عندما انتحرت الطبيبة “رجاء”

7٬692

- الإعلانات -

لا حديث في المغرب مؤخرا إلا عن الفضائح الطبية كنتيجة حتمية للخصاص غير المسبوق الذي يعرفه القطاع الصحي من حيث الموارد البشرية، مما يجعلنا نتوقع الأسوأ في ظل إحجام الدولة عن التوظيف.. ويبقى من أكثر الأخبار التي تم تداولها حادثا ضبط طبيبين متدربين متلبسين بتلقي الرشوة.. وإن كنت لا أحاول مطلقا إيجاد مبررات لهذا الفعل، فقد بات من اللازم الحديث عن حادث الانتحار الأليم الذي كلف صديقتي حياتها، كنموذج لإحدى ضحايا قطاع يلتهم ممتهنيه بسبب خراب منظومة بأكملها.

 
 
كانت تدرس في الفوج الموالي إلا أن الله أراد أن نلتقي فقدٌر لي أن أمرض وأن أكرر السنة.. تقربت هي مني وجبرت بخاطري أنا التي كنت أعتزل الجميع وأنقم على الكون حينها..
 
أصبحنا صديقتين وكنت أبثها شكواي.. لم أنتبه لأنها ترتدي نفس الملابس كل يوم، أو لكونها كانت تمشي عدة كيلومترات بنفس الحذاء لكي لاتركب الحافلة أو التاكسي، ولا تأخذ شيئا من المقصف.. لم أنتبه حتى حين قالت لي أن أباها متوفي وأنهم رفضوا منحها منحة.. ببساطة لم أكن أفكر سوى في اكتئابي الطفولي..
 
انتهت سنتنا الخامسة وتواعدنا أن نجتاز امتحان الداخلية.. قررنا ألا ندخل لفترة التدريب الأولى بعد الصيف وذلك لكي نتمكن من التحضير.. قالت أنه علينا حفظ كل الدروس لكي لانعرض نفسنا لخطر الرسوب وضرورة إعادة شهور التدريب..
 
توادعنا.. وهي ذاهبة ابتسمت لي بلطف، لم أكن أعرف أنني لن ألتقي بها أبدا…
 
باشرت ذلك اليوم التدريب الثاني في سنتي السادسة.. اقتربت من صديقة لرجاء وسألتها: “ألم تأت رجاء؟ هل ستغامر بعدم القيام بدورة التدريب الثانية أيضا؟”.. فأجابتني: “رجاء ماتت!”.. ارتكزت على الحائط وأنا أمسح قطرات العرق البارد.. وهتفت: “كيف؟! مستحيل!!”.. فقالت لي: “لقد انتحرت البارحة”..
 
دارت بي الأرض.. غير معقول!!.. كيف تفعل ذلك وهي الفتاة المؤمنة التي تلهج دائما بشكر الله؟
 
قررنا أنا والزميلات أن نقوم بواجب العزاء تجاه أسرتها.. تبين أنها تسكن في قاع المدينة القديمة بفاس.. لم نكن نعرف العنوان ولكن كفانا أن نسأل هناك لكي يرشدنا الجميع نحو منزل “الدكتورة التي شنقت نفسها”..
 
توغلنا في الأزقة وفهمت أن المدينة القديمة ليست هي “قيساريات” الذهب والشموع كما أعرفها وإنما الدهاليز العطنة والمنازل الاَيلة للسقوط.. وصلنا للمنزل بعدما اجتزنا جداول من مخلفات الدباغة وأنا أغطي أنفي بأكمامي.. بيت صغير كلعبة، طرقنا على بابه الخشبي المتهاوي.. كنت لاأزال غير مصدقة لرحيل صديقتي وكنت أتخيل أنها هي من ستفتح..
 
كانت أختها الصغرى التي تشبهها للغاية هي من فعل مما زاد من لوعتي.. طلبت منا أن نصعد سلما إسمنتيا أشبه بنفق للجذران.. كان البيت مكونا من حجرة تضم كل الأسرة.. حجرة أصغر من غرفتي، منها صالون وغرفة معيشة ومستودع للأشياء.. في حين كان “البوطاكاز” في الردهة بالقرب من الدرج وقد علقوا ستارا بلاستيكيا فوقه لأن المطر كان يسقط حينها.. جلسنا جميعا واجمين.. كانت الأم غير مدركة لما حولها وكانت الجدة تقول باستمرار: “كويتيني أرجاء”.. أما الأخت فقد كانت تترنح كما لو كانت قبالة حائط المبكى..
 
