بين استعباد الوظيفة وإباحية ريادة الأعمال

لعله من الـمُسلَّم به أنه ما من مجتمعٍ إلا وله “عقل جمعي” وهي النظارات التي منحها لنا المجتمع لكي نرى بها العالم، يُوحِّد معايير اختيارات أفراده، ويحدد معالم توجهاتهم في الحياة. وما من شك أن للنظام التربوي تأثيرا حاسما في تشكيل هذا العقل الجمعي؛ ذلك أن المدرسة هي المؤسسة الاجتماعية الأولى المسؤولة عن تكوين الشخصية الأساسية لكل مجتمع، وهي المسؤولة عن الحفاظ على ثوابته واختياراته الكبرى. وعليه، فإذا كانت من غايةٍ لأي نظام تربوي فهو أن يُخرِّج مواطنين لهم قدرة على التكيف مع مجتمعاتهم، من خلال اكتساب المهارات والكفايات اللازمة لأجل ذلك. وكلما نجحوا في هذا التكيف كانوا أقربَ إلى الشخصية النموذجية الأساسية التي يعتبرها هذا المجتمع ناجحة. وفيما يخص حالة مجتمعنا المغربي، فإن التوفر على وظيفة قارة يعتبر شرطا لازما، وسمة رئيسة من سمات الشخصيات التي يعتبرها المجتمع شخصيات ناجحة.

غير أن السؤال الذي يثار هنا هو: هل تربية الناس وتوجيه اختياراتهم إلى البحث عن الوظيفة والتعلق بها بشكل مرَضي أمر إيجابي؟ أم أن في الأمر جوانبَ سلبية عديدة، سواء على مستوى الأفراد أم على مستوى المجتمع ككل؟ والجواب بسيط للغاية، وهو أن هذه التربية على البحث الدؤوب عن الوظيفة، والتعلق بها له آثار سلبية على الأفراد وعلى الاقتصاد الوطني ككل.

تتجلى هذه الآثار على مستوى الأفراد في ضعف الرواتب وعدم كفايتها لتحقيق طموحات الموظفين البسطاء، وما يترتب عن ذلك من تأثير سلبي على الالتزام الأخلاقي للأفراد، وقد يؤدي أحيانا إلى اضطرابات نفسية مترتبة عن فقدان المعنى في حياتهم؛ وتتجلى آثارها السلبية على مستوى الاقتصاد الوطني ككل في كون كتلة الأجور تصبح مرتفعة، وبالتي تثقل كاهل مالية الدولة، والتي يذهب معظمها إلى مجالات غير منتجة، مما يؤثر سلبا على نمو الاقتصاد الوطني. فهذه خلاصة القضية، لو أردنا إجمال الكلام. فأما التفصيل فهو المتضمَّن في بقية هذا المقال.

مع ظهور الفيسبوك وباقي مواقع التواصل الاجتماعي، وتحوّل الناس إلى مشاركة حياتهم الخاصة مع العموم، ومشاركة كيف يقضون إجازاتهم، سواء الأسبوعية أو غيرها، صار الكثير من الشباب المغاربة يحلُمون بالنجاح والتميز وعيش حياتهم وَفقا لهذا النمط. فتجد هذا الشاب أو ذاك يحلم أن يكون له بيت واسع في حي فاخر، وأن يملك الوقت الكافي لفعل ما يحب مع من يحب، وأن يقضي إجازاته في الجزر والشواطئ الرملية الذهبية السحرية مع زوجته وأولاده، وأن يقوم بجولة حول العالم، وأن يصبح رائدا في الأعمال الخيرية، وأن يوفر لأولاده مقعدا دراسيا في أعرق الجامعات العالمية، وأن يرى أحفاده في أحسن الأحوال، ثم يموت في سلام وقد حقق أحلامه، وأرضى الخالقَ والمخلوق.

ومن تم، فقد أصبح الاعتقاد في الوظيفة يتزعزع، وإن بشكل يسير. إلا أن الكثير من هذه التصورات لا تعدو أن تكون أحلاما في الغالب، يفتقد أصحابها إلى المهارات اللازمة والتخطيط الجيد والقدرات المادية لتحويلها إلى مشروع حقيقي يحقق تلك الطموحات، فضلا عن أن تصوراتهم لمجال الأعمال ولحياة روادها يشوبه الكثير من الغبش، بل ويدخله الكثير من الوهم.

