أنا الجريح أنا المنسي أنا الطفل البريء

إليكم توقعات كوثر لطقس اليوم: أجواء قاحلة ناضبة وارتفاع في درجات الحرارة بتوقيت غياب الطفولة وذبل المودة وفقر الضمير. أظن أني غبت عنكم كثيرا وغابت حروفي عن الوجدان وفواصلي عن الستار حتى صارت روحي هائمة بالوصال، لكني عدت وللأسف محملة بمجموعة من الأحزان وتساؤلات أطفال مهملين، من أوراق القهر الممتدة على أرصفة الشوارع إلى كنف الجسور، ومن قضبان الإنسان المجهول أم من سجن الطفولة المهملة! لو أدري من أين لتزينت قليلا واشتريت لوحدتي الكئيبة الحزينة منديلا وحملت لهم باقة ورد وزهر وحظ وحياة، من أين يجيء هذا الصبر والعزم والقناعة وأنا أطعن في ظهري وفي سري وفي جهري؟ يا ملف الأحباب وأرشيف الأحبة الغائبين والمنفيين عن العين، ألا يرحم أحد هذا الطفل الصغير؟

مزدحمة أنا بالقصص المؤلمة والبلدان المغتربة، هالكة بالكلام الجريح والقامات المطعونة بالغدر والاحتيال، سافرت لأرتاح، وجدت معاركا وأصواتا متعالية من الخذلان والحرمان، تعددت الأسماء والأجناس وجلست أراقب الطفولة الضائعة بكأس من زجاج، منكسرة الأضلاع والحواف، عرفت الوجه الآخر للشارع والطفولة المشردة، وحزنت بحسرة من ألم على حال هؤلاء الأبرياء، واشتد على قلبي الوجع وأخذت بين ذراعي ريش طفل رضيع، وضعته في حضني لأكابد نار الهجرة إلى مستنقع الفقر والحرمان من كل الحقوق والواجبات، من رؤية عذاباتي النهارية والليلية، ظلت عيني تراقب هذا القمر الشاحب، ألاعب طيرا من جنة، لكني يا منديل حبيبي، ضيعت حروف الفرح والسر وأنا أسأل حالي لماذا؟ لماذا؟ فعفوك يا طفل البراءة! عفوك يا طفل الشارع! عفوك يا حياة على عدم العدالة والاتزان!

كنت كالظل أراقب الكل بسرية تامة، ألاحظ من بعيد حياة من قاست عليهم الظروف وصاروا عائلات للجدران وأرصفة الشوارع، كنت كالسحاب كما دار بالسماء أتجه اتجاه الكشف والبحث عن الحقيقة، والقرب والرحمة من القلوب الهالكة من البؤس والفاقة، ومن شدة الحسرة سالت دموعي وأنا بوصفهم متألمة عن حال كل منهم؛ “طفولة منكوية الصخور، مخطوفة اللون، مسلوبة الدم ومغلوبة العذاب.” فهل عرفتموني؟ هل تساءلتم عن ظروفي وأحوالي، ولم أنا مشرد، ضائع، مهمل، متخلى عني؟ أجيبوني أرجوكم! ولا تحكموا علي بحكم النظرة المسبقة، لم أختر حياتي ولم أكن لأختار هذا التشرد، وجدت نفسي فيه بلا مأوى ولا ملجأ يحميني ويقيني من شدة جو الصيف الحار وبرودة الشتاء القارس.

مقالات مرتبطة

قد أفلح من زكاها

من كل زاوية!

كن أنت كما أنت!

ذنبي أني ولدت في حياة غير عادلة ولا رحيمة، هناك من وجد نفسه على رصيف الشارع لا يعرف من هو ولمن يعود أصله، وهناك من تركته الحياة مشردا بسبب الإهمال وعدم اهتمام الأهل، هكذا كان وصف بعض الأطفال، يتكلمون بحرقة وقلوبهم تائهة مليئة بالأسئلة الكثيرة، مكتفين بالسُّكات والنظرات لبعضهم البعض، منتظرين قلوبا رحيمة تسد جوعهم ببضعة دراهم ليبحثوا عن مكان يأويهم ليلا ليتما يأتي الصباح ويبدؤوا بالبحث عن لقمة عيش من جديد، وهكذا هي حياتهم حتى أصبحت أجسادهم شبيهة بعجوز مسن، ملامحهم أكلتها كثرة التفكير وقساوة المستقبل المجهول، متسائلين كغيرهم، هل سيأتي يوم نكون فيه مثل أي طفل في المدرسة برفقة أهالينا أم سنظل غرباء الوطن مسلوبي الحق والحياة؟ سؤال يكبر أعمارهم، وآهات حسرة وأنين تتآكل معها أجسادهم الصغيرة!

بالله عليكم، بأي ذنب قُتِلت طفولتنا! نظرت إلى سماء بنظرة منكسرة وفوق رفوف قلبي حزن مقتول بأقبح عذابات الشقاء، داعية المولى الرحمة بهؤلاء الأبرياء. وأخذت بلغة البشر أكتب هذا المقال، لأذكر تلك الفئة التي تهاجم الناس حينما يتعلق الأمر بموضوع الزواج، فقد سبقت وكنت أعارض الناس عن فكرة الزواج نتيجة ما أراه من قصص مؤلمة تعاش في واقع يعج بضحايا أطفال مهملين مشردين، رفضي لم يكن توهم ولن يكون، كل رفض يكون إلا ولأسباب، فحينما تود الزواج وتترك في نهاية المطاف ابنك على قارعة الطريق وحيدا يحارب الزمن وقسوته بغض النظر عن الظروف التي تعيشها فذلك جرم في حق الطفل والطفولة، فإذا كنت لا تملك صفة تحمل المسؤولية والقدرة على إعانة أبنائك وزوجتك لا تتزوج ولا تضحك على نفسك بكلام من مجتمع يردد جملة “كل طفل يُنجب فرزقه مكتوب” فهذه الجملة بالضبط شردت ملايين الأطفال وقتلت مئات الرضع، ربما كان الزمن السابق رحيما بعض الشيء وبسيطا، لكن زمننا وحاضرنا أصبح قاسيا ومتطلباته غير محدودة. تزوج حينما تكون مؤهلا لذلك وحينما تكن مستعدا للتضحية في سبيل أبنائك رجلا كنت أو امرأة. فالمجتمع لن يرحم أحدا، حينما يوجد طفل على قارعة الطريق يطلب يد العون، فكيف ستواجه نفسك يوم لقائك به؟ وكيف ستعيش بقية حياتك بعد أن قررت التخلي عن فلذة كبدك؟

أعلم جيدا أن هناك أسبابا كثيرة غير ما سبق ذكره، كالفساد وضحايا الاغتصاب والتعنيف الأسري والقائمة طويلة، لذلك حاولت التركيز فقط على فئة معينة من هؤلاء الضحايا وهم المتخلى عنهم والمشردون، كما أعلم أن كلامي سيكون جارحا لبعض الفئة وخاصة المقصودة لذلك. لست هنا لأواسي أحدا وإنما لأنقل وجع هؤلاء الأبرياء، فقلبي حينما يرى صورهم ينكسر في لحظة ألف مرة، وفي كل نظرة أسترقها لأرى مكامن أرواحهم أموت مائة مرة، وأظل أتساءل ما ذنب هؤلاء؟ ولمَ يتجرأ البعض على القدوم إلى المحكمة للطلب الزواج؟ وما الفائدة من وجود جمعيات ومن إنشاء منظمات مهتمة بحقوق الطفل خاصة والإنسان عامة إذا كان الواقع ما زال يعاني وفي وتيرة متزايدة لهؤلاء الأبرياء. ولقد أحطت الاهتمام بهذه الفئة نظراً لإغفال المجتمع المدني عن ذكرهم ورعايتهم والاهتمام بهم، فأبسط ما يحتاجه هؤلاء الأطفال؛ الرحمة والحب واللطف بهم وليس الشفقة عليهم. فقد ذكرني طفل ذكي جميل أني لا أحتاج لشفقة الناس ونقودهم بقدر ما أحتاج للاحترام والحب.

درس أخذته في ميدان تخصصي ودرس تركته لكم لتشاهدوا العالم بصورة أخرى، فما زال هناك من يعاني في صمت قاتل “وما زال الكثير قيد رابط أمله بلقاء والديه، وما أقسى الانتظار على نوافذ الزمن” أخشى أن يفوت الوقت للبعض ولا يسمح لهم التعبير عن مشاعرهم والتبرير عن خطئهم. {إنهم مجرد أبرياء ما رسوا عليهم حربا فجعل منهم المجتمع عناوين للصحف والمجلات} ودعت الأطفال بدموع على أمل أن يجد كل طفل مبتغاه، وسأودعكم أيضا على ملتقى مشارف موضوع آخر. وبغض النظر عن طقس يوم غد، فأنا لست قلقة أبدا.

1xbet casino siteleri bahis siteleri