التداوي بالقراءة

لستُ أدري إن كانت تجربتي مع القراءة تستأهل أن تُروى ويطَّلع عليها الآخرون، أغلب الظن أن لا، لكن ما يحملني على إذاعتها هو اعتقاد فيَّ راسخ مُؤدَّاه أن التجارب الشخصية -مهما بدت صغيرة وحقيرة- يمكن أن تصير ذات نفع وأثر بليغين إذا تحقق فيها شرط الصِّدق، ولم تشُبها شائبة كذب أو خيانة، أقول الخيانة لأن المرء إذا نسب إليه تجارب الآخرين وادَّعاها لنفسه فقد خان؛ خان نفسه التي بين جنبيه، وخان المُحيطين به ممَّن يتوسَّمون فيه الخير والقدوة. والصِّدقُ خير كلُّه، حقَّا وصدقًا.

إن نقطة التَّماس الأولى بين الإنسان والقراءة لا بد لها من باعث يُعجِّل بالوصول إليها وحافز يوقظها من مكمنها، وتتباين هذه البواعث بتباين الأزمنة والأمكنة والظروف التي تحيطهما؛ فمن الناس من توفرت له سبل الراحة، ففتح عينيه أولَّ ما فتحهما على أبوين قارئين يختلفان إلى مكتبة المنزل في اليوم مَرَّات، فما إن أصبحت الحُروف طوع لسانِه حتى سارع إلى اكتشاف هذا الإطار الخشبي الذي جعل والديه في شُغل عنه، فكانت لحظة التماس. ومن الناس من تأخرت عنه تلك اللحظة السحرية بعض الوقت، حتى اكتهل وبدأ الشيب يَخِطُ رأسَه، فكان باعث لجوئه إلى القراءة ما عانى من هشاشة العلاقات وزيف العواطف وتتابع الخيبات ومُرِّ التجارب، فالتمس المعونة -بغية إعادة بناء نفسِه وترميم ما فسُد منها- من شخصيات ورقية تفي إذا وعدت، وتُنجد إذا أُنجدت، وتكتم إذا أُخبرت.

أما أنا، فلا هذا ولا ذاك، وحدَها الوحدة تناولت يدي وأخذتني إلى هذه العوالم التي لم يدر بخَلَدي قطُّ أنها كائنة، فانتشلتني من فراغ مَخوف ومُخيف [=الأمر المَخوف ما يخافه بعض الناس كالظلمة، والمُخيف ما يخافه كل الناس كالموت، وإنما استعملت كليهما لأني لا أعلم على وجه التحقيق ما إذا كان الفراغ يخيف ناسًا دون ٱخرين، أم أن سلطانه يسري على بني آدم كلِّهم] من فراغ عشتُ تحت ظلالِه السُّود لأشهر، وسط غرفة معزولة عن العالم وعن المدينة. جعلتني الوحدة أتلفَّت يمنة ويسرة كالمحموم يبحث عن قرص دواء مفقود، فألفيتُ الكتابَ خير منقذ والقراءةَ خير فعل. وصدق عبد الفتاح كيليطو، في كتابه لن تتكلم لغتي، لما قال في لحظةِ تعبير صادقة: “إن الأدب كثيرا ما ينقذنا من الوحدة، بمعنى أنه يساهم في تخليصنا من خواطرنا السيئة المخجلة، أو على الأصح يجعلنا نعيها ونفكر فيها.” فالفراغ -اعتمادا على هذا المعطى- مهما بدَا سيئا وكالِحا، إلا أن المرء بعد التفكير والتأمل يدرك أنه لحظة من لحظات الحياة ليس غير، تأتي على الإنسان شاء أم أبى، رضي أم لم يرضَ، فلا حاجة إذًا إلى التضايقِ منه وأخذِه مأخذَ الجد وإحلالِه منزلة لا يستحقها، وينسحبُ هذا الأمر على كل العواطف والمخاوف، لا على الفراغ وحده.
ثم إن القراءة بعد طول الدُّربة وكثرة الممارسة تجعلُكَ -وتأمل هذا جيدًا- تحِبُّ قَدَرَكَ، لا أن تقبل به على مَضَض، وفي نفسك أشياءُ تواريها؛ لأنك تحتكُّ بصنوف من البشر لا يحصيها عَد ولا يحُدُّها حَد؛ أُناس فقدوا ما لم تفقد، وحُرموا ممَّا لم تُحرم، وعانوا مما لم تعانِ، ودخلوا السجن الذي لم تدخل، وفُصلت رؤوسُهم عن أعناقهم، ورأسك -والحمد لله- لا تزال مستقرةً بين كتفيك. أُناس لم يطعموا ما طعِمتَ، ولا ناموا على الفراش الوثير ما نمتَ، ولا عاشوا بين أُسَرهم ما عشتَ. والآن، ألن تحب قدرك بعد الذي سمعتَ؟! ومن أحب قدره، فهو سائر إلى قطف نصيبه من الحكمة: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]

أضيف وأقول: إن القراءة تجعلك تُجِلُّ ما يحتقره الناس، وتحتقر ما يجلونه؛ ليس رغبةً منك في تفعيل القاعدة التي تقول: “خالِف تُعرف”، بل لأنك تكتسب مع فعل القراءة بَصمَتكَ الخاصة في هذا العالم، أو بتعبير أقرب، يصبح لديك مِنظار ترى به الأشياء غيرَ المنظار الذي أَلِف الناس الرؤية من خلاله، وبذلك تخرج من القالب المُمِلِّ الذي أُفرغ فيه الناس كلُّهم، وتصنع لنفسِك قالبا يحتويها. ولكن احذر، هو قالب ضَيِّق غيرُ متَّسع، فقيرُ الأثاث لا بهرجةَ فيه، لكنه مع هذا وذاك، قالب جميل، تتبدل ألوانه ويتغير أثاثه كل يوم، بالضبط، في اللحظة التي تتناول فيها كتابًا جديدًا، وتهُمُّ بالقراءة…!
______________
*استلهمت عنوان المقال من مُؤلَّف سعيد ناشيد الموسوم ب “التداوي بالفلسفة”، وهو كتاب قيِّم لمن شاء الاطلاع عليه. وإنما أخرجتُ فعل “التداوي” من سياقه الذي أراد به الكاتبُ الفلسفةَ وحدها، وجعلت التداوي مُمكنًا بفعل القراءة كيفما كانت، سواء قراءة الأدب أم التاريخ أم غيرهما من المعارف.
والله أعلى وأعلم وأجل وأكرم.