هل نستطيع معاندة القدر؟!

تقول إحدى القواعد الأربعين للعشق: “إن الماضي تفسير والمستقبل وهم، إن العالم لا يتحرك عبر الزمن وكأنه خط مستقيم، يمضي من الماضي إلى المستقبل، بل إن الزمن يتحرك من خلالنا وفي داخلنا”. تؤمن صديقتي أن أقدارنا توضع مع نفخ أرواحنا، قديمة هي قدم خلقنا، فكيف لنا أن نتباهى بقدراتنا على تغييرها وندندن دوماً بأننا خارقون للطبيعة!

في المسجد النبوي قابلتها مصادفة، كانت تجلس في سكينة تبكي من أعماقها وتتشح بملابس زاهية الألوان، باركت زواجها الذي علمت به متأخرة، فابتسمت في حزن وقالت إنها لم تعد متزوجة بعد الآن.



نزلت دمعة منها لم تكن تلك التي نذرفها حزناً بل ندماً، أخبرتني حكايتها، انتظرت عشرين عاماً كاملة من دون زواج؛ لأنها فقدت ذلك الحبيب عندما رفض أهلها هذا الارتباط غير المتكافئ كما كانوا يعتقدون، اندمجت في العمل وحققت مكانة عالية، لم تحلم بفستان زفافها ولا رسمت في خيالها ملامح أطفالها المفترضين بل أبقت حلمها في خزانة أسرارها بأن ترتبط بهذا الرجل تحديداً، وبعد عشرين عاماً كاملة قررت جعل حلمها واقعاً؛ كان الرجل قد تزوج وأنجب وأنشأ حياة أخرى ولكنهما افترضا أن هذه لحظة التقائهما معاً ولن يفوتاها مهما حدث، تزوجا وعاشا ربما عدة أشهر في سعادة ثم بدأت الهالات الوردية التي رسمتها عن هذا الحب تتحول إلى سحب ممطرة بل سيل جرف معه سنوات عمرها التي ضاعت سراباً.

قالت إنها اكتشفت أن من انتظرته طوال هذه المدة لم يكن إلا خيالاً، وأن هذا الرجل الذي تزوجته مؤخراً ما هو إلا مسخ من ذلك الذي قابلته وأحبته قبل عقدين من الزمن. أنهت كلامها في شجن واضح: “عاندت القدر وها هو الله يثبت لي أنني كنت مخطئة”..

توقفت عند ما قالته قليلاً وسألت نفسي وهل نستطيع معاندة القدر؟ نحن فقط نفعل ما نظنه صحيحاً في وقت معين، وقتها لا نملك صوراً وردية عن شيء ولا حتى عما نتمناه فقط نجرب، ثم نترك الحياة تمضي بنا ونرى ماذا ستكون الأقدار، تراجعت قليلاً وسألتها وهل كنت في قرارة نفسك ترفضين الزواج واستمرار حياتك رغم فرص جاءت إلى بابك أم كان الأمر متروكاً للصدف؟

مسحت دموعها وتمالكت نفسها قليلاً وقالت إنها كانت تقرر ذلك يومياً قبل نومهاً كانت تحلم به وتتمنى أن يكون حظها ونصيبها في هذه الدنيا أن يكون نصفها الآخر عن جدارة، حكت عن فرص عديدة للزواج من رجال جيدين في ميزان الزواج والحياة ولكنها لم تمررهم على عقلها من الأساس وكأن عيونها كانت مغلقة، ترى الحياة فقط من خلاله تتبع أخباره وتتمنى لقاءه مصادفة، ولكنها حتى لم تحاول إخباره بأنها تنتظره كل هذه السنوات، بل فعلتها صديقة لها، حتى المصارحة كانت تعتبرها تقليلاً من كرامتها وهي التي تُعرف بالحساسية المفرطة تجاه هذه النقطة.