وقد تنبه عماد أبو الفتوح إلى هذه الظاهرة، فكتب مقالا جميلا سماه: إباحية ريادة الأعمال: لماذا أصبح الجميع مهووسا بلقب المؤسس؟
وهو يرى في هذا المقال أن الكثير من الناس اليوم يحلمون أن يغيروا، جذريا، من أوضاعهم الاجتماعية، وأن يعيشوا حياة مترفة على نمط حياة المشاهير العالميين، وأن يقضوا معظم حياتهم في الأسفار والرحلات والفنادق الفخمة، ويسافرون في نهاية الأسبوع كل مرة إلى عاصمة أوروبية مختلفة، وأن يعيشوا في كل مرة تجربة جديدة مختلفة؛ وهي الصورة التي يقدمها هؤلاء الرواد الكبار عن أنفسهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

وأما وصف هذا الأمر بالإباحية ففيه نوع من الاستعارة أو التشبيه لحياة المشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي بالجنس في الأفلام الإباحية، فكلاهما يختلف عن حقيقته في الواقع. فالجنس كما يمارسه كل الناس في غرف نومهم يختلف جذريا عما يُقدَّم للمدمنين لمشاهدته، وكذلك يفعل هؤلاء المشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي. ويمكن أن نعمم، دون مخافة لوم، أن الحياة على مواقع التواصل الاجتماعي هي أشبه بحفلة تنكرية، وليست حقيقية. فالجميع يريد أن يقدم للناس حياته كما يحبها أن تكون، لا كما هي في واقع الأمر.

لكن السذّج من الشباب، الذين لم يحققوا ما يكفي من النضج، يتوهمون أن العيش على ذلك الغرار بشكل يومي هو فعلا أمر ممكن، وأن الأمر لا يحتاج إلا إلى تأسيس مشروع أو شركة شخصية. وهم لا يدرون نسبة الشركات التي تم تأسيسها كل سنة، لكنها تموت قبل أن يحول عليها الحول. وهؤلاء يقعون ضحية وهمٍ آخر، وهو أنهم يتخيلون أنفسهم لهم مواهب معينة، وربما حاولوا تقليد رواد الأعمال المشهورين في العالم كبيل غيتس أو مارك زوركربيرغ أو غيرهما، دون أن يكون لهؤلاء الشباب الوعي الكافي الذي كان لهؤلاء في بداياتهم، ولا نفس القدرات والمواهب ولا نفس الصبر والتريث وعدم استعجال النتائج.

نعم، من الواضح أن شركتك إذا نجحت، وكنت رائد أعمال ممتاز، فستعيش حياة أكثر ترفا وحرية من غيرك، وأحسن بكثير من شخص آخر، ليس أكثر من مجرد موظف صغير في شركتك. والوظيفة، كما قيل، هي عبودية القرن الواحد والعشرين، لأنك تَنذُر حياتَك كلها لتلك الوظيفة من أجل الحصول على راتب هزيل في آخر الشهر، قد لا يكفيك لقضاء حاجياتك الأساسية. وهذا، عند التأمل فيه، هو بالضبط ما كان العبيد يفعلونه في وقت سابق من تاريخ البشرية؛ يعملون ويكدون ويُرهقون أنفسهم، فقط من أجل الحصول على الطعام والمسكن والملبس الذي يكفيهم لسد حاجتهم.

بمعنى آخر، إن التحرر من الوظيفة والاعتماد على عمل شخصي أقرب إلى أن يوفر للشخص الظروف اللازمة لعيش حياته بالطريقة التي يحب، أي على نمط يسمح له باكتشاف تجارب جديدة، وتعلم مهارات جديدة، وممارسات هواياتاه المفضلة، بخلاف الموظف الذي يعيش يوماً واحدا يتكرر. وقد ذهبت الممرضة والكاتبة الأسترالية بروني وير في كتابها “أهم خمسة أشياء يندم عليها المرء عند الموت” بعدما عاينت المئات من المرضى وهم يعيشون آخر لحظات حياتهم إلى أن من أهم الأشياء الأساسية التي ندموا عليها هي أنهم لم يعيشوا حياتهم بالشكل الذي يحبون، بل كانوا يعيشون حياتهم بالشكل الذي يتوقع الناس منهم، ولذلك هم يختارون مهنتهم بناء على توقعات الناس لهم، ويشترون سياراتهم من النوع الذي يُشبع فضول الناس، ويتزوجون من المرأة التي يرتضونها لهم، ويعاملونها بالطريقة التي يحددونها لهم. وهكذا يقضون حياتهم محاولين إرضاء توقعات الناس، فإذا حضرهم الأجل ورأوا رأي العين أنهم أضاعوا فرصتهم الوحيدة في الحياة فيما لا طائلَ منه، وماذا يزيدك رضى الناس، حتى يُنقصك إياه سخَطُهم؟

