الابتلاء بعين التفاؤل

أَسرع زَمَنٍ عَرفته الأَرض، بِضَغطِها المُهوِل وَوقع خَطوات الآدَميين السَريعة جدا، آَلَ إلى التّوقّفِ وَسَمَاع الحقيقة.

العَديد منا كَانت لَه خُطَط مسبقة قَبل انتشار الجائحة كانتشار النار في الهشيم، لَم تَكن لَنا خُطَطٌ مَرسُومة على الورق عنها أو ربما محتفظين بها فِي يومية الهاتف، بَل وَلم تَتَجهز أَنفسنا ذَاتها لِكَي تتأَقلم مَع الوَضع وَتحافظ على توازنها. كَمَا يمرّ الزّمن الذي تعودنا عليه بسرعة فَوق الأَرض بَدأت هاته الجائحة بِشَكل غير متوقع، فَأَوقفت بِذَلك نَشاطنا وَما تعودنا عَليه.

السّؤال المطروح، هَل حَقّاً مَا تعودنا عليه يُمَثلنا وَيعرفنا؟

تَوقفت أَنشطتنا، من تعلِيمٍ وَتخصص نَتبعه وِفق مَنهج مُنَظم، سَفَر حَددناه وَأَخذنا له إِجَازَة وَأَعددنا لَه العُدة، حَفلَة العمر لِتَتويج أَرواح اجتمعت، أَو رُبما خطة الفَوز بِرمضان هاته السنة بَعد فَشلٍ فِي سابقاتها. تَوقفت دون سَابق إنذار وَمعها عقولنا وَمعنوياتنا كأَننا رهينون بها، وَبقاؤنا يَستَوجب حُضورها وَتفعيلَها.

مَرات عديدة نَنسى أَننا بَشر وأننا عبيد، وَأَننا نحمل تَذكرة حياة ببداية ونهاية حتمية ستأتي وَتذهب بنا إلى يوم الحساب. مرات نَنسى حقا أنه هناك رب العالمين أقرب لنا وأَعلم بحالنا وأننا إليه راجعون وَأنه {إِذاَ قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون} وَأن قدره مُحتم جارٍ بِه في سطح الأَرض مفعول فِي المخلوقات، نَنسى أَن المَوت عَلى قَدر مَا هو قَريب على قَدر مَا سيكون في يوم من الأيام مرئيا لنا نراه وَيَذهب بنا بعيدا، فَماذا أخذنا وما تركنا فِي أَماكننا؟ مرات نَنسى أن الزمن يسري وَ سري معه عقولنا وتتكيف وَلا تقف هُنيهَة لأخذ نَفس عميق ولو دقيقةً للصمت وَالتفكر فِي مَا نحن عَليه. مرات ننسى أَننا نفكر في كل شيء إلاّ في أنفسنا الحقيقية.

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: ((عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ.))

مقالات مرتبطة

قد أفلح من زكاها

من كل زاوية!

كن أنت كما أنت!

وَعندما ننطق بِحَديث فهو قَول خاتم النبيئين حبيب الله، المُوحَى إليَه بالحَق، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام لاَ ينطق عنِ الهَوى إن هوَ إلا وحي يوحى. وَالجميل في الإسلام أَنَّ كلامه يَنطبق عَلى أحداث شتى بِمَا أنها هي الأخرى مخلوقة.

فالابتلاء أَمرُه كلّه خَير على النّاس عَامّةً إذا آمَنوا بِخَيره، لذَلك خصّها رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمن من غَيره لما يلتمس فِي كل عثرة حَسنات وَبشائر لما هو قَادم. فَالطّبيعي في صلاتنا أَننا نلتمس أَول أمر مِن سورة الفاتحة وَالذي هو الحمد في “الحَمْدُ لله رَبّ العَالَمِين” فهو حَمدٌ وتضرع وَاستسلام لما آلت له الأمور لرب العالمين، والعالمين تعني كل شيء ما عدا الله سبحانه وتعالى، فهو رب الناس والحيوانات والجماد وحتى الابتلاءات ومُنَزلها لحكمة مُعَيّنة يَكتشفها الحامدون، وَيطمِسها الساخطون.

فأمر المؤمن كله خَير، إن أصابته سراء فَبلغته فَضمّت قَلبه وَ نفّست على روحه ضغط الدنيا فَرِحَ، فَشكر رَبّه وَتضرع له في السجود حش/مداً له عَلى نِعمَه. وَإن أصابته ضَرّاء فَتسربت إلى دَمه وَأزاحت عن عينيه النّوم وَخرت قِواه حتى لَم تعد تَحمله، فَتضرع مرة أخرى للمولى عز وجل وَصَبر على ابتلائه وَزَاد فَوق ذَلك شُكراً في “الحَمد لله رَبّ العالمين”. يرينا رسول الله صلى الله عليه وسلم انقلاب أَحوال مؤمِن مِن نور إلى ظَلام، وَمن سُرور إلى غم، وَطُمَأنينة إلى طُمأنينة، فَقلب المؤمن الحَقّ لاَ يُزَلزله انقلاب الأَيام وَالحياة بِمَا أنها فَانية، كَشجرة طَيبة جِذعها فِي نهر الكَوثر كله صَبرٌ وَإيمان وَفرعها أَوراق خَضراء من الطمأنينة يحصدها حين الفرح وَحين البلاء.

فِي مثل هاته الأَوقات أذكر قَولَ ابن تيمية رحمه الله حين قال: “مَاذا يصنع بِي أعدائي؟ جَنّتي وبُستَاني في صَدري أَينما ذهبت أَحملُهما معي، سِجني خلوة وَنفيي سياحة وَقتلي شهادة”، الشيخ يؤمن حقا بأن دَوام الحال من المحال، أَن استقرار مخلوق غَير ممكن، وَأَننا نحن نتحكم فِي زمن الابتلاء وَنديره كما نريد في حدود مَا فِي أيدينا، فَنحن مُسَافرون في هاته الأَرض نضطرب وَنَقع، وَيشتد وقوعنا وَيكأنه نعل شخص يَسحق عظامنا، ثُم ننقسم لشخصين، شخص ينهض أكبر من صاحب النعل، وَشخص يبقى طوال حياته تحت النعل وَ تلك سنة الله فينا، يُعطينا على قَدر حب الحياة فينا وَعلى قدر نياتنا نُرزَق، وَمن ظَن في الله شيئا أعطاه إياه وَإن كَان فِي أعماق المحيط.

وَيكفينا بذلك صَبر الأنبياء على ابتلاءاتهم وَاستغلال ذَلك فِي ما يفيد أَنفسهم فيهذبوها ليكونوا أَقرب بالابتلاء لله.

إِنّنا نحتاج حقا لفترة نَبتعد فيها عن صخب الحياة وَزخمها لكي نعيد ترتيب ذَواتنا، فكيفما هناك صُرَاخ نُديره ونَراه أمام أعيننا، هناك صراخ آخر فِي ذواتنا يستغيث مولاه، يسأله الدواء.

1xbet casino siteleri bahis siteleri