ولكن، هل يجب معاندة القدر أم أننا لا نستطيع أن نفعل ذلك؟ وإلا لماذا ندخل كل تلك المعارك في حياتنا إذا كانت الأمور ستسير بسلاسة من دون جهد؟!

يبدو الأمر معقداً حقاً، يعود بنا لنقطة عميقة في فهمنا لفكرة الإيمان فقد أمرنا الله تعالى أن نؤمن بالقضاء والقدر، ولكنه منحنا أيضاً منحة العقل للاختيار على طول الطريق، نعتقد أن خياراتنا مُحدِداً لما ستكون عليه حياتنا ثم تنعطف بنا الأقدار في مساحات لم نعهدها ولم نخترها فكيف لنا أن نرضى بأشياء لا نعلمها وقد تبدو لنا شراً في وقتها؟ وكيف نحافظ على توازننا في انتظار الخير من ورائها فيما لا نملك خياراً؟



قاعدة عشق أخرى رنت في رأسي الآن: “لا تحاول أن تقاوم التغيرات التي تعترض سبيلك، بل دع الحياة تعيش فيك ولا تقلق إذا انقلبت حياتك رأساً على عقب، فكيف لك أن تعرف أن الجانب الذي تعيش فيه أفضل من الجانب الذي سيأتي؟”.

قبل نحو عام في بيت صديقتي، سرد ضيفها حكاية تختصر فهمه لقصة لقاء نبي الله موسى والخضر، دعونا نراجع القصة معاً، في البداية خرق الخضر سفينة الفقراء وتعجب موسى كيف يخرق سفينة أقلتهم وكيف يؤتي فعلاً قد يغرقهم ومن أحسنوا إليهم! ونسي وقتها أن أمه رمته في اليم رضيعاً ولم يغرق! وثانياً قتل الخضر صبياً بغير سبب جلي لموسى فاستنكر فعلته مجدداً ونسي أنه قتل نفساً من دون تثبت لينصر واحداً من قومه لا يعرفه حتى! ، وثالثاً أقام الخضر جدار الفتية بلا أجر وتعجب موسى هذه المرة أيضاً فيما تطوع هو ليسقي للفتاتين من دون أجر!

قال الرجل إن الله جعل الخضر يأتي بأفعال استنكرها موسى رغم أنه أتاها من قبل! وفسرتها بشكل مختلف، وهو أننا ربما لا ندرك فداحة ما نفعله أو جماله إلا عندما يأتي به آخرون!

مقالات مرتبطة

أعجبني السرد و التفسير ربما لبعده عن الدروس الظاهرية لإحدى أمتع القصص القرآني، كما أنها تُقدم لصعوبة خلق جميل وهو الصبر حتى على الأنبياء، تلك الفضيلة التي وعد موسى النبي ببساطة أنه سيلتزم بها معتقداً أنه يستطيع تحملها، فيما كان الخضر الذي فضله الله بالعلم يدرك أن موسى لن يفعلها.

رأيتُ في القصة ذلك التزاوج بين القدر والاختيار، وكأنهما يكمل بعضهما بعضاً فقد نسي فتى موسى الحوت وقال إن الشيطان فعلها وربما كان القدر، حتى بعد ذلك النسيان كان من الممكن أن يواصل موسى طريقه من دون أن يعود، ولكنه اختار العودة؛ ليلتقي الخضر ويبدأ فصلاً جديداً في رحلته، فالمعرفة رفيقة الاختيار لو لم نُقدِم على حياتنا فلن نعرف أبداً.

تقول صديقتي إنها تحب سيدنا موسى تراه قريباً؛ لأنه أتى بأغلب ذنوب البشر رغم كونه نبياً فقد علمه الله بالتجربة.

بحماس يليق بوعدٍ قطعته معها جلست مع ابنتي لنشاهد فيلم “آليس عبر الزجاج” الذي تحاول فيه “آليس” أن تُعيد البسمة لصديقها المهرج بعد أن أصبح حزيناً لفقده عائلته، قررت الفتاة أن تعبر الزجاج لتعيدهم من الموت باللعب في الماضي وتغييره.