واختيار المرء للمهنة التي تكون مصدراً لرزقه أمرٌ ينبغي أن يفكر فيه مليا، دون أن يراعي رأي الناس فيه، وما ينتظرون منه، ذلك أن الممرضة بروني تُخبرنا أن هؤلاء المرضى الذين استجوبتهم، الكثير منهم كان نادماً على طول الوقت الذي قضاه في العمل، وخاصة الموظفين منهم الذين كانوا مجبرين على الالتزام بالنظام والوقت المحدد للدوام. فيقضي معظم حياته في مكاتب للقيام بوظيفة تافهة روتينية، ويبقى على ذلك لعشرين وثلاثين سنة، فإذا اقترب أجله تملّكهُ الندم أنه أضاع فرصته الوحيدة في العيش بين مكاتب فارغة.

فكيف يمكن الخروج من هذا المأزق، إذن، والتحرر من أسر الوظيفة وفي نفس الوقت عدم الوقوع ضحيةً للأوهام التي لا تتأسس على شيء يُعوَّل عليه؟

التوفيق بين هذه الثنائية هو بالضبط ما يجعلنا نزعم أننا بحاجة إلى تربية وذكاء ماليين، وإلى مشاركة تجارب ناجحة في ريادة الأعمال وفي تأسيس مشاريع ناجحة، بعيدا عن تسويق الأوهام للناس سواء تعلقت بالاستقرار الوظيفي أو بالتميز والريادة في مجال الأعمال.

لعل أول شيء يجب أن نتحدث عنه ونحن بصدد الحديث عن الذكاء المالي هو العقلية -Mindset، التي ينطلق منها الشخص، والقدرة والقابلية التامة لتحمل الفشل والصبر على الألم الذي قد يتولد عنه، ذلك أن الكثير من المشاريع تبوء بالفشل في النهاية، فالمؤسسون كثر، والناجحون في الاستمرار قلة. والمشاريع الناجحة ليست ملقاة على الطريق يعثُر عليها كلُّ مارّ، بل لا بد من إنشائها، والإنشاء هنا يقتضي الإبداع والتخطيط الرشيد، وذلك كله متوقف على أن يكون للشخص مستوى معينا من الوعي الاقتصادي والذكاء المالي يُعينانه على النجاح. والنجاح لا يكون منذ الضربة الأولى بالتأكيد، بل لا بد أن يسبقه عدد لا بأس به من المشاريع والمحاولات الفاشلة. وأخطاء البدايات، والتي تكون بدائية أحيانا، لا مفر منها، ولا عصمةَ لأحد منها. وأما مَن لا يريد الوقوع فيها فيَلزمه أن يكف عن الفعل مطلقا؛ ذلك أن الإنسان ما دام يَفعل ويُبادر ويحاول فسيظل يُخطئ.

ومن المفيد أن أستدعي هنا ما سُمي بقانون الجهد المهدور، وهو قانون معروف في الطبيعة، وخاصة لدى الحيوانات، فالأسود في الغابة نسبة نجاحها في محاولات الصيد لا تتجاوز الربع، ومعظم بيض السمك يتم التهامه قبل أن يُفقص، ومعظم صغار الذبابة تموت قبل البلوغ، ومعظم الأمطار تهطل في المحيطات، ومَبْـيضَي المرأة ينتجان العديد من البويضات، وفي الأخير بويضة واحدة هي التي يتم تخصيبها وينتج عنها إنسان، وأما عند الذكر فملايين الحيوانات المنوية يتم إهدارها، وهو، في النهاية، لا يحتاج إلا لحيوان منوي واحد أو اثنين أو ثلاثة بحسب رغبته في عدد الأولاد، وقس على ذلك مجالات أخرى ككرة القدم؛ فمن أفضل اللاعبين، إن لم يكن الأفضل على الإطلاق، في تسديد الضربات الثابتة القريبة من المرمى، اللاعب الإنجليزي دافيد بيكهام، ولكن في الواقع نسبة نجاحه في التسجيل منها لا تتعدى 9.5 في المائة، وهي نسبة ضعيفة، هذا مع أننا قلنا: إنه الأفضل في هذا الباب على الإطلاق.

