الحاضر أحسن أم الماضي

ثمة سؤال شائع في المناخ العام يقول: “الحاضر أحسن أم الماضي”، ولأنّ السؤال متعلق بالرأي الشخصي، فإن الجواب عنه ليس أكبر وأعقد كما يصفه البعض، لأنّ كّل فرد له موقفه الفكري والعقدي أيا كان شذوذه، وقد يدهش المرء لرأي غيره في أمر لغرابته، وهذا واقع لا مناص منه، بيد أنّا لو أبصرنا السّؤال بدقة وجدنا أن الماضي مازال حيّا محفوظا يلقي بظلاله على العديد من جوانب الحياة الحالية، وهذا لا يدلّ على الحسم والقطع بأن الماضي أحسن من الحاضر، فما حقيقة الأمر؟

لا يدّعي أحد أنّ الماضي لم يكن له فضل الأسبقيّة بكل حركاته وأنشطته على الحاضر، فهو بمثابة أساس متين للحاضر، إذ بدونه لا الحاضر ولا المستقبل، والمعروف أن الماضي جاد بكثير من النبغاء سواء في مختلف المجالات، وأخيلتهم واسعة جدا إلى أبعاد كثيرة، وتتميز بمميزات عديدة، إلا أن محتوى كل إنتاجاتهم تفتقر للتنمية وتتطلب إعادة بناء هياكلها من جديد، وتقديم الخدمات لها ذات العلاقة بمختلف مجالاتها وفق منهج يسمح بمعالجة الأمور بكافة أبعادها المختلفة. إن لم يكن كذلك، فلماذا يحتاج بعض مؤلفات علمائنا في الماضي إلى التحقيق والدراسة، وبعضها إلى الشرح والتعليق عليها، وإضافة إلى ذلك فهل محاولة “عباس بن فرناس” للطيران هي نفسها المستعملة اليوم، أو حصل التطور والتغير لها من طرف اللاحقين، طبعا حصل التغيير والتطوير لها، إلا أنّ الفضل يرجع إليه على كلّ حال، وينطبق نفس الشيء على كلّ من قام باختراع شيء في الماضي أو ألّف شيئا.

ومن ناحية التأليف، فقد وقفنا على بعض العلماء الذين تيقنوا أن ما ألفوه أحسن بكثير ممّا أُلّفوا في الماضي بمختلف مشاربهم، إلا أنهم يعطونهم فضل الأسبقية، وخير مثال لهذا المقام، اعتراف “أبو القاسم الحريري” صاحب مقامات الحريري للهمذاني الذي جاء قبله بقوله:

فلو قبل مبكاها بكيتُ صبابة *** بسُعدَى شَفَيتُ النَّفسَ قبل التَنَدُّمِ
ولكن بَكَتْ قَبْلِي فَهَيَّجَ لِي البُكَا *** بُكَاءً فَقُلتُ (الفَضلُ للمتقدمين).
وكذلك صنيعة ابن مالك في ألفيته لابن المعطي حين قال:
وتقتضي رضا بغير سخط *** فائقة ألفية ابن معطي
وهو بسبق حائز تفضيلا *** مستوجب ثنائي الجميلا.

وإن كانت هناك رواية تقول بأنّ هذا الاعتراف جاء بعد رؤيته لابن معطي في المنام قائلا له: “والحي قد يغلب ألف ميت”، وذلك بعد بيت قاله”فائقة ألفيته بألف بيت”، ومهما صحّ هذا فقد ثبت أن ابن مالك اعترف له بالفضل والسّبق. والحقيقة؛ فألفية ابن مالك أحسن وأحكم من ألفية ابن معطي، لكونها جاءت من بحر واحد وهو الرجز، والأخرى جاءت من البحرين الرجز والسريع. ومع ذلك، فلن نجزم في الأمر لأنه بدون السابق فلا لاحق، وأن الحاضر لا ينفك أبدا عن الماضي. فابن معطى هو أوّل من استخدم مصطلح الألفيّة التي شاعت في القرون المتأخرة في ألفيته المذكورة والمسمى “الدّرة الألفيّة” بقوله:

تحويه أشعارهم المرويّة *** هذا تمام الدّرة الألفيّة.

