حائط المبكى الافتراضي

يصادف هذا الأسبوع، الذي لم يكن جيدا على الإطلاق، سفري إلى الحدود التركية-السورية، وهي مكان يكتظ باللاجئين السوريين الذين يعانون الويلات بسبب الانزياح من دورهم ومنازلهم فرارا من الموت وأملاً في الحياة. معاناة وحياة ملؤها المآسي تلو المآسي، لا يمكن أن تُقارَن ألبتة بالظروف التي يمكن أن يعيشها أي مواطن مغربي، مهما كانت أكثر قسوة. لكن الكثير من المغاربة، وخاصة من مستوطني الفيسبوك، لا يتوقفون عن إرسال الشكاوى والطاقة السلبية العابرة للشاشات. فتجد الواحد منهم يجلس في المقهى طوال النهار، وجزءا من الليل، وهو يبث السموم المثبطة للعزائم، والمنغصة للأمزجة، وهو يحتسي قهوته السوداء، ثم يعود متأخرا إلى منزله ليجد حصته من العشاء قد تُركت له على مائدة الطعام في المطبخ. ولوفائه الشديد لفلسفته السوداوية، فهو يحرص على أن ينشر منشورا قبل أن ينام يعبر فيه عن رضاه عن الأوضاع في البلد.

في حين تجد هذا السوري، اللاجئ المسكين، الذي طحنته الحرب طحنا، وترك كل ما يملك خلفه، تجده ما زال يتمسك ببصيصٍ من الأمل في أن تُصبح الأمور أفضل مستقبلا، وأنْ يعود إلى منزله ولا بد في قادم الأيام، وأن يعيش مع ذويه وعائلته ما شاء الله أن يفعل. فإذا شرَعتَ في المقارنة بين الموقفين هالَك ما تكتشفه من التناقض، وهالَك ما تجده من اختلاف العقليات والنفسيات والقابلية للنهوض ومواصلة السير.

تعيش يوماً عادياً، تستