الكتابة ترياق الأوجاع في زمن الخذلان

0 1٬152

الحياة لا تتوقف أبدا، مهما نال الإنسان منها من أفراح وأحزان… نعيشها بحلوها ومرها تارة تنصفنا وتارة تصفعنا، لنصاب بخيبات أمل نظن أنها النهاية، حينما لا تجد من يشاركك همومك وأحزانك حينما تتصادم الأفكار السعيدة والأفكار الحزينة ، حينما تشعر بالأمل أحيانا وبالاكتئاب عدة مرات ، حينما لا تجد من يجف دموعك ومن يمسح على رأسك بحنان وإن غاب الإتقان.
مسكة قلم واحتضان دفتر، نظرة مقلتيك لتلك الحروف المنسكبة على الورق، وكأنها تلتصق بجانب بعضها حتى تكتب ما بالداخل، تعزف لحنا للحياة ، تدون كل المكبوتات التي تسكن الفؤاد وقد تأبى أن تخرج للواقع المعاش، تترجم الأحاسيس التي لا يستطيع لسان الحال التكلم بها والتعبير عن ما يختلج النفس من مشاعر وتخيلات….. فالكتابة هي أنجع طريقة للتخلص من الأحزان.

نكتب في جميع حالاتنا الفرح والحزن والغضب…. ليس مهما ما نكتب وما تقييمه وجودته، الأهم هو التخلص من الطاقة السلبية عبر الكتابة عما تخطه أيدينا حينها يتملكك إحساس أن كل أوجاعك تخرج من أصابعك حتى ولو لم ترى النور ولو لم تشاطر أحدا.
الحروف التي نسكبها في الأوراق البيضاء أو الشاشات البيضاء تبدو كقطرات مطر متناثرة تبلل صحراء مزاجنا فتزهر، نعم نكتب حتى يتحسن مزاجنا ونتناسى مشكلات الحياة ونعود إلى مشاغلنا بمعنويات مرتفعة ورغبة جامحة في العطاء. فالكتابة قارب يقود إلى الأمل الهارب، تقربنا من الحياة التي نتوق إليها ولم نصل لها.

نكتب لأن الحزن أعظم وقود للإبحار والفرار ومن كثرة ضغوط الحياة، تبقى همومنا حملا مزعجا على نفوسنا حملا ثقيلا يحني الظهر وحيث أن حالات الضعف التي تصيبنا هي مفيدة للروح المنهكة. حينما تأخذ القلم بين أصابعك وتطلق العنان لأحاسيسك، وتعترف بضعفك أمام الورق أنك عاجز على ان تغير ما يزعجك ، لحظات الضعف هاته التي تعجل الإنسان يبوح بكل ما يختلج الصدر هي شفاء ودواء. فبعد عملية البوح يتبادر الى الذهن السؤال الذي لا نستطيع الحسم فيه هل نستطيع استحمال كل ضغوطات الحياة ومشاكلها اليومية ؟

الجواب ليس صعبا لكن الحلول متشعبة قليلا بين وديان أنواع عقبات الحياة، فالقاعدة المطلقة أن الأشخاص الذين يصمدون ويتجاوزون المحن لهم أهداف واضحة وضوح الشمس، مؤمنين بها بالقدر الذي يجعلهم قادرين على تخطي الصعاب… فالإيمان بهدف كيف ما كان ما هو إلا أول خطوة لتحقيقه كي يجد البوصلة للمسار الصحيح الذي يوصله إلى بر الأمان.
ورقة وقلم ثم كلمات لتفريغ شحنات الغضب، فبمجرد فك شفرة الهموم و محاولة فك تشبيكة المشاكل على صفحة بيضاء ، هو العلاج الفعال لمواجهة النفس بأزماتها. وأن الشخص المسؤول الذي يمتلك كل السلطات التشريعية والتنفيذية على أنفسنا هو نحن.. نحن الداء والدواء، نحن المرض والعلاج… نحن نكتب من الأضواء المذابة فينا، من الأشعة الوقادة في نفوسنا، من البريق النابض في قلوبنا، من السناء القادح في عقولنا، فتصيره نورا وهاجا يجري في دمائنا، ليخلص العتمة المدسوسة فينا من العتمة.نعالج أنفسنا بأنفسنا لكي نضمن وجود شخص دائم التواجد ودائم المساعدة طول الوقت.. فكل من ننتظر منهم أن يداووننا يرحلون في زمن الخذلان. لكن أنفسنا لن ترحل وتتركنا أبدا.. لن تتركنا حتى الموت.. لن تتركنا إلا حينما تترك أرواحنا أجسادنا.. لذلك فاستعينوا بأنفسكم في حل مشاكل أنفسكم.. فهي الباقية حينما يرحل الجميع.
الكتابة هي نوع من الفضفضة، ليس حبا في الكتابة وليس إبداعا في الصور البلاغية ولا تخيلا للقصص الدرامية وهدفا في امتاع القارئ بل مجرد فضفضة عند الضيق الشديد أو الألم فطقطقة على جهاز الحاسوب وتعبير عن مشاعر ثم مسح للصفحة كأن شيء لم يكن،هي دواء ناجع للألم.
قلم يشكو للورقة وهي تسمعه بحنان، بدفء، بتفهم، فهي خير من أن يشتكي اللسان لبعض البشر، ورقة لا تسئم! لا تتذمر! فقط !تستمع إليك بهدوء، وتترك القلم يخطو بها من هموم، ومشاكل دون تذمر دون ملل وبعد ذلك تكتم سرك وهمك.
وعندما تنظر إليها مرة أخرى، تريك بأن همك ما كان سوى شيء من ضغوط الحياة ،حقًا إنها متفهمة لذلك بخلاف البشر الذين يعتقدون بأن حديثك وشكواك لهم ما هو إلا ضعف منك أو أنهم يشفقون عليك.
الكتابة أنبوب الأوكسجين نحن نكتب لنتنفس لا أكثر هي البلسم الذي يهبنا الحياة في عالم شبه ميت ، جاف المشاعر ، الجميل في الكتابة أنها تصبح أحياناً حالة مبادلة فمرة تكتب شعورك ومـرة تجد نفسك بين حـروف شخص لا تعرفه ، فهي لا ترد الغائبين بل تقرب الغرباء في زمن انقرضت فيه
الغائبين بل تقرب الغرباء في زمن انقرضت القيم والأخلاق الإخلاص والوفاء.