السهل الممتنع

1٬831

لو خرجنا إلى شارع، وأوقفنا مجموعة من الناس فجأة وبشكل اعتباطي، وسألناهم عن النموذج الأفضل الذي يحلمون به للعيش، أو يرونه أقرب إلى أن يحقق لصاحبه هناء واطمئنانا ورضى أكبر، أو باختصار: ما يصطلح الناس على تسميته بالسعادة، لوجدنا أن ما من فرد إلا وهو يُضمر تصورا بعينه للسعادة. قد تختلف هذه التصورات إلى حد التباين، وقد تتشابه إلى حد التطابق. وسنجد أن الكثير من هؤلاء سيميلون إلى ربط الأمر بتحقيق أشياء تعد في ميزانهم كبيرة، من شأنها أن تجلُب لهم السعادة التي يحلمون بها. فمنهم مَن سيميل إلى حياة الوفرة والترف والغنى، ومنهم من سيميل إلى حياة العلم والجاه والشهرة. وغير مهم صواب هذه الفرضيات من عدمه، بقدر ما يُهم أن كل شخص له مقاربته الخاصة للسعادة. وهذا المقال يحمل على عاتقه أن يبيّن للقارئ الكريم أن منظوره للسعادة أحيانا قد يكون هو العائق الحقيقي لتحقيق هذه السعادة، وأن الأمر في الكثير من الأوقات لا يحتاج إلا إلى تغيير الرؤية والتصور. والأمر بقدر ما يبدو سهلا فهو ممتنع على الكثيرين.

ففي أوقات كثيرة نشغل أنفسنا بأمور كبرى، نتوهم أن بإمكاننا التحكم في مسارها، والحد من تأثيرها على حياتنا. وهي أمور تختلس من أعمارنا أوقاتا كثيرة ونحن نحاول فك ألغازها، ومعرفة أسباب حدوثها، تتشكل أحيانا على شكلٍ أحداث مَضتْ، نتحسر على فواتها أو على كيفية وقوعها، وأحيانا تأتي على شكل خوفٍ وترقب لأمور مستقبلية، نتوقع حدوثها، دون أن نكون متأكدين منها.

كثيرة هي الأسئلة الوجدانية والوجودية التي لا نملك الإجابات عنها، أو نملك إجابات لا تُعجبنا، تثير صدمتنا، فنحاول تجنبها. حقائق قاسية نتوجس من الاقتراب منها، نعلم أنها سوف تصعقنا، وتجعل ما نحاوله في مهب الريح. نجلس بين الأنام، نأكل مما يأكلون، ونفعل ما يفعلون، نضحك لنكاتهم وإن لم تكن مُضحكة، نبتسم في وجوههم وإن كنا على وشك الانفجار، لكن أرواحنا تحلّق في أمكنةٍ أخرى، وفي عوالم أخرى. نحاول أن نُضفي على وجودنا معنىً، وأن نفهم الحكاية بعمق، وأن نُحكم السيطرة على القضية، نخترع الرموز والألغاز لإيجاد معنى يُرضينا، نربط بين الأحداث لإيجاد تفسير يُقنعنا ويُفهمنا ما يدور من حوالينا، وما يجري في حياتنا. وفي غفلة منا نكتشف أن القضية قد صارت أعقد، وأن الأمور صارت بخلاف مبتغانا وغايتنا: قد تعقدت أكثر مما كانت عليه من قبل.

ولعل التحدي الأكبر الذي يقف في وجوهنا كل يوم في حياتنا هو كيف نجعل هذه الحياة أكثر بساطة؟ وكيف نمنع أنفسنا من الانشغال بأمور معقدة ومتعبة، ثم لا نحصل منها على طائل؟ كيف نتحسس السعادة في تفاصيل حياتنا البسيطة؟ كيف لا نغفل عن جمال لحظاتنا الآنية ترقباً لزمن وأحداث لـمَّا تأتِ؟ كيف نوقف استنزاف أعمارنا في انتظار الأوقات المناسبة؟ ومتى نعلم أن كون الأمور سهلةً لا يمنع من أن تكون جميلة وعظيمة وذات فائدة جليلة؟ ومتى نختار الطرق السهلة لسعادتنا؟

ما زالتْ مشكلتُنا الكبرى في عدم التصالح مع ذواتنا، لم نقتنع بعدُ أننا كائنات ضعيفة، وأن الضعف جوهر في خلقتنا، وأن الله أرادنا هكذا حتى نلتجئ إليه في كل الأوقات. فإذا أدركنا ذلك سوف نتوقف، ولا بد، عن المحاولات اليائسة لإخفاء ضعفنا، والظهور بمظهر الإنسان الجلد القوي، الذي لا تقهره صروف الدهر، ولا تقلب الأيام.

