أحلام مستغنى عنها

0

يصل الشاب المغربي المحترم الذي حقق ذاته، ووصل إلى منتصف المرحلة الثالثة من حياته إلى خلاصة مفادها أنه لن يستطيع أن يقضي بقية عمره عازبا، وأن حل هذا الإستيحاش، أو هذه الرغبة الوجدانية الذكورية الجامحة في خوض غمار الحياة رفقة نصفه الأنثوي الآخر يمر لا محالة عبر مؤسسة الزواج.


لكن هذا الشاب سرعان ما يتذكر قصص أصدقائه المتزوجين الذين “تفروحوا” أو “ندموا” أو “طلقو” سواء كان سبب لقاء الطرفين هيجان هرمونات العشق، أو تدخل إرشادات العائلة أو إستخدام توجيهات العقل … تعددت الأسباب والزواج واحد.
يحاول هذا الشاب عدم الوقوع في أخطاء أقرانه. يظن بأن المشكلة تكمن في عدم توفر زوجاتهم على بعض الخصائص الجسدية والجنسية والعائلية والعقلية والفكرية والعقدية والروحية التي لا تكتمل الحياة إلا بها. والتي تتسبب في أزمات خانقة تحول حياتهم إلى جحيم وتلوث مفهوم الزواج في أعين من يراه من الضفة الأخرى فقط.
يعتقد في قرارة نفسه ما صرحت به أم كلثوم، بأن الناس ظلموا الحب وقالوا عليه مش عارف ايه، وأن العيب فيهم أو في حبايبهم، وأن الزواج في ظل الحب المتبادل هو جنة الله في أرضه إن هو وجد تلك المرأة التي يحلم بها دائما، المختلفة عن كل هؤلاء النسوة اللواتي يصلن ويجلن أمامه في الشوارع والأماكن العامة واللاتي لا يستسيغ طريقتهن في التعبير أو التفكير ولا يستطعن فهمه ولا تتوافق نظرتهن السطحية للحياة مع رؤيته الثاقبة والعميقة للأمور.
يحس مالك بأنه مختلف، وأن أسرته ستكون مختلفة، وأن البلاد ستخسر إن عاش على إنفراد ولَم يترك لها نسلا من الأسياد والرواد والأجواد.
لكل من إسمه نصيب، ونصيب مالك أن يجد زوجة تملك كل ما تفرق في الأخريات. تذهب عنه الحزن وتسعده في دنياه وتملأ عليه حياته الجافة من العواطف والمشاعر وتجعل أيامه كلها أعياد وأمجاد وسداد وأولاد وأحفاد.




لم يجد مالك هذه الكائنة التي تعشش في مخيلته منذ أمد بعيد. صورتها لا تفارق خياله وفي أذنيه صوتها الذي يهمس له كل يوم بأنها موجودة وأنها حية ترزق، تنتظره في مكان ما، وستظهر له يوما ما، دون أن تبوح له بالمكان ولا بالزمان . يحس أنها موجودة، هو الذي رسم أدق تفاصيلها لسنوات طوال، تماما كما يفعل الرسامون والمعماريون والكتّاب عندما ينجزون تحفهم العظيمة.
تحفته هو فريدة جدا، صعبة المنال، عجزت النساء أن يلدن مثلها إلى حد الآن أو ربما لم يكتب أن تلتقي الخيوط التي تنسج حياتهما. يراها ويعتبرها في مخيلته فقط : جميلة جدا ومحترمة، مثقفة وغير متعالية، ذكية ومتفهمة، جذابة وصامتة، تحضر له بمهارة ما لذ وطاب من الأطعمة والأشربة دون أن يشم فيها رائحة الثوم والبصل أو الكزبرة والبقدونس. تتقن فن الدلال والدلع، والغنج والولع. ترحل به إلى السماء السابعة، ثم تتركه ينام بسلام بعدما أن قضى وطره ليستفيق على وجبة فطور صحية شهية بسعرات حرارية قليلة تقي من البطنة ولا تذهب الفطنة. امرأة فطنة، فاتنة، فصيحة، حكيمة، كاملة، إن خاض معها في نقاشات ميتافيزيقية عميقة كالغاية من الخلق أجابت، وإن دعاها إلى مشاهدة نصف نهاية كأس أوروبا معه إستجابت. أيسر النساء مهرا، وأكثرهن بركة. أجمل النساء، وأكثرهن ذكاءا وأقلهن عنادا وصلابة … مالك لا يبحث عما يبحث عنه من هم من جنسه وسنه، هو يبحث عن شيء آخر لا يستطيع تحديد معالمهم، لذلك إختار لمن يبحث عنها من الأسماء “ملاك” لنقاء روحها وصفاء سريرتها، وإختفاءها عن الأنظار

ملاك كباقي النسوة اللاتي وصلن إلى مرحلة من النضج والفهم والمعرفة بأمور الحياة، بدأت تتوق لكي تتقاسم مع من سيهواه قلبها ذلك البيت المليئ بالفراشات وقوس قزح وضحكات الأبناء وعبارات الحب والغزل؛ لا تريد زوجا مثل مالك، لأنه قصير القامة ولا تتوفر فيه الكثير من الشروط لعل أهمها الشرط المادي الذي سيجعل منه الزوج الهمام والأب المعطاء. تعرف جيدا بأن جمالها وذكائها لا يتناسب مع أقرانه ولا مع من يحومون حولها من الذكور؛ تستشعر بل تعتقد جازمة بأنها تستحق على الأقل رجلا بوسامة بوراك أوزجفيت، وأناقة جورج كلوني ورجولة سليمان القانوني وإحساس نزار قباني وذكاء فرانك أندروود وخفة دم جيم كاري وثراء كريستيانو رونالدو وأخلاق وإيمان الصحابة الكرام البررة؛ تخاف ملاك مِن أن تندم على إختيارها إن هي فرطت في شرط من أحد هذه الشروط وورطت نفسها في زواج مثل الزيجات البئيسة التي تورطت فيها صديقاتها. ملاك لا تبحث عما يبحثن عنه من هم من جنسها وسنها، الأمان والاستقرار، هي تبحث عن شيء آخر لا تستطيع تحديد معالمه يشكله هذا الكائن الغريب الذي يتجلى لها حينما تسمع أغاني الحب والعشق والغرام أو حينما تحضر عرس أحد صديقاتها أو عندما تشاهد أو تقرأ قصة غرامية معقدة بطلتها حسناء ذات ذكاء خارق بأحاسيس مرهفة وبطلها قوي ووسيم يعرف كيف يتحكم في أحاسيسه من أجل ربح المعارك الكبرى ويضحي بنفسه من أجل الغايات الإنسانية العظيمة.




هي تعلم بأن هذا النوع من الرجال نادر جدا، لذلك تقوم بمحاولة تخفيض سقف المتطلبات والإشتراطات إلى رجل يتفهم تغير مزاجها بين الفينة والأخرى بدون أن يضجر، ويصغي باستمرار إلى حكاياتها اليومية بدون أن يتأفف، ويكون على أتم إستعداد لكي يساعدها في أعمال البيت ويأتي بكل ما تطلبه منه قبل أن يرتد إليه طرفه، ويكون على أتم استعداد لتغيير الحفاضات و اللحافات وأغطية السرير والوسائد وإطارات السيارة وطلاء وديكور البيت في كل وقت وحين، وأن يتذوق طعامها ويدقق في لباسها ويبدي رأيه الصريح والصحيح فيهما، وأن يحرك لسانه سبع مرات في فمه قبل أن ينطق بهذا الرأي لأن صراحته قد تكون مزعجة إن لم تحمل في طياتها كل معاني الحب والحنان والعطف والشكر والتقدير، وأن ترى فيه سلطة الأب الآمر الناهي الذي يحرص على سلامتها وفي نفس الوقت الأخ الذي يشد على يدها في مشاريعها ويحترم قراراتها وأفكارها المستقلة، وفِي نفس الوقت الطفل الكبير والإبن الإفتراضي الذي يرسم على شفتيها الإبتسامة تلو الأخرى إلى أن تلد له إبنهما الأول الذي سيملأ حياتهما فرحا وبهجة.
لشدة ارتباطها بهذه الشخصية التي تسكن خيالها، اختارت له من الأسماء “ملك” لأنه بالفعل كالملك – بفتح اللام – لا يظهر إلى فترات انفطار القلب لوحي العشق، ولأنه كالملك كذلك – بكسر اللام – ملك قلبها وكل وجدانها فلم تعد تريد غيره لها حبيبا …

يبقى مالك وملاك على هذا الحال سنوات عديدة وعقود مديدة، يقتنصان النقائص والعيوب والزلات عند الآخرين وينتقصان كل من يحاول الإقتراب منهما؛ يكبران ويكبر معهما أمل اللقاء ويهون عليهما هذا الإنتظار الطويل … تأتي عليهما فترات من الندم والتساؤل عن واقعية هذه الأحلام التي لم يستغنيا عنها، ولكنهما يعرفان بأن هذا هُو الثمن الذي يجب أن يدفع لقاء البحث المضني عن الملائكة. تأتى هذا اللقاء بالفعل في آخر حياتهما، هذا ما نقله الناس الذين شاهدوا ابتسامتهما وهما يفارقان حياة البشر. يقال أن الذي يموت وهو يشاهد الملائكة يبتسم … هذا ما يقال … والله أعلم !