وقانون الجهد المهدور حاضر بقوة في جوانب عدة من حياتنا، فأنت إذا كنت طالبا وأنت مقبل على الامتحان، لا يكون أمامك إلا أن تقرأ المقرر الدراسي، الذي تم تقريره عليك في فصل دراسي معيّن، مهما كانت قناعاتك بجدواه وفائدته، ولكنك في النهاية لن تمتحن إلا في جزئية صغيرة من هذا المقرر. فلا بديل ولا مندوحة لنا عن المحاولات تلو المحاولات، مهما خابت وكيفما كانت نتائجها، لأن ذلك هو سبيلنا الوحيد للنجاح فيما نحاوله.

وأكبر دليل على ما قلنا هو الواقع نفسه، فيكفي اختيار أي شركة من الشركات العالمية، اليوم، والرجوع إلى بداية تأسيسها، ومعرفة كم قضى مؤسسها من الوقت وهو يخطط لها، بل وكَم راكم من التجارب، التي لا تخلو من تجارب فاشلة، لنعلم أن الأمر فعلا يتعلق بقانون، وأن النجاح له أسباب تفسره، وتَجعله أمراً معقولا، وليس ضربة حظٍّ، تتوقف على حماس الشباب والأحلام الهلامية.

وقد وقفتُ على دراسة لجامعة ويسكونسين قام بها فريق من الباحثين حول خمس آلاف شخص من رواد الأعمال ورؤساء الشركات، وتوصلت إلى أن الذين سبق لهم أن كانوا موظفين في شركات غيرهم كانت نسبة نجاحهم في تأسيس مشروعهم الشخصي مرتفعة بشكل ملحوظ، تزيد على نسبة نجاح الذين لم تكن لهم هذه الخبرة بنسبة تفوق 33%، وهي نسبة كما لا يخفى مرتفعة في هذا المجال. وما ذلك إلا لأن هؤلاء قد راكموا من التجارب ما يسمح لهم بتفادي الأخطاء. وهذه الدراسة نفسها أثبتت أنه من الأفضل أن تكون موظفا كبيرا في شركة ناجحة من أن تكون رئيسا ومؤسسا لشركة ناشئة، وأنت خلوٌ من أي خبرة أو تجربة سابقة.

وطبيعي أنه لا يعني أنك إذا أنشأت شركة فستصبح ناجحا وغنيا، وخاصة إذا لم تكن تتابع بعناية شديدة، كل الجديد في المجال الذي تنتمي إليه شركتك. بل بالعكس من ذلك، ستكون مهددا في كل وقت لأن تقع في الإفلاس أو التراجع. وشركة نوكيا في هذا الباب أفضل مثال، فبعد أن كانت رائدة في مجال الهواتف المحمولة، لا نكاد نسمع عنها شيئا، اليوم، إلا في بعض المجالات المحدودة من غير الهواتف. فتأسيس وإدارة مشاريع خاصة هي أيضا لا تخلو من متاعب ومخاطر، لكن إذا كان ولا بد للإنسان أن يتألم ويقاسي بسبب العمل، فليكن ذلك في عمل يحبه ويختاره، وكلما كان هذا العمل مشروعا خاصا كان ذلك أفضل وأحسن. فإذا لم يمكن تفادي الألم على الإطلاق، فلا أقل من أن نختار الشيء الذي نتألم من أجله وبسببه.

