أدب الرسائل: نظرة عن قرب

“عودة كانون الأول قريبة، لون السماء بدأ يتغير، النبات أخبرني باشتياقه للشتاء وبحت له أن لا شتاء عندي حتى ألمس يداك، اقترب الشهر الذي يدون باسمنا في كل كتب الغرام، بيننا أميال كثيرة جبال وبحار كيف يزيد هذا الحب في قلبي كل لحظة؟ كيف جعلت طيفك يلازمني؟ وضعت وشاحا على مرآتي الوحيدة لكي لا أرى انعكاسك، كل محاولات نسيانك أصابها الفشل فأصابتني الخيبة، وكأن بعدك اختفت الشمس وعم الظلام وكأنك بطن حوت وأنا لا أدعو الله لأخرج.”

ورقة تمزق وأخرى تكتب، بقعة حبر لطخت الورقة، ربما انجرحت خدود القلم بقوة البكاء، تنهد وانتعل، حمل كتاب الشعلة الزرقاء لجبران خليل جبران ثم هم خارجا يتمتم لم تكتب لي منذ أيام، اختلجه إحساس محمود درويش حين قال: “في الانتظار يصيبني هوس برصد الاحتمالات الكثيرة”، خمرة الحب بصوت صباح فخري تهطل عليه الذكريات ولا مال في جيبه ليشتري مظلة، حتى الخُمار في حالته شفاء. لن ينزل المدينة صباح الغد ليتفقد بريده، لا يريد خيبة أمل أخرى، سينتظر الساعي ربما سيأتي في صباح قريب حاملا بشارة وربما لن يأتي وسيستمر الليل الدامس بشكل سرمدي.

الرسائل أصدق ما كتب، لا تنميق ولا تزييف، تشبه الرسالة المحاولة الأولى في درب اقتراف الفعل الأدبي، القلم لا يكتب بالحبر حينها ولكنه يخط المشاعر، يكتب نزيفا بشتى الألوان. قال عبد اللطيف الأرناؤوط في كتابه تأملات في رسائل الأدباء ص8 نقلا عن البروفسور ستارلنغ: “إن دراسة رسائل العظماء، تبعث في النفس متعة كبيرة وقليلا منا من يكتب قصصا أو روايات أو قصائد، ولكنا جميعا نكتب الرسائل”.

مقالات مرتبطة

أستحضر في كل مرة تحدثت فيها عن الرسائل، أول رسالة كتبتها في السنة الثانية من التعليم الابتدائي، على بساطتها حينها ولكنها عنت لي الكثير فعلقت في ذهني، ربما لأن المعلمة عاقبتني بعد أن اشتكت البنت علي، عاقبت وميض البراءة في عيني ولم يشدها عبق الحرف في ورقتي الصغيرة، ربما كان العقاب بسبب خطي السيء وربما لأني كتبت شعورا أكبر مني.

نكتب المشاعر قطعة قطعة دون خجل ولا خوف ظنا منا أنها لشخص واحد يستحق أن يسترق طلة على قلبنا من شرفة الرسالة، إلى أن يقرر الشخص أن يهب الطلة لكل القارئين في الرقعة الأدبية لنرى كيف كان يشعر هذا الأديب وهذه الحبيبة. كان للرسائل منذ القدم وزن في مختلف مجالات الحياة فاستعملت للتعبير عما يختلج النفس من شعور واستعملت في الحروب بين القادة بغرض الترهيب وبيان القوة، فكل قائد صنع مسدسا ملأه الكاتب بالحروف فتعدد الغرض من كل طلقة فواحدة أفرغت للتخويف وأخرى للتأريخ ومن القادة من شغله الحب فأرسل رسالة من براثن الحرب لحبيبته ليخبرها أنه يذكرها في أحلك الأوقات، أولم يذكر عنترة حبيبته والرماح نواهل منه والسيف يُسيل دمه، يريدها أن تعلم أنها حربه التي خسرها سابقا ولا يريد خسارة حرب ليست هي الخصيم فيها ولنا في ما أرسله نابوليون بونابارت لجوزيفين مثالا: “بحب سلب عقلي فلا أستطيع الأكل ولا النوم ولا العناية بالأصدقاء ولا الاهتمام بالمجد وحتى النصر نفسه لا أقدره إلا لأنه يدخل السرور عليك… لقد ملأت قلبي حبا لا حد له..” فن الترسل الأسبقية الغربية والإبداع العربي أ محمد نذير الأشهب، أ د حميد بوحبيب.

في رسائل الحرب كان الحكام والأمراء المسلمون يكتبون ما يفعلون، ولعل أبرز ما يؤكد ذلك رد الرشيد على نقفور قائلا: “الجواب ما تراه دون ما تسمعه.” ولا يمكننا التحدث عن هذا النوع من الرسائل دون ذكر  خالد بن الوليد حين كتب لملوك فارس: «أما بعد، فالحمد لله الذي حلّ نظامكم، ووهن كيدكم، وفرّق كلمتكم، وأوهن بأسكم، وسلب أموالكم، وأزال عزّكم، فإذا أتاكم كتابي، فأسلموا، تسلموا، أو اعتقدوا منا الذمّة، وأجيبوا إلى الجزية، وإلاّ والله الذي لا إله إلا هو لأسيرنّ إليكم بقوم يحبّون الموت كما تحبّون الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدُّنيا». تاريخ ابن جرير الطبري

مما لا شك فيه أن الرسالة كانت وما تزال وسيلة تعبير عن أصدق المشاعر المختلفة والمأمول منها كبير، ورغم أننا في زمن الرسالة الافتراضية إلا أن الرسالة الورقية إرث لا يستهان به، ورغم قلة مستعمليها اليوم ما زالت تحتفظ بقيمتها وجمالها.

1xbet casino siteleri bahis siteleri