ولولا أنّه استعملها لما فطن إلى ذلك ابن مالك لتسمية خلاصته “ألفية”. ألا ترى أن السيوطي الذي جاء بعد ابن مالك نظم ألفية في النحو، وادعى أنها فائقة ألفية ابن مالك بقوله:

مقالات مرتبطة

فائقة ألفية ابن مالك *** لكونها واضحة المسالك

فلولا أنّ ابن مالك نظّم الألفيّة، فقد لا يخطر ببال الإمام السيّوطي وضع ألفيته، وإن كان بعض العلماء يقولون بأن ألفيته لا تكاد تفهم، المهم ثبت أنه وضع الألفية وادّعى ما ادّعي فيها. وقد جاء بعد السيوطي العلامة نور الدين الأجهوري ونظم ألفية في النحو، وادّعى أنها فائقة ألفية السيوطي بقوله:

فائقة ألفيّة السيوطي *** لكونها محكمة الربوط

وقد رأينا كيف يكمل بعضهم بعضا وإن كانت قلوب الناس تأوي إلى بعضها أكثر من بعض، ولعلّ الآتي بعدهم جميعا يدّعي تفوق ألفيته على جميع هاته الألفيات، وقد يكون أنا أو أنت أو غيرنا.

فهذا وذاك دليل قاطع على أنّ هناك مداخل للتكامل بين الماضي والحاضر، فالفضل لمن بدأ كما كان الفضل لمن ختم، وقد عُرف العلماء والمفكرون في الماضي بذكائهم الفذ، كما منح الله تعالى فئة معينة منهم عقلا راجحا، وعلما غزيرا، وحظا أوفر، وهممهم عالية، وذكرهم خالد بيننا، نظرا لإبداعاتهم وإسهاماتهم العلمية في مختلف المجالات، والتي تعتبر توطئة وتمهيدا لأخلافهم. وبالمقارنة مع الظروف التي جرت فيها تلك الإسهامات العلمية المتميزة في الماضي والظروف الراهنة، فإن البعض يرى أنه حدث تغيير في المناخ الفكري، وذلك بسبب ظهور التكنولوجيات التي لم يكن لها وجود في الماضي، وربما كان لنشأتها واتساع أفقها سببا في انهيار شحذ العقول وقصر الهمم، فهذا زعم لا يصدر إلا من حدثاء الأسنان.

فإني أرى أننا من نتغير، ولا علاقة بالتكنولوجيا وأضرابها في تغيرنا؛ فالإنسان المدمن على الكسل وعدم إجهاد الفكر والمطالعة، غالبا ما يبحث عن عذر يتكئ عليه للتبرير، من هنا جاء دور التكنولوجيا لتشحذ همته الضعيفة التي يحملها، فإذا سُئل عن سبب ضعفه، لن يجهد حتى يحمّل الوزر على التكنولوجيا.
يقول الإمام الشافعي:

نعيب زماننا والعيب فينا ** وما لزماننا عيب سوانا

أخيرا؛ وبصرف النظر عن كلّ ما يقال عن اضمحلال العقول واختلافات الزمان والمكان فإن العلم نور من الله، والله يختص بنوره من يشاء، سواء كنت كبيرا أو صغيرا، رجلا كنت أو امرأة، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فالماضي والحاضر متلازمان دائما لا ينفك بعضهم عن بعض، وليس لأحد تفضيل زمان عن آخر، اللهم إلا إذا ثبتت الأفضلية بنص شرعيّ وإلا فلا. ورحم الله ابن مالك إذ قال في التسهيل: وإذا كانت العلوم مِنَحًا إلهية ومواهب اختصاصية، فغير مستغرب أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر فهمه عن كثير من المتقديمين. فبهذا قطعت جهيزة كل قول خطيب، والله وليّ التوفيق.

1xbet casino siteleri bahis siteleri