ومن اللازم عند حديثنا عن الوظائف أن نبين أننا نقصد الوظائف العادية، والتي تستنفذ عمرك مقابل راتب هزيل لا يلبي احتياجاتك الأساسية فبالأحرى التكميلية. وأما الوظائف المرموقة والسامية، فأشياء أخرى، إذ لا تكون بطبيعتها تقتضي وقتا أطول، ومع ذلك توفر لك راتبا ضخما، يُجنّبك التفكير الدائم في الاقتصاد في النفقة والتزام حياة متقشفة احتياطا للحاجيات الطارئة كحالات المرض وغيرها. لكن ما نسبة الوظائف المرموقة في المجتمعات مقارنة مع باقي الوظائف؟ بالتأكيد هي نسبة صغيرة لا تُذكر. ويمكن القول: إن الوظائف، باستثناء الوظائف المرموقة، ليست إلا سجنا يرتاده الناس طوعا وكرها. وقد أحسن بعضهم الوصف حين قال: “معظم الناس يموتون في الخامسة والعشرين، ويُدفنون في الخامسة والسبعين”. في إشارة إلى الروتين اليومي القاتل الذي يقضي فيه معظم الموظفين حياتهم، هذا الروتين بفعل التكرار الدائم يفقد الإنسان معنى حياته.

نعم، قد يَضطر الإنسان إلى البدء بوظيفة في حياته، وهو أمر مرغوب فيه، ليكتسب الخبرة اللازمة. وما ليس مرغوبا فيه هو أن يقضي حياته كلها في تلك الوظيفة، وهو يقوم بالشيء نفسه، ويتلقى الراتب نفسه.

وقد استبشرتُ خيرا حين عاينتُ منذ مدة بعضَ أصدقائي يأخذون قرارا شجاعا بالتخلي عن الوظيفة والاتجاه إلى الاستثمار في مجالات يحبونها، واستشعرت ذلك التحسن الملحوظ في نفسياتهم وفي إقبالهم على الحياة، فبعد أن كانوا يستثقلون مرور الوقت، أصبحوا أكثر حيوية، وصار شعورهم وإحساسهم بالزمن متغيرا، فصار الوقت بالنسبة إليهم ثمينا للغاية، ولم يعودوا يتمنون مرور الشهر ليتوصلوا بذلك الراتب الهزيل الذي يكونون في الغالب قد أنفقوه وهم لم يتوصلوا به بعد.

إن مثل هذه القرارات تتطلب شجاعة كبيرة، وإقبالا على المخاطرة، مع البُعد في النظر، والقدرة والقابلية للنهوض بعد السقوط، كلما تكرر ذلك؛ أن لا يعرف اليأس طريقا إليك؛ أن تُصبح أكثر جلداً كلما واجهتَ مشكلة، كلما أخفقت في صفقة؛ وأن تُصر على المواصلة إلى أن تحقق ما تريد، وترى تلك الطموحات والأحلام وهي تتحول أمام ناظريك إلى واقع ملموس. وحينها لن تضطر إلى الاقتراض من أحد في آخر الشهر، ولن يُساومك أحد في التزاماتك الأخلاقية مقابل عرَض من الدنيا قليل.

وبعد؛
فإن التربية المالية، في خضم هذه الأزمات الاقتصادية العالمية المتكررة، أصبحت تتبوأ مكانة متقدمة فيما يجب علينا أن نعلمه لأولادنا، فقد صار واجبا على الآباء أن يعلموا أبناءهم طرق ربح المال الحلال، وأن لا يغرزوا فيهم ذلك الوهم المتعلق بالاستقرار في الوظيفة العمومية أو ضرورة التحول إلى عبيد من درجة سامية لشركات رأسمالية متوحشة بالحصول على عمل فيها؛ صار واجبا لازما عليهم أن يجنبوهم أن يعيشوا حياتهم رهائن لوظائف تقتل فيهم الحياة؛ أن يعلموهم أن الهدف الرئيس من التعليم والتعلم هو اكتساب المهارات اللازمة للإقبال على الحياة، لا لإقبارها داخل روتيني يومي قاتل؛ أن يعلموهم أن الله قد كرّم بني آدم، وخصّه من بين سائر مخلوقاته بالعقل، ليبقى دائم الإبداع والإنتاج والتطور. وقبل ذلك وبعده، أن يصيروا أحرارا وأن يعيشوا بكرامة، دون أن يكون لأحد القدرة على أن يساومهم على هاتين القيمتين من رئيس العمل أو غيره.