فكر قبل الارتباط!

2٬361

دائماً ما أشاهد مواقف لآباء مع أبنائهم، مواقف أبحث فيها عن أدق التفاصيل التي قد تجيب عن سؤالٍ يراودني منذ زمنٍ بعيد، ما الذي يدفعنا لنكون آباء وأمهات؟

جيل مسؤول عن جيل آخر!

إن رغبتنا في أن نكون أباء وأمهات، رغبة تفوق كل الوصف، تختلف هذه الرغبة بداخلنا من شخص لآخر، تختلف حسب فهم المرء منا للأبوة والأمومة، فمنا من يرغب في بناء أسرة تكون عالمه الذي يأويه عند عودته مساء إلى البيت، ومنا من يرغب في إشباع غريزة الأبوة والأمومة، ومنا من يخشى غدر الزمان حينما يكبر فيخاف أن يظل وحيداً بِلا أنيس ولا معين، كل منا ينظر للأمر من زاوية تواجده في هذه الحياة، فلا قانون يوحد رغباتنا التي تتغير بتغير أدق تفاصيل مجريات حياتنا. تظل هذه الرغبة تراودنا منذ أن أدركنا أن كل إنسان في هذه الحياة لا بد له أن يرتبط في يوم من الأيام، فيجد كل رجل وامرأة توحدت روحهما أنه آن الأوان لتوحيد حياتهما مع بعضهما البعض عن طريق ارتباط أبدي.

هنا تبدأ حكاية اثنين، وتبدأ معها حكايات جيل آخر، جيل سيكون كل من الأبوين مسؤولان عنه في أدق تفاصيله، في نجاحاته وإخفاقاته، في أحزانه وأفراحه، في صحته ومرضه، وأشياء أخرى لن ندركها إلا عندما نكون في موقف كان بالأمس مجرد رغبة فأصبح الآن حقيقة، حقيقة معناها أنك أب وأنكِ أم بين يديكما أرواح بشرية تفكر وتحس.

ما معنى أن تكون أبا أو أن تكوني أما؟

لا يُدرك المعنى هنا بالكلام ولا بالمشاهدة ولا بسماع القصص ممن لهم أبناء، فحينما نسمع حكايات آباء وأمهات عن يومياتهم مع أبنائهم نكون ساعتها فقط في موقع لا يسمح لنا بالرؤية الحقيقية للأمور ولا بإدراك حجم المسؤولية التي على عاتقهم، مسؤولية تبدأ عند اتخاذ قرار الإنجاب الذي سيكون قرار مشتركاً بين زوجين دار بينهما ألف حديث وحكاية، فيجد كل من الزوجين نفسيهما ذات صباح أنه قد انضاف إليهما دور آخر من أدوارهما في الحياة، دور الأب والأم، دور لا يحتاج إلى تداريب مسرحية لأنه ليس بمشهد تمثيلي ينتهي بمجرد إسدال ستار المسرح تحت تصفيق الجمهور، لأنه بكل بساطة لن ينتهي إلا بنهاية آخر نفس يخرج من دواخلنا، لكننا سنتقن هذا الدور مع مرور الأيام، وسنحبه بكل ما نحمله من حب وأملٍ فينا.

ستبدأ حكاياتنا مع أبنائنا في سنواتهم الأولى، سنوات الاهتمام بأدق تفاصيل أجسادهم وتقلباتها، ودوامة الأسئلة التي تدور بين الأبوين حول صحتهم، هل هم بخير؟ ونظل نركض من هنا إلى هناك للبحث عن الإجابة، وتكبر الأسئلة حولهم، فنسأل الأهل والأصدقاء ممن سبقونا في خوض هذه التجربة، فنطمئن عليهم حينا ونخاف أحياناً أخرى، نقبلهم فرحا حينما ينطقون كلمتي أمي وأبي، وتعترينا دوامة الخوف في ليلة شتاء حينما يصرخون فيها بسبب ارتفاع درجة حرارتهم فنجد أنفسنا أمام أمر لا يحتاج التأخير، فنتمنى لحظتها أن نصاب نحن مكانهم، فنهرع إلى الطبيب دون أن نرى إن غيرنا ملابس نومنا أم لا. نتنهد حين يطمئننا الطبيب أن كل ما في الأمر هو أن صغارنا قد بدأت أسنانهم في النمو، فننظر لهم بحب والابتسامة تُرسم على وجوهنا من جديد، لنبدأ معهم حكاية جديدة بنفسٍ جديد.