كَم من شخص تجده يقضي عمره القصير وهو شارد الذهن، مستغرقا في ذكريات ذهبت وانقضت، لم يجد إلى نسيانها سبيلا. يحنّ إلى أشخاص قد مضوا إلى أمورهم، وانكبوا على إيجاد طرُق جديدة في حياتهم، وهو ما زال يتذكرهم بمرارة، وبشوق تنفطر القلوب. انقطعت صلته بهم، وخاض تجارب أخرى جديدة، لكنه لم يزل يتذكرهم برقة قلب وانكسار نفس؛ كانت الندوب أكبر من أن تُشفَى بسنة أو سنتين. وبعض الندوب تتطلب أعمارا لتزول، وما زوالها إلا بموتٍ، أو قريب منه.

وكم من شخص طوال عمره وهو يفكر في مشروع معين، كلّ غايته وحلمه أن يقدر على إخراجه إلى الوجود يوماً، حاول ولم يستطع، فظل يقضي ما تبقى من عمره متحسرا عليه. وكان سيتجاوز ذلك كله لو أنه أدرك الفرق الكبير بين أن تورد وبين أن تفعل، بين أن تحلم وبين أن تحلم بما تستطيع. ومن حق النفس على صاحبها أن يَقِـيَها مخاطر الخلط بين الواقع والخيال، بين الحقائق والأوهام، وأن يُبصّرها بما عليها أن تكون على بصيرة منه. فإذا نحنُ نجحنا في ذلك زاد تقديرنا لأنفسنا، وازداد منسوب رضانا عن أنفسنا، وذلك أمرٌ عزيز لا يُنال إلا بعد كدٍّ وسعي حثيثين.

مقالات مرتبطة

نقلق لما يظنه الناس بنا، ونُنزله في اهتماماتنا منزلة المهم الذي لا ينبغي التفريط فيه. نترقب أفعالهم، نحاسبهم على أقوالهم، نغضب إن هم قصروا في التفاعل إيجابا مع كلامنا واقتراحاتنا، وكأننا نستقي قيمتنا من انطباعاتهم عنا، وتلك أم المشاكل وأبوها؛ فما لم نُوجّه أجهزة المراقبة إلى دواخلنا، والبحث عن الإشباع الذاتي فينا، سنظل دائما “تحت رحمة الآخرين”، يوماً نُسَرُّ، ويوماً نُساء، دون موجب للأول ولا الثاني. والحكمة تُفتي علينا أن نجعل مواقف الناس وردودَ أفعالهم في درجات دنيا من الأهمية، وأن لا نحاول تقييمها أو التفكير فيها، طالما أنها، إن لم تكن سببا لشِقوتنا، فإنها لا تؤدي إلى سعادتنا. وفي تعبٍ مَن يَرضى عن نفسه برضى الناس عليه، وسيطول تعبُه جدا، إذ لا مطمعَ في إرضاء الناس، كل الناس، وفي كل حين. والمتوقف على الممتنع ممتنعٌ.
الدرس هنا هو: أن تغدو وحيدا وسعيداً؛ أن لا تفتقد شعور السرور والارتياح، أكنت وحدك أم مع أحد غيرك؛ أن لا تتوقف سعادتك على أشخاص لا يؤتمن جابنهم من التقلب، أن يصير وجود الأشياء وعدمها سواء، كل طاقتك وسعادتك مبعثها من داخلك. أن ترجو أن يشعر الناس بما تشعر، أن يروا الحياة بالبساطة نفسها التي تراها بها. أن يكون تعلقك بأهدافك النبيلة الشخصية والعامة أقوى من أي تعلق آخر بالأشخاص والأشياء. أن تتوقف عن القلق عما لا يجب القلق منه، وذلك يقتضي من غير شك معرفة المائز الحقيقي بين ما يجب القلق منه وما لا يجب.

بعد أن نحقق كل ذلك سندرك أن الحياة في نهاية المطاف سائرة بأحداثها بما اخترناه منها وما لم نخترهُ. ولا بد أن يأتي يومٌ يكون آخر أيامنا، وهو معلوم وإن جهلناه أو تجاهلناه، وكل ما هو آتٍ، آتٍ. فإذا صح هذا، وجب أن تكون أبصارنا شاخصة إلى ذلك اليوم. وأن نتوقف لنتحسس أماكننا الآن، أين نحن؟ وإلى أين نسير؟ أن نتيقن من الوجهة، وأن نضبطها جيدا؛ فمن أخطأ الوجهة امتنع وصولُه، وسوف تطول رحلته وتعبه، ولن يصل. وقد يكون يسعى في هلاكه وهو لا يدري. وما أكثر من استعجلوا ذهابهم إلى حتفهم، وسقوطهم من قمة برجهم، في الوقت الذي كانوا يحسبون أنهم في سبيل نعيمهم المقبل.

