المرأة التي عنّفت زوجها

عندما كنت صغيرة كانت أمي ترغمني على توضيب فراش إخوتي الذكور الأكبر والأصغر مني رغم رفضي لذلك، حيث كنت أجد ذلك منافياً لمبدأ المساواة بين الإخوة الذي كانت تلهمني به فطرتي، عندما كنت أمرض لأيام كنت أُرغم على طيها رغم مرضي، سألتها مرة لماذا لم يوظب أحد فراشي عندما كنت مريضة؟ لكنها لم تجبني..

عندما كنت أعود من المدرسة مساء وأدخل المطبخ، كنت أتناول الجزء الأصغر من الطعام لأنني كنت أعرف أنها تركت الجزء الأكبر لأحد إخوتي الذكور.. كنت أحصل على ملابس العيد مرة في السنة بينما كانوا يحصلون عليها مرات عديدة، عندما قدمت قريبتي لزيارتنا مرة وخيرتني بين كثير من الهدايا اخترت وببراءة أصغرها لأنني كنت مؤمنة أن الذكور يستحقون الأفضل.. نهرتني قريبتي حينها وكأنها فهمت سبب اختياري وترددي حينها..
عندما تعرضت للتحرش أول مرة من طرف قريبي لم أخبرها ولم أخبر أبي بذلك لأنهما لم يسمعا قط لشكواي من إخوتي عند ضربهم وتعنيفهم لي.. كانت تخبرني أنهم رجال وأنني “ولية” ومن حقهم ضربي حتى وإن لم أفعل شيئا يستحق الضرب، عندما كنت أطلب منهم أن يصنعوا لي نسخة من مفتاح البيت كي لا أضطر للانتظار في كل مرة لا أَجِد فيها أحدا يخبرونني أن الذكور فقط من حقهم امتلاك مفاتيح البيت، وأنني فتاة سأغادر بيتنا عاجلا أم آجلا، عندما كبرت وتقدم رجل لطلب يدي، لم أكن أنا من وافقت على الزواج بل كان أبي وأخي الأكبر.. تكلفت فقط بجمع أغراضي ومرافقة زوجي إلى البيت الجديد.

عندما بدأ زوجي بتعنيفي لأتفه الأشياء لم أشتك يوما، لأنني اعتدت على العنف والسب بأقدح الكلمات في منزل والدي، كنت أظن أن تلك المعاملة هي المعاملة العادية التي تتلقاها كل امرأة في العالم، عندما استمر في طغيانه اتصلت بأمي وأخبرتها أنني مغلوبة على أمري وأن الجسم لم يعد يحتمل ضربا أكثر.. فطلبت مني أن أصبر وأسكت لمصلحتي.. لأن المرأة لزوجها ولبيتها، لها خرجتان؛ واحدة من بيت والدها إلى بيت زوجها، والثانية والأخيرة من بيت هذا الأخير إلى قبرها..
مرات، كنت أتمنى أن أمتلك القوة الكافية لأثبّته على كرسي وأذيقه ألم تلك اللكمات القاسية التي كان يوجه لي كل يوم تقريبا بدون سبب، كان علي أن أصمت، ألا أتكلم وأن أصبر على ألمي حتى لا أوقظ الصغار.. لكمات كلفتني ضرسا وسنا وفكا مكسورا وكرامة تنزف.. كنت في كل مرة أعود من بيت والدي إلى بيتي بعد أن أكون قد قضيت معهم نهاية الأسبوع، أَجِد سريري مبعثرا، وعليه شعرات من خصلات شعر أنثى ليست لي. كنت أنظف المكان وأسكت.

مقالات مرتبطة


كان يعنفني بلسانه بقدر مايفعل بيديه ورجليه اللتين تركلانني بدون رحمة، كان يشد عنقي ويجرني إلى المرآة “انظري كم أنت بشعة، تف..”، لكنه لم يكن يعطيني شيئا ولم يكن يشتري لي ملابس ولا أحذية، ولا شيئاً مطلقا، كنت ألبس الملابس التي جئت بها من منزل والدي فقط. لكم غسلت شعري بسائل تنظيف الأواني لأنه كان السائل المنظف الوحيد المتواجد بوفرة في البيت. “لكنني كنت جميلة قبل سنوات، لذلك تزوجتني..” هكذا كنت أردد في نفسي، لكن لم أكن قادرة على النطق خيفة أن ينقض علي ويرفسني رفسا أمام أولادي ليزيد جروحهم عمقا.
عندما رزقت بابني الأول ضربه والده قبل أن يتم السنة لأنه استيقظ باكيا في الليل وأزعجه.. وظل يضربهم جميعا على أتفه الأسباب حتى صاروا يخافون من كل شيء. عندما كبرت و كبر أولادي قليلا وكثر عنف زوجي واستشرى جبروته علينا جميعا، ازددت صمتا و بؤسا، كنت في نهاية العشرين لكنني أبدو في الخمسين، كنت أنظر إلى أبنائي كل ليلة وهم نيام وأبكي في صمت.

اتصلت بأمي لأخبرها أنني تعبت وأن السيل بلغ الزبى وأنني سأعود لبيت أبي دون نية العودة إلى بيت زوجي مرة أخرى، فأخبرتني بصوتها المرتجف أن المرأة لزوجها وبيتها وأولادها.. أجبتها -بشجاعة وحزم لم أعود نفسي عليهما مطلقا.. شجاعة انبثقت من عقود الذل والصمت- أن الزوج الظالم والبيت الذي عشت فيه مع أولادي القهر لم يعد لهما أهمية، المهم هم أولادي.. فلا رغبة لي بأن يصيروا منعدمي شخصية مثلي، ولا عديمي إنسانية مثل أبيهم.. حملت نفس الحقيبة التي وظبت يوم زفافي وعدت إلى بيتنا.. لست وحيدة هاته المرة بل مع أبنائي… عدت لأعلمهم مافاتني من دروس في الكرامة..”.
هكذا حكت قصتها، ببرود مُحيِّر تارة، و بحماس منقطع النظير تارة أخرى، لكنها كانت واثقة جدا من كل كلمة خرجت من ثغرها وفؤادها حينها. سألتها بعد تردد: “واليوم ماذا صرتِ؟” أجابتني بثقة لا تظهر إلا على محيى الجنود الذين يخرجون منتصرين من معارك ضارية لا تعرف الرحمة: “حصلت على الطلاق دون أن أحصل على أي تعويض لأنه اتهمني بأنني أعنفه وقدم شهادة طبية تؤكد ذلك للقاضي.. كان الأولاد هم ورقته الرابحة لأتنازل على كل شيء، اعترفت بأني أعنفه، وتنازلت عن التعويضات مقابل أن يكبر أولادي معي، عشت في بيتنا سنة بعدها، ثم انتقلت مع صغاري لبيت صغير مستقر، تعلمت الخياطة وصناعة الحلويات وبدأت مشروعا صغيرا كبر الآن وأكملت بالموازاة دراستي. صرت مستقلة وصار أطفالي بدورهم شبابا مستقلين أكملوا دراستهم ويعيشون اليوم حياة كريمة.
معركتي لم تكن ضد أحد أبدا، معركتي كانت ضد نفسي، يوم تغلبت على ضعفها، فعلت أشياء لم أتجرأ يوما أن أتخيل أنني سأفعلها، حاربت ضعفي وتغلبت عليه، أنا لست حاقدة على عائلتي ولا على زوجي السابق، لست حاقدة على أحد. كانت معركتي من أجل الكرامة، من أجل أولادي ومن أجلي، وذلك ما كان”.