هل العودة للصفر…هي فعلا صفر؟

عند بداية سنة جديدة ونهاية أخرى فائتة، أو عند ذكرى ميلادنا نتساءل ماذا حققنا؟ هل فعلا أصبحنا ما تمنيناه يوما؟ هل أصبحنا أكثر سعادة أم أقل؟ هل حسنا نظرتنا التفاؤليّة للحياة أم تساهلنا مع الصعوبات وجعلناها تتغلب علينا لتجعلنا كتلة من المشاعر المتجمدة وتغمرنا النظرة السوداوية للحياة؟ هل وقفنا لحظة واحدة مع ذواتنا لنرى إذا ما كنا راضين عن نمط العيش الذي اخترنا أن ننهجه؟

نلقي نظرة للوراء فيمر ذاك الشريط الذي أنتجناه لمدة سنة أو أكثر، فتتراءى أمامنا الكثير من الإخفاقات التي جعلتنا في كل مرة نعود للصفر، قد تتعدد أصفارنا، فهناك من يعود للصفر على المستوى الدراسي أو المهني أو الصحي وأيضا العلائقي، لكننا ننسى أن ذاك الصفر قبل أن يصبح صفرا، قد جعلنا نكتسب الكثير في خضم التجربة التي أوصلتنا له، اكتسبنا ربما أصدقاء أهدتهم لنا الحياة لنرى جمالها من زاوية أخرى، وربما جعلنا الصفر ندرك قيمة ذاتنا بعدما فقدناها في تلك العاصفة التي لم تهدأ، ربما نصبح أكثر خبرة في اختيار من نجعله رفيقا لدربنا، وربما نكتسب أسلوبا للتعامل مع كثرة الدروس والمواد وكيفية التعامل معها، ربما قد نصنع هدفا مهنيا أقوى مما سبق نبنيه على واقع أمتن، الأهم أننا لم نصبح صفرا كورقة بيضاء، لكننا أصبحا صفرا وقد جمعنا معلومات، وأساليب، ومهارات كافية لتأليف كتاب عن تلك التجربة وهذا هو جوهر الحياة والحيوية، أن نحول فشلنا إلى مجموعة تعليمات نكون نحن من نضع قوانيننا الخاصة ونحن من ننفذها.

من المؤكد أن كلا منا قد اختبر صفره في زاوية ما، ففي معركة الصفر وفي كل موجة وجع، يتلاشى منا شيء، نتخلى فيها عن حلم، يموت فينا هدف ظنناه جميلا، حتى أحاسيسنا لا تعود كما عهدناها، تصبح جافة وقاسية مع كل موجة جديدة، وبعد كل موجة وجب علينا أن لا ندعها تمر مرور الدمار، بل أن نغير مسارها، أن نُحيي حلُما فتيا، أن نعوض إحساس الفقد بالعطاء، باختصار أن نصارع الأمواج ونغير حالتنا من حالة مشاهدة ضعفنا إلى حالة المشاركة في صنع سيناريو لننتصر بأقل الخسائر الممكنة، وتكمن خطوتنا من جعل تلك النهاية نهاية لبداية أجدد، فلكل قصة بداية ونهاية، الأهم أن لا نبقى بلا قصة، أن نصنع أخرى جديدة وهكذا نستمر في المحاولة، والعمل، والسعي، والمثابرة إلى أن نجد ما يميزنا، وما قد خُلقنا من أجله ينتظرنا لنَنضَج حياتيا، فنستحق بلوغه متشبثين باليقين بالله وبـ “أن ليس للإنسان إلا ما سعى”، وأن لا نجعل من تلك الكمية الهائلة من المحاولات والإخفاقات تفقدنا توهجنا، وشغفنا وضوءنا الخاص، أن نسعى جاهدين في الحفاظ على ذاك النور الذي به نستمر ونكافح، سميه الأمل أو الشغف، سميه الإرادة أو العزيمة، سميه الإصرار أو الكفاح، سميه الهدف أو الحلم، لا يهم ما سميته، الأهم أن تتمسك به جيدا لأنه هو من سيساهم في وصولك لبرّ النجاح.

فالنجاح الأساسي ليس المادي والمجتمعي فقط، بل نجاحنا مع ذواتنا أولا قبل إضافة إنجاز ما للإنسانية هو جوهر وجودنا، فعظمة أهدافنا وأحلامنا تكمن في ترويض أنفسنا على الحب لا الكره، أعظم إنجازاتنا تكمن في البسمة التي نرسمها على محيانا لتنعكس مباشرة على كل ما حولنا، أن نبتسم كل الظروف، أن نحنو كل القساوة الموجودة، أن نتفاءل كل اليأس المحيط بنا، هنا تكمن عظمتنا كبشر، أن تبدأ بذاتك فهو جواب عن كل سؤال حول ماهيتك وماهية الوجود، أن تبحث في عمقك لتجد أنك صُـنعتَ من الرحمة لا من الفظاظة، صنعت من العدل لا من الظلم، صنعت من الطين لا من النار، فلا تُبلل طينتك فتجعل منها وحلاً تغرق فيه، في المقابل أيضا لا تُجففْها فتَجعلَ منها حجرا لا يحنو، فقد وصف القرآن بعض القلوب أنها أشد قسوة من الحجارة بل قد تجد الحجارة ذاتها معطاءةً للماء، فإذا ما سُـئلتُـم يوماً عن قسوة القلوب يكفي بلاغة قوله تعالى في سورة البقرة، الآية 74:

{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

لا تدع ألم الحياة وصفرها يجعلانك قاسيا، لا بأس به، دع ذاك الصفر يُجمّلـك، دع روحك تتشرب من إيجابياته لتتخذ من التفاؤل والعزم والعزيمة أسلحة ما عادتَ تخشى تلك الأصفار، بل أصبحت تستقبلها بخطط مدروسة عن طريق التجربة، كن صلبا أمام الظروف وكن مرنا ولا تكن قاسيا، وكن دائما في عمل، فعمل اللسان هو الذكر والدعاء، وعمل الجوارح هو الكدح والسعي، وعمل القلب هو اليقين والتضرع لله عز وجل، فلا تبقى بلا عمل فالأعمال تمحو الأصفار.