لا شك أنه أمر يعسر على الفهم أن تَصرف كلَّ طاقتك، وتُفني عمرك باحثا عن شيء لم تتحققه، شيء كالسراب، أو هو السراب عينُه. والحال أنك لم تكن بحاجة إلى كل ذلك الجهد والطاقة، وقد كنتَ تحتاج إلى قليل من التأمل لتفهم ذلك. إنه لأمر يعسر على الفهم أن تُجهد نفسَك في سبيل شيء هو بين يديك يلوّح لك، وينادي ويقول: ها أنا ذا. لم تُدرك أن سعادتنا في تفاصيلك التافهة، وأنها لا تحتاج إلى البحث عنها في الأمور العظام؛ فعظام الأمور بطبيعتها نادرة. أنت تحتاج إلى شيء من السكون والاطمئنان والجلوس إلى نفسك، والاقتراب منها. أن تجلس وتركن إليها، وتبدأ سَفرا هادئا من التأمل في الوجود وفي الموجودات ومآلاتها. وبعد وقت، ستدرك، وسيكون إدراكك عظيما. ستقول: يا لي من أبله! ما أشد بؤسي إذ كنت أعمى عن أن أرى ما بين يدي. ليست السعادة بكثرة المال ولا الجاه، إنما بشيء نَصل إليه في فهمنا لذواتنا وتصالحنا معها، ونفوذنا إلى بواطنها، ثم في الإقبال على الناس وتقديم يد العون، وفي مجالسة الصالحين منهم.

وبعد؛
فقد بعثني على كتابة هذا المقال خبرا قرأته قبل أيام في أحد المواقع، وهو أنه بيعت ورقتان فقط بخط ألبرت أينشتاين في دار للمزايدات بالقدس بمبلغ كبير يصل إلى 1.56 مليون دولار، وهما ورقتان أعطاهما أينشتاين لساعي بريد في طوكيو في سنة 1922، ضمّنهما نظريته للسعادة، وكانتا عوضا عن البقشيش الذي يُقدَّم لأولئك الذين يقدمون مثل تلك الخدمات. وقد قال له أينشتاين: “إن كنت محظوظا، فإن هذه الورقة ستكون ذات قيمة”. كان وقتَها في اليابان لتقديم بعض المحاضرات، وهناك علم بفوزه بجائزة نوبل. لم يكن لديه مال ليقدمه لذلك الشخص، فاستعان بورق الفندق، وكتب له بالألمانية: “ستجلب حياةٌ هادئة متواضعة سعادةً أكبر من السعي وراء النجاح والقلق الذي يأتي معه.” ومع أن أينشتاين كرّس حياته كلها للعلم، لكنه يعلم أن تحقيق هدف تصبو إليه منذ أمد بعيد لا يضمن لك السعادة.

وبعد ثانيةً؛
فإن العيش في العصر الحاضر بمثابة ابتلاء، لأن عمرك سيمر وأنت لا تدري فيما ذهب. فما أكثر ما يستنزف الأعمار في هذا العصر: مبارايات في كرة القدم، مشاهدة التلفاز، الألعاب الإلكترونية، مواقع التواصل الاجتماعي بكل أطيافها وأسمائها، الهواتف الذكية، الحاجات المستحدثة وغيرها. فيمر عليك اليوم وكأنه ساعة، لا تشعر به قط. ولعلنا نعيش في زمن فقدان الإحساس بالزمن. وغير خافٍ أن الإحساس بالزمن هو الخطوة الأولى للتخلي عن كل العادات السيئة، أن تُدرك أن الوقت شيء ثمين، وأنه لا يعوض، وأن فواته في غير فائدة خسارة كبيرة. وقد أحسن الأوّلُ إذ قال:

إذا مر بي يومٌ ولم أستفد هُدى *** ولم أكتسب علماً فما ذاك من عمري.

ما أخلَقَ بنا أن نوقف هذا النزيف: نزيف أعمارنا، والتي تذهب في أمور تافهة، وأن نحاول شُغلَها بما ينفع دنيا وآخرة، فالعمر قصير، ولا يتحمل تضييعه وقضاءه في الندم على ما فات، والقلق مما سيأتي. ولَعيشُ لحظة واحدة، تختلي فيها بنفسك، وتتأمل فيها بديع صنع الخالق في خلقه، لأفضل من كل حياة الهرج والفوضى والضجيج التي نقضي فيها أعمارنا في هذا العصر. وإذا عرفتَ، فالزَم.