سألنا الأخ إن كنا نريد زيارة غرفة رجاء.. غرفة-جحر مظلمة بلا تهوية ولا نوافذ تكدست فيها الكراسات الطبية على الأرض وشغلت نصف مساحة المكان.. يبدو أن هذه الغرفة الميكروسكوبية كانت ترفا خصصوه لرجاء كونها “دكتورة” الأسرة لكي تدرس بعيدا عن الإزعاج في حين تكدسوا جميعا في الغرفة الأخرى..
 
أخبرنا الأخ بأنها انتحرت في عين المكان.. أجفلت وتساءلت كيف فعلت والسقف واطئ جدا؟.. أرانا ركيزة تبعد حوالي المتر عن فراشها.. قال لنا: “لقد شنقت نفسها جالسة.. أخبرني الطبيب الشرعي أنها اختنقت بالعرض البطيء.. أمي دقت عليها حينها فوجدت الباب مغلقا بالقفل، وعندما نادتها أجابتها الأخرى باَهة فظنتها نائمة.. إن هذه الحقيقة ستقتل أمي كمدا لأنها لم تنقذها في حين كانت تحتضر على بعد متر منها”..
 
ياإلهي؟.. ماالأمر الذي قد يجعل طبيبة تقتل نفسها بهذه القسوة؟
 
ذات يوم قالت لي طبيبة: “أظن أنك ابنة الأستاذة فلانة.. لقد درستني أنا شخصيا”.. ثم أضافت: “أتذكر عندما قدمت أمك ذات يوم للثانوية والدنيا لاتسعها من الفرح وأخبرتنا أن ابنتها الكبرى دخلت كلية الطب”..
 
مسكينة أمي.. وهي تجعلني أحقق حلم عمرها لم تكن تعلم بأنها تزج بفلذة كبدها في الجحيم.. كانت كأغلب الأمهات المغربيات من الطبقة المتوسطة ترى في الطب الخلاص وفرصة للارتقاء الاجتماعي، ولكنها لم تكن تتخيل أنني اليوم وأنا لدي باك 14+ سأتلقى راتبا كذلك الذي يُمنح لأصحاب الماستر من دون أن تشفع لي شهادة الدكتوراة.. نعم كانت أمي واهمة تماما مثل أسرة “رجاء”…
 
كلية الطب لم تعد حكرا على الأغنياء.. بل إن أغلب من يرتادها حاليا ينحدرون من الطبقة الفقيرة أو المتوسطة.. فيضحي الاَباء المنهكون بالغالي والنفيس لكي ينفقوا على أبنائهم خلال دراستهم لعل الحظ يبتسم لهم.. القرص يستمر 8 سنوات، ثم تزداد حدة اللسعات بعد التخرج لمدة سنوات أخرى وفي الأخير يتبين أن العسل مجرد علقم في ظل الظروف الراهنة.
 
عندما تسلك مسلك الطب، يتصور الناس أنك تعيش بشكل مترف كما هو الحال في المسلسلات.. فالطبيب مُطالَب مجتمعيا بأن يكون غنيا (وهذا هو المفروض في الدول التي تحترم نفسها) في الوقت الذي تؤهله مهنته في القطاع العام لينتدب مقعدا مع باقي المواطنين من الفئات الهشة.. هذا التناقض بين التصور المجتمعي والواقع جد مرهق نفسيا..
 
الذي قتل رجاء ليس هو الفقر بقدر ماهو الظلم.. لو لم تدرس ولم تجتهد فغالب الظن أنها لم تكن لتقدم على فعلتها.. المسكينة ثابرت ونجحت عاما تلو الاَخر في ظل ظروف مأساوية حتى وصلت لسنتها السادسة ومعها إلى قمة اليأس..
 
كانت فتاة عصامية تظن أننا في بلد يعترف بالاستحقاق وأنها لو بذلت جهدا أكثر من الاَخرين ستٌخرج أسرتها من دائرة الفقر، لتكتشف أنها ورغم عملها المضني ستقبض أقل من بائع سجائر بالتقسيط (حوالي 60 أورو في الشهر).. أنا لاأحتقر هنا الطفل “مول الديطاي” بل أحتقر المسؤولين الذين يجعلون طفلا يقتحم عالم الكبار ويبيع السجائر ليعيل أسرته.. وأحتقر نفس المسؤولين الذين يجعلون طبيبة لاتعادل ولو عقب سيجارة في سوق الشغل مهما عملت وكدت واستحقت.. وأكره أن يقتل المواطنون الطبيب بأحكامهم ثم يمشون في جنازته، فما أكثر المرضى الذين عبروا عن تفاجؤهم من موت رجاء “وهي طبيبة ماشاء الله، ولايلزمها شيء!”
 