قالت صغيرتي في براءة في منتصف الفيلم: “طبعاً ستنجح وتغير الماضي”، وافقتها فبوصفه فيلما خيالياً غالبا يحدث ذلك، وبدأنا نتبارى في تخيل كيفية وصولها لمفتاح الماضي لتغييره.
توالت الأحداث وظهر “الوقت” الذي بدا كائناً هزلياً، أخبرها أنها لن تتمكن من ذلك، تحدته أليس وواصلت طريقها في تغيير القدر، سرقت بلورته وعادت بها للوراء وهو ما حذرها من نتيجته وبعد سجال طويل مع كائناتها الخيالية ومحاولاتها المضنية فشلت فيما ظنته هدفها، ولكنها نجحت في إنقاذ صديقها وعائلته ولكن بطريقة أخرى غير العبث في الماضي.

بعد تحديات وتجارب كثيرة أخطأت في بعضها وأصابت في البعض عادت آليس من عالم الخيال لواقعها المرتبك، الذي هربت منه للزجاج المسحور، عادت لتختار ما كانت ترفضه قبلاً فوافقت على بيع سفينة أبيها حدث ما لم تتوقعه وسارت الأحداث لصالحها، وتغيرت أمها أيضاً وسارت حياتها في طريق آخر. هنا هتفت صغيرتي بجدية: “ماما، هي كده اتعلمت تشوف الحاجات بطريقة تانية”، ابتسمت وقلت: “نعم” وتذكرت نصيحة “الوقت” لآليس “لا تستطيع أن تغير الماضي ولكن يجب أن تتعلم منه”، أعجبتني فكرة كسر نمط سطوة الخيال الذي يستطيع فعل أي شيء كما تعودنا وقلت في نفسي: “حتى آليس لم تنجح في تغيير القدر بشكل خيالي!”.

غريبة هي عقولنا عندما نواجه تغيراً في مسارنا على غير هوانا، نرجعه فوراً للقدر نرفضه وقد نبقى عالقين فيه ونتمنى لو أننا لم نمر بتلك التجربة فيما نحتاج وقتها لفهمه، والمضي في خياراتنا التي تليه!

تحكي صديقتي التي ابتلاها الله بعدة مصائب متتالية بعد عيش رغيد سنوات طويلة، أنها تعرفت على جوانب خفية في نفسها وفي علاقتها مع الله خلال تعاطيها مع تلك الابتلاءات وقالت: إن لديها إيماناً راسخاً بأن الله يريد بها خيراً”.

لم تصل لهذه الخلاصة هكذا في غمضة عين بل بكت كثيراً وغضبت أكثر وتحدثت مع الله مرات عدة، حكت له وبثت أوجاعها عاتبته بودٍ أحياناً، وساخطة أحياناً أخرى، وهنت طاقتها فانزوت بعيداً وسكنت في ركنٍ قصيٍ وعاندت الحياة كلما استطاعت فعانقت ضحكتها السماء.

خلال وجعها جربت حلولاً كثيرة، فكان الرضا ملاذها الأكثر راحة، تقول إنها تعلمت أن تصاحب القدر بدلاً من عناده والغضب منه، تعرفت على أدوات جديدة في رحلتها، ربما أهمها رضا بما يقسمه الله وصبر بما قدره، وهما فضيلتان لا وصف لقيمتهما.



رأيت فيما تفعله صديقتي ترجمة لإحدى قواعد العشق الأربعين: “لا يعني الصبر أن تتحمل المصاعب سلباً بل يعني أن تكون بعيد النظر بحيث تثق بالنتيجة النهائية التي ستتمخض عنها أي عملية، ماذا يعني الصبر؟ يعني أن تنظر إلى الشوكة وترى الوردة وأن تنظر إلى الليل وترى الفجر”.

1xbet casino siteleri bahis siteleri