أبي الذي أوقد عقلي بالسؤال

0 1٬136

أبي لم يقدم لي الاجابات، لكنه علمني فن السؤال
كان أبي، رحمه الله، من أذكى الأشخاص الذين عرفتهم في حياتي، فمع أنه فقد بصره منذ أن كان طفلا صغيرا، إلا أنه حقق أشياء لبلده، من أهمها أنه أول من أدخل تقنية البرايل للمغرب كما أنه كان من الأوائل الذين اجتمعوا حول إعداد البرامج التعليمية للأطفال المكفوفين. كان أغلبها يتمركز حول ترجمة المناهج و كذا كتابة و تحقيق القرآن الكريم بلغة البرايل. لكن أهم ما كان يميزه هو كيفية معاملته لي و أنا طفل صغير. لم أعلم أنه أبي قبل أن أدرك معنى الأبوة، كنت دائما أحسبه صديقي و كنت كثيرا ما أغضب منه، فكان يكتفي بطرح أسئلة قصيرة حول سبب غضبي و يتركني أعبر و أتفلسف، فأجد نفسي أجيب بأسئلة أخرى على أسئلته.. كنّا نمضي ساعات طوال في المحادثة في بيت جدتي التي ترعرعت بجنبها أو في الشارع عندما أتأبط ذراعه خلال التجول في أماكن كثيرة… كنا نجول مدينة الرباط طولا وعرضا على الأقدام و كنت أتسائل : كيف لرجل أعمى أن يعرف هذا الكم الهائل من المعلومات حول كل شبر من المدينة؟ !.. وكان هذا أحد الأسئلة التي كنت أطرحها عليه. لكن ما سبب كتابتي لهذه الأسطر؟

Braile 00013545
القراءة بطريقة برايل

لقد اهتممت في السنوات الأخيرة بموضوع التعليم و تقنياته الحديثة ووجدت نفسي مضطرا للبحث في مسائل بيداغوجية ثم انتقلت بعدها إلى وسائل التربية أو ما يطلق عليه كفاءات التربية Education skills. من أهم هذه الكفاءات ما يطلق عليه التفكير النقدي critical thinking و كفاءة التواصل و الاشتغال communication and collaboration

لا أعلم هل كان والدي على علم مسبق بهذه الأمور، ولكن ما كان يقوم به متمحور حول الكفاءات التي ذكرت. ففي يوم من الأيام و عندما كان سني لا يتجاوز التسع سنوات، قمت بمرافقته إلى مكتب التصويت ليدلي بصوته على الدستور المغربي المقترح، طلب مني أن أشير إلى ورقة لا و ورقة نعم، بعد مغادرتنا لمكتب التصويت أراني الورقة المتبقية لديه و كان مكتوب عليها عبارة نعم، و لم يزد كلمة.. تركني أحلل و أناقش.. كان موقفه صادما، فكيف يمكن له أن يفعل هذا و أنا الذي خرجت في صحبة أولاد الحي هاتفين أغنية نعم للدستور.. ! لكن احترامي لأبي قبل حبه، و صداقته لي قبل أبوته و خصوصا استخدامه لأسلوب الاقناع بدل التلقين دفعني إلى أطرح التساؤلات و البحث عن الأجوبة…كان يأخذ الوقت الكافي للوصول معي إلى المعاني في نهاية التفكير والتأمل و بهذه الطريقة كنت أتعلم أولا أن أطرح السؤال..

مقالات مرتبطة

ولكن ، كم هو عدد الشباب اليوم الذين يطرحون الأسئلة في حياتهم لا تتجاوز : كم الساعة؟ أو في أي يوم نحن؟ أو متى نستظهر المحفوظات ؟ .. فأنا أقول اليوم و بعد تمعن، قل لي كيف و عن ماذا تسأل؟ أقول لك من أنت !

من الأشياء التي كان يقوم بها أيضا أن يقوم باختباري في الرياضيات لكن بطريقته، و كل شيء كان وراءه هدف ما. أظن اليوم و بعد مرور حوالي ربع قرن عن ذلك ، ربما كان يهدف إلى تمريني على الحساب الذهني من خلال عمليات معقدة فيها الضرب و الجمع و القسمة و الطرح مع الاحتفاظ بجانب التشويق و الإثارة.. أتذكر عبارة “إذن باقي معك العدد ثلاثة”، فأقول له “كيف عرفت ذلك ‘أ العفريت’ ؟؟”، فيطلب مني بدوره أن أتخيل في ذهني عملية حسابية و يقول لي “لديك عشرون دقيقة للقيام بذلك و عليك أن تحرز كم بقي معي” علما أني أجهل العدد الذي انطلق منه.. كل ذلك كان يتم غالبا في الشارع أثناء تنقلنا لمكان ما..

5a9d31259c0ad47cb6187ab0dfae4b73

إذن كفاية طرح السؤال هي مفتاح مهم للتربية، إضافة إلى التواصل و فهم الأجوبة و تسلسل الأفكار و عدم قبولها جاهزة و نقدها قدر المستطاع و أخد الوقت الكافي للإجابة و ليس المهم هو الإجابة بقدر ما هو مهم فهم و تحليل كل عنصر من عناصرها. أستغرب اليوم و بعد اطلاعي على بعض الكتب المدرسية أنه يتم التطرق إلى مواضيع مهمة في حصة أو حصتين من فئة ساعتين ثم يتم الانتقال إلى مواضيع أخرى و هكذا دواليك.. لو كان الأمر بيدي لطلبت من الأساتذة أن يعلموا ابني موضوعا واحدا أو كفاية واحدة في الشهر أو في الدورة لأن ما يهم هو ما سيبقى عالقا في ذهنه و ما سيتعلمه من كفاءات لا ما سيقوم باستعراضه في آخر الدورة.. لكن الأمر ليس بيدي، على الأقل ليس في الوقت الراهن.. ذلك أنني قررت أن أحيي ذكرى أبي في البلد الذي قدم له الكثير دون أن يلتفت أحد لذلك.. سأساهم في مجال التعليم بهذا البلد السعيد بكفاءة ما يوما ما و سأطلق عليها اسم : الطاهر البوري.. فليعلق هذا الاسم في أذهانكم منذ الآن، لأنكم ستسمعونه مرات عديدة قريبا إن شاء العليم القدير