مسالكُ الحبّ في مهنة رسّالة النّـبل

على هيئة رجل قادم من زمن آخر قادني ذلكَ الصّوت الغريب إلى هذه الكلمات : ” انطلقي إلى مهنة التعليم وأنت تحملين أجنحة من حب؛ لا شيء غيرها يمكنه أن يحلق بكِ نحـو سدرة العطاء ونكران الذات والانتفاء فيما أنت ذاهبة إليه.. وحدها بإمكانها أن تزودك بطاقة لا قبل للسابقين بها حتّى لا تجعلك من الساخطين ؛ هي فقطْ من يمكنها أن تزرع فيك حبّات قمح تسمو عن أوحال المهنة

سمعت الكلمات بداية فحسبتها شيئا من لغو الكلام عن مهنة أقل ما يقال عنها إنها متعبة؛ وفي بلدنا تزداد إرهاقا وإحباطا؛ ربّما فهمت المغزى حينذاك بشيء من السطحية المقصودة؛ لكني وأنا الآن أركب المقطورة السّادسة معلّمة في هذه القرية المنسيّـة أتعلم الكثير؛ زوادتي بعض مما حملته في قلبي من أجل أن أستمتع بالرسالة أولا؛ ثم من أجل صبية بعمر البراءة؛ بعمر الحب والرفق اللذان يصنعان الشيء الكثير منهم .
أدرك في كل مرة أتواجد فيها داخل الفصل سر تلك الكلمات الكبيرة التي أثقلني بها ذلك الغريب؛ أعلم ان التيّـار لا يمكنُ أن يمر بيني وبين هذه العوالم المنسية ما لم تنطلق من صدري الشّرارة الأولى للحب والاحتواء؛ ما لم أوفق بطريقة أو بأخرى في عقد قران يقوم على المودة بيني وبين كل تفصيل صغير في هذه الجبال ابتداء من قص أظافر صبيّ حتى احتمال قطرات المطر التي تبلل الغرفة الطينية التي تأويني انتهاء بآخـر شجـرة أركان تقطع من غير سبب..

 

ثم إني أعلمُ جيـدا أننا بثنا نستصغر لغة الحب والتآلف في الحديث عن مهنة الرّسل كما لو أنها قادمة من عالم المثل والمدينة الفاضلة؛ كما أصبحنا نحسن إلقاء خطاب الظروف وأوحال السياسة وأنصاف الرؤى الغير منصفة كثيرا كي نمنح لأرواحنا الخلاص ونجنبنا مسؤولية ما يحدث؛ بل بات من الصعب أن ندلي بصريح آرائنا في سبب فشلنا بأداء هذه المهمة الإنسانية أولا؛ لكني في الحقيقة لا أجيـد غير هذه اللغة حين يتعلق الأمر بشيء لا أرى له حلاّ لا ينطلق من ذواتنا أولا؛ ثمّ لا يسد الهوة بيننا وبين أطفالنا من جهة وبيننا وبين كومة المشاكل التي تتربص بهذا القطاع من كل جانب..

مقالات مرتبطة

كل شيء يبدأ صعبا ؛ لا يمكننا تغيير واقع التعليم برفة جفن؛ لكن أيضا لا يمكننا الركون إلى المواساة والتضليل من أجل أن نبرر الفشل الذي وقعنا فيه ؛ نعم المناهج سيئة؛ الأقسام في حالة مزرية جدا؛ طلابنا لم يعودوا كما في السّابق؛ كل هذه المشاكل تُصبح عبئا آخـر حين نحملها وهنا على تقصير علَى عتب. كلها تفرغنا يوما بعد يوم من إنسانيتنا لنصبح رسلا مشوهين داخليا .

لهذا لا أرى غير الحب وسيلة يمكنها أن تعبر بنا ولو حبواً نحو ضفة المعاني السامية لرسالة الرحمة ؛ ليس غريبا أن يكرروا على مسامعنا كل يوم ” إذا لم تجد ما تحب ؛ فأحبب ما تجد ” ؛ لغة الحب وحدها قادرة على أن تجعلنا ندمن العطاء دون مقابل؛ الكفيلة بأن ترينا تلْك اللّمعات بعيون الصبية حين يتمكنون أخيرا من تعلم الحروف والأرقام وهم الذين لم يرتادوا روضاً ولا لهم من العائلة من يسهر على تعليمهم منزليا؛ وحدها تصبح منظارنا ونحن نراقب تكون شخصياتهم؛ يحاورون ويتناقشون ويساعدون بعضهم بعضا؛ يحاربون الغش والكذب وفلتات اللسان من مقاعدهم الصغيرة؛ هي نفسها اللغة التي يستطيع بواسطتها الطفل أن يتقبل عقوباتنا المتكررة دون أن يحقد أو يغصب ؛ هي شفيعنا فيهم؛ هي من يجعلهم يخبروننا أن “سامحينا يا أستاذة أغضبناك ؛ غدا إن شاء الله نفرحك ونجتهد أكثر“؛ هي اللغة التي تحمي أطفالنا من تناقل عدوى البؤس حين يرون معلمهم يقاتل بحب من أجل أن يصنع لهم شيئا؛ أليس بالنهاية هؤلاء الصّـغار هم شفعاء كل معلم ؟

أدرك يقينا أن فشل التعليم أكبر من مجرد أضحوكة مزعجة؛ لكن دعونا نلاعبها بأكثر لغة نجيد الحديث عنها اليوم؛ دعونا نتحدث بها ونعمل بها في معركتنا مع إصلاح هذا القطاع ولو مزحة قد تصدق يوما ما؛ فلا يمكننا أن نتجرد من الظروف المحبطة حتّى نرى أمامنا معنى الإنسانيّة في ذلك الرجل الصغير بأحلامه الكبيرة؛ وتلك الصغيرة الحالمة بمستقبل مختلف؛ أن نفعل ما نفعله بحب ما دام كل شيء لا يرجى منه تغيير كما نقول؛ لم لا نجرب هذا الحلّ لمجرد إعطاء معاني جديدة لرسالة الحب والدفء ؟