانية، رغبا في يوم طالما حلمت بوقوفه، رغبا في ان تحكي له عن كل شيء، رغبا في أن تطلب منه كل شيء، رغبا في استجابة ما صنفته من المستحيلات بتدبيرك القاصر، وغفران ما تستحي به من لقاءه.

يبزغ فجر يوم عرفات فتشد الرحال إليها، الخطى في هذا اليوم مختلفة عن الأيام الأخرى، الخطى أكثر إسراعا، ترى الناس فعلا شعثا، غبرا، رجالا، مهرولين سائرين إلى أرض عرفات كأنهم سائرون إليه وكأنه في انتظارهم، يتسابقون من يصل منهم فيلتقط أولى النفحات وهم من قال فيهم مخاطبا ملائكته” انظروا عبادي جاءوني شعثاً غبراً ضاحين، جاءوني من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عذابي ” رواه البيهقي.

شروق يوم عرفات يذكرك بالشروق الذي يلي ليلة القدر، شروق خاشع يحنو بأشعته برفق على ضيوف الرحمن وكأنه يبشرهم بما سيلقونه من عظيم العفو، فعلا لم أجد تشبيها أقرب ليوم عرفات من ليلة القدر، فنحن في ليلة القدر نتحرى ألا نضيع ثانية واحدة بين دعاء ورجاء ومناجاة وذكر وخشوع لا نشهده إلا نادرا وسط زحام الأيام وكذلك الأمر غير أن عرفات ليست ليلة بل يوما كاملا.

وأنت في غمرة عدم تصديقك بتوفيق الله لك أن كتب لك أن تطأ قدامك هذا المكان في هذا الوقت بالذات، تشهد جوارحك سكينة لم تشهد لها مثيلا كيف لا وأنت تستشعر القرب، كيف لا وقد وعدنا أنه دان منا مباه بنا ملائكته، ونحن المقصرون، الضالون المتعثرون باستمرار. تذكرك أصوات التلبية في كل مكان أنك فعلا تشهد يوم الحج الأكبر فتشمر وتَعِده سبحانه ألا ينقضي اليوم إلا وقد بذلت كل ما بوسعك ليتقبله منك، وتجتهد من بين كل العبادات في الدعاء، فأفضل الدعاء دعاء يوم عرفات.

إن فهم المعنى الحقيقي للدعاء من أعظم دروس الحج وهو يتجسد بشكل كبير يوم عرفات. لقد شب كل منا على هذا المفهوم، متى يطلب منا الآخرون الدعاء أو يذكروننا به؟ عندما نمر بأمر عصيب او عندما نسأل التوفيق والتيسير في أمر ما لأنفسنا ولغيرنا، قلصنا معناه في ذلك فحسب، لكن في عرفات نتعلم أن معنى الدعاء أشمل وأجل، في عرفات تتعلم أن الدعاء تعظيم له، أن الدعاء حمد وشكر، أن الدعاء رجاء، أن الدعاء تذكير لك بذُلِّك وعبوديتك وأنه لا توفيق إلا منه. الدعاء سند للأسباب المادية بحيث لا يقوم تحققها إلا به، إنه تذكير لك باحتياجك المستمر ليَدٍ تقوم زلاتك وتسندك عند ضعفك وترحمك عند ألمك وترأف بك عند توبتك وترشد عند حيرتك. الدعاء لقاء ومناجاة، الدعاء مخ العبادة، لم ينطقها رسولنا عليه الصلاة والسلام عبثا، إنه فعلا مخ العبادة لأن فيه أعظم تجسيد لصحة العقيدة وتحقيق للإيمان بجميع أركانه وتجل أيضا لمعنى الإحسان حين تدعوه وكأنك تراه موقنا بالإجابة، موقنا بأنه قريب يسمعك ويراك، فكيف تُغَلِّب أنانيتك على أطهر العبادات فلا تمحورها إلا سؤالا عن توفيق دنيوي شخصي فقط.

انتبه قبل أن تغرب شمس هذا اليوم، إنك أمام امتحان ليس بالهين ، أنت أمام امتحان اليقين و التوكل و التسليم و الإخلاص و حسن الظن به سبحانه، الأمر الذي لا يتحقق بركعات تؤديها و بالك مشغول بهم الرزق، أو بدعاء منمق الكلمات تدعوه بقلب لاه، أو بفرائض تؤديها من دون إدراك لمعانيها و مقاصدها، أو بشكل أعم الأمر لا يتحقق و أنت لم تخص بعد رحلة اكتشاف نفسك و اكتشاف الخالق الذي تناجيه، أنت في الحقيقة لم تقتطع يوما لتتأمل في عظمة الخلق من حولك، و لم تتحمل عناء البحث و التنقيب في تاريخك و دينك و سنة نبيك، بل اكتفيت مما تلقيته من عائلتك أو مدرستك أو تلفاز بيتك أو الشبكة العنكبوتية حاليا. تذكر أن كلا يلقنك وقد شكل ما يلقنك إياه بصبغة خاصة أضفاها عليه، المفروض أن تبحث أنت لكي تتجنب حالة الضياع وفقدان المعنى وربما التنكر لدينك في أسوء الحالات فيما بعد إذا فسد أساس البناء. عرفات تعلمك أن علاقتك به سبحانه وبرسالة نبيه لا تحتاج فيها واسطة، الأمر كله على عاتقك، ابحث، وتساءل واكتشف فما اكتشفته بنفسك من معلومات بعد عناء يتقرر أكثر عكس ما تلقنه تلقينا. هذا بالنسبة للمعلومات بشكل عام فما بالك بدينك الذي هو وجهة حياتك ودستور مسارك، ومنهجك ومرجعيتك. معرفات الله أمر جليل يتطلب منا جهدا أكبر مما نبذله الآن.

بعد درس امتد من طلوع الشمس الى غروبها، احرص ألا ترحل إلا وقلبك واثق مطمئن واثق بأنه استجاب وسيستجيب وغفر وسيغفر وتقبل وسيتقبل، فلا يغلب على ظنك غير ذلك حتى تنال العلامة الكاملة.

تترك مشعر عرفات وكأنك تفارق عزيزا طال وقت انتظاره، ولما لقيته لم تلبث إلا أن حل وقت الفراق، تمشي قدماك وقلبك يأبى الحراك من مكان ارتقت فيه الروح فعرفت وذاقت من القرب ما لم تذق من قبل.

تترك عرفات فرحا بما لقيت من الرضا و السكينة و القرب، روحك متأرجحة بين لذة المغفرة و ثقل المسؤولية، فأنت مقبل على ليلة صفيحتك فيها بيضاء، حاملا ثقل مسؤولية العهد الذي أمضيته ألاّ ترجع إلى ما كنت عليه، على أن تعود بنفَس جديد، برؤية جديدة، بأمل جديد، بإيمان أكثر نقاء، بإيمان أحسسته وجاهدت نفسك على ذلك ولم تلقنه سماعا بل انبعث من وجدانك و كأنك تعرف معنى الإسلام و الإيمان لأول مرة، أن تعود وأنت شخص أكثر عطاء، أكثر تسامحا، أكثر تحقيقا لميزان العمل و التوكل، أحرص على ألا تؤذي نفسك و غيرك، أسمى خلقا، أرق قلبا، أكثر خشية، أجمل ظنا…لائحة بنود العهد طويلة و أنت عاهدت عظيما.