مقالات مرتبطة

هذا فقط مشهد واحد من المشاهد التي قد نعيشها حينما نكون داخل مشروع التربية، مشروع قد لا نملك له رأس مالٍ ولا وسائل تساعدنا على إقامته بطريقة صحيحة، وهذا أمر قد نكون بسببه غير مؤهلين لأن نكون آباء وأمهات الجيل القادم، لأن التربية لا تحتاج فقط إلى عملية جنسية بين ذكر وأنثى لتكون سبباً في إنجاب إنسان آخر، فالأمر لا يأخذ من هذا المنطلق الذي تتبناه المجتمعات التي ترفع من معدل ولاداتها وتهمل رفع معدل وعي أفرادها وعدم تبني أفكار تساعدها على بناء إنسان ذي فكر وإحساس لا مجرد رقم ينضاف إلى سجلات الولادة.

تجربة أن تكون أبا وأن تكوني أما، تستحق أن تعاش إن جعلنا من أنفسنا ذات باحثة عن سُبل العلم والمعرفة التي ستحمي الجيل القادم، لكن قبل ذلك سنولد نحن أيضا حينما ندرك حجم الفراغ الفكري والحسي الذي فينا والفكر العقيم الذي يملأ عقولنا بأشياء تعيق تقدمنا كبشر يستحق الحياة بمعناها الصحيح، كلها عوامل كانت بسبب نقص تربية آبائنا لنا، ليس لتقصيرهم في الأمر بل لعدم فهمهم لما يجب أن يزرع في عقولنا وقلوبنا لأنهم بكل بساطة هم أيضا ضحية لمشروع تربية فاشلة.

فلا عيب بأن يكون بيننا وبين جيل الآباء مفترق طرق هم في طريق ونحن في طريق آخر دون أن ننسى فضلهم علينا رغم كل شيء، لأن عوالم أزمنتنا تختلف عن بعضها البعض، ورغبتنا فيما نريد الوصول إليه ولما يريدون أن نكون عليه تجعل من الأمر أشبه بصراع جيلين، وهذا بسبب الفهم الخاطئ لفكرة التربية.

أن نربي ليس معناه أن نوفر شروط العيش من أكل وشرب ولباس وأشياء أخرى، معناه أننا سنؤدي دور الطبيب حين يمرض الأبناء، ودور القاضي حينما يتشاجرون، ودور البنك لرعايتهم مادياً، ودور الموجه حينما يصابون بالحيرة أمام خياراتهم في الحياة، ودور المراقب عندما تتغير معالم شخصياتهم، ودور الصديق حينما تجتاحهم رغبة البوح بقصصهم لنا، أدوار كثيرةُ بالنسبة لنا ولكننا بالنسبة لهم نؤدي دور الأب والأم فقط دون أن يدركوا حجم التفاصيل التي تشغلنا بسببهم.

كل هذه التفاصيل يجب أن يفكر فيها كل من يرغب في الإقدام على الارتباط وحمل هَمِ تربية جيل آخر، والاستثمار في مشروعٍ لا ربح مادي فيه، مشروع ستحتاج قبل الشروع فيه إلى البحث والفهم الحقيقي لمفهوم التربية، أن تفهم إلى أين تسير سفينة مجتمعك التي كلما أبحرت وجدت نفسها أمام أمواج فساد الأخلاق وضياع القيم.

كونك مربيا أو مربية معناه أن القيم والأخلاق هي أدواتك لتكون أهلاً لبداية مشروع التربية، أن تخوض أشرس المعارك لتبحث عن معدن ابنك أو ابنتك، أن تعين نفسك على إعادة ضبط خطواتك أمام جيل ربما لن يرحم الأخطاء التي ستسقط فيها للإبحار به إلى بر الأمان. لكن سنجنب أنفسنا الكثير من الأخطاء التي سقط فيه جيل الآباء في حقنا إذا أدركنا الفهم السليم لفكرة الارتباط قبل الإقدام على فكرة الإنجاب ثم فكرة التربية كمشروع حياة. إذا فكر قبل الارتباط!

1xbet casino siteleri bahis siteleri