يا ابن ادم أنت لم تخلق عبثا!

70

في بعض الأحيان كانت تراودني أفكار سوداوية تلفني بثوب الكٱبة وترمي بي في دوامة العدمية، غالبا ما كنت أقلل من قيمة الحياة التي أعيشها وأعتبر وجودي عبثيا وبدون أهمية، ثم إني سأموت ولن يشعر أحد بالفرق.

كنت أرى نفسي  طمجرد عابر سبيل أتى بالخطأ إلى هذا العالم، أنغمس في ملاهي الحياة حتى لا أشعر بمرور الوقت منتظرة ساعة رحيلي.

لكن سرعان ما اكتشفت أن الحقيقة غير ذلك، نحن فراشات صغيرة حينما ترفرف بجناحيها الضئيلتين تحدث إعصارا في الجهة الأخرى من الكون.

نعم يا ابن ٱدم، أنت كإنسان لم يخلقك الله عبثا، وجودك في هذا الكون له سبب، كل الكون لن يكون كما هو اليوم بدونك، كل منظومة الكون وكل مجريات الأحداث سوف تتغير لو خرجت منها، وجودك له هدف، سواء فهمت أنت هذا الهدف أم لم تفهمه، فالله خلقك لسبب، وعليك استشعار هذا السبب وفهم دورك ورسالتك في هذه الحياة.

اعلم أنك حلقة أساسية لا يمكن أن تكتمل بدونها حياة الكثيرين الذين لا تنتبه أنت لوجودهم حتى، أعطيك أبسط مثال، فالخضار، والبقال والدكان الذين تشتري منهم حاجياتك ينتفعون منك، حينما تمرض ثم تذهب إلى الطبيب فهو الآخر  يكسب قوت يومه بفضلك، فأنت سبب في كسبهم الرزق، فالله أوجدك في هذه الحياة لينتفع منك هؤلاء يوما ما فأنت عنصر مهم في حياتهم.

إن كل شيء متصل في هذا الكون، كل ذرة عمل تقوم بها، كلمتك، وحركتك، وفعلك، جميع ذلك يؤثر في المنظومة كلها وهذا ما يسمى بتأثير الفراشة، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا  خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}.

حينما تجتهد في تأمل حياتك وتتفكر في كل ما يحدث لك وتحاول فهمه، فأنت بذلك تستنتج الوظيفة المناطة بك كإنسان في هذه الحياة الدنيا والأثر الذي يمكن أن تتركه وراءك.

والجدير بالذكر، أن الإنسان خلق أساسا للقيام بمهمة عبادة الله تعالى وتوحيده، حيث قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} فمن أطاع الله جازاه أتم الجزاء ومن أعرض عن ذكره جعل له معيشة ضنكا وعذابا في الآخرة، والعبادة اسم جامع شامل لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه، سواء كان متعلقا بالأقوال أو الأعمال الظاهرة والباطنة ومن ذلك: عمارة الأرض بصالح الأعمال، الصلاة، والزكاة، والصيام، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والجهاد في سبيل الله، والكلمة الطيبة، والذكر والدعاء وهلم جرا.


هذه المهمة، هي نفسها الأمانة التي عرضها الله تعالى على السموات والأرض والجبال، عرض تخيير لا تحتيم، وأخبرها أنك إن قمت بها وأدَّيتها على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقومي بها، ولم تؤديها فعليك العقاب فأبت حملها مخافة أن لا تقوم بالواجب، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما  جهولا. بمعنى أننا من قبلنا خوض هذا الاختبار مع من جهلنا.

صحيح أن لا أحد منا يتذكر أنه تم سؤالنا قبل مجيئنا إلى هذه الحياة الدنيا، وإن كنا نتذكر لما كان هذا اختبارا من الأساس، فالله يخبرنا أنه قد استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه. ثم أتى بهم إلى الحياة الدنيا فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم.

 كل الرسل التي أتت لتذكرنا بالرسالة التي نحملها، ومع أن القرٱن كذلك قُدم لنا كدليل فيه كل التعليمات والقوانين التي تساعدنا على اجتياز هذا الاختبار بنجاح ولم لا الحصول على درجات متميزة تخولنا لدخول جنة الفردوس الأعلى المخصصة للنخبة من العباد المؤمنين. لكننا غالبا ما ننسى أن نركز  على الاختبار الذي شارف على الانتهاء، كما أن الله عز وجل على خلاف المعلم الذي يدرسك مادة ما، لا يسمح لك باستعمال أي كتاب أو وسائل أخرى أثناء اجتيازك الاختبار، عليك أن تتذكر كل شيء درسك إياه وحدك، لكن الله سبحانه وتعالى رحيم بنا لدرجة أنه يرسل لنا مساعدات كثيرة أثناء هذا الاختبار  وغالبا لا نكترث بها أو نعتبرها مجرد مصدر إزعاج لنا، فكم من مرة غفوت في الامتحان واتبعت شهواتك وانغمست في فتن الحياة الدنيا ثم أنزل الله عليك بلاء يحمل رسالة إلهية من عنده ليعيدك إلى رشدك، وكم من مرة كنت على وشك اختيار الإجابة الخاطئة ثم صرفها عنك الله ووجهك للإجابة الصحيحة لكنك مع ذلك تتذمر.

نحن كبشر كرمنا الله وميزنا بالعقل عن سائر البهائم التي تنام وتأكل وتتكاثر فقط، فالعاقل فقط من يعرف حكمة الله من خلقه، على خلاف الجهلاء والجاحدين الذين أنكروا ذلك {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا  يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} وقال الرسول صلى الله عليه و سلم: ويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتفكر فيها {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ  وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}. استشعار عظمة الله تقودك دائما لتتقرب منه أكثر فأكثر وتدفع بك لتحسن عبادته، كما تفعل حينما تعجب بشخصية ما فأنت تجعلها مثالا يحتذى به، فتحاول دائما اتباعها وتقليدها.

ختاما، كانت هذه تأملات وأفكار حاولت أن أجمع شتاتها في هذا المقال، كان الأمر تحديا لي لأنني لم أكتب باللغة العربية الفصحى منذ أيام الثانوية، فتلاشت مهاراتي مع ريح النسيان، رغم التألق الذي كان زملائي وأساتذتي  يشهدون لي به.

خلاصة القول من كانت له ملكة أو موهبة ما فليستمر في صقلها وإلا ضاعت واندثرت، يقول أينشتاين: “العبقرية عبارة عن 1٪ موهبة و99٪ عمل واجتهاد. ” فلا يوجد عباقرة بالفطرة بل يوجد مجتهدون يسعون لتحقيق ما يؤمنون به لأنفسهم ولمن حولهم، ولا يفشل حقاً إلا أولئك الذين يكفون عن المحاولة.

أدعوكم أيضا أن تتذكروا معنى وجودكم في هذا الحياة، لا تنسوا أنكم وسط اختبار سوف تنتهي ساعته وسوف يؤتى كل منا ثمرة جهده، عد للإجابة عن أسئلة الامتحان التي أمامك واستعن بالدليل الذي بين يديك، ثم أنصت جيدا  فحفيف الريح يحمل معه بعض المساعدات، لا تدع ذهنك يتشتت ويتيه بل أبقه مركزا على الهدف. فكما أن كليات الطب والهندسة لا يدخلها سوى المتفوقون فكذلك جنة  الفردوس الأعلى.