كانت كل اَمال رجاء معلقة على الامتحان ليس للظفر بلقب طبيبة داخلية وإنما أساسا للحصول على راتب.. راتب بئيس يبلغ حوالي 3000 درهم يتنافس عليه المتنافسون.. يعملون ليلا ونهارا مقابله ويخوضون غمار الحراسات اللامتناهية بالإضافة إلى دوامهم اليومي في حين قد يصرفه قائد بوزارة الداخلية على سجائره.. لقد كان ذلك الراتب-المهزلة يمثل طوق النجاة لها ولعائلتها.. لقد رحلت الفقيدة لأنها ظنت أن حظوظها في الامتحان معدومة بعدما عجزت عن حفظ المقرر التعجيزي بأكمله.. لقد عصف بها اليأس حتى قتلت نفسها وعذبتها وكأنها تعتذر لأنها حسب اعتقادها خذلت أسرتها وشكلت كاهلا على عاتقهم بما فيه الكفاية.. لم تود أن يصرف عليها أحد يوما إضافيا بعد كل تلك السنوات فوهنت وفارقتها رباطة جأشها.. كانت لحظات ضعف قاتلة بحق..
 
أما الأطباء العامون وأولئك المنفيون في المناطق النائية، فلا يأخذون تعويضا ويجدون أنفسهم مجبرين على أن يصرفوا 8000 درهم التي يتلقونها كراتب على منزلين أو ثلاثة: على الزوجة في مدينة والأبناء في مدينة أخرى ناهيك عن الاَباء في بعض الأحيان.. ويبقى التشتت الأسري عنوان حياتهم.
 
 
أتتصور أن طبيبك الجراح ربما يفكر أثناء عمليتك كيف سيدفع فواتير الكراء؟.. مهنتنا مرهقة وموتٌرة جدا وبالتالي تكفي قطرة لإفاضة الكأس، فالطبيب لايملك الوقت ولا الأعصاب لكي يكون لديه ترف التفكير في الأمور الحياتية الخبزية وهذا الأمر فهمته الدول المتقدمة وحرصت على تداركه رأفة بالأطباء والمرضى على حد سواء لأن نتائجه قد تكون جد وخيمة..
 
طبيب يتم تجويعه لايمكن إلا أن يصبح مكتئبا أو فاسدا مرتشيا، وفي جميع الحالات سيكون خطرا على نفسه وعلى المجتمع.. الشعب بتأييده للدولة في إذلالها للطبيب يصنع من بعض الأطباء طواغيتا ومن اَخرين قنابل موقوتة..
 
كأطباء لدينا أحلام بسيطة كالبقية: هناك فقط من يريد أن يشتري جلبابا لأمه، والاَخر كرسيا متحركا لأبيه المقعد.. وثالث أن يفتح منزلا ويكون له أطفال وزوجة.. نحن لانسعى للترف وإنما للتسوية مع الاَخرين ممن لديهم دكتوراه.. فكيف يعقل أن يتذيل أول من أطلق عليه لقب الدكتور أسفل سلم الأجور.. وهذا ببساطة مانعنيه بالعدالة الأجرية..
 
بالإضافة لذلك, فلايعقل أن ندين طبيبا متدربا لا يتلقى سوى 60 أو 150 أورو كراتب على لحظة ضعف، في الوقت الذي نسكت فيه على اختلاس كبار الحيتان للملايير من صناديق الموظفين ومن أموال دافعي الضرائب.. الرشوة غير مقبولة من طرف الأطباء المتدربين ولكن من سيعيل هؤلاء علما أنهم لايتلقون الراتب-المنحة الهزيل كل شهر وإنما فقط بعد مضي سنة من بداية الشغل ولو أن عملهم يعادل مايقوم به عدة موظفين، في حين تحتل أخبارهم “مانشيتات” الصحف في ذات اليوم بمجرد أن يقوموا بأدنى خطأ؟
 
على أي، يوما ما إذا كان لدي أبناء أريد أن أخبرهم كيف كانت رجاء أيقونة لنضالي.. رحمة الله على روحك الطاهرة ياعزيزتي وغفر الله لنا ولك.

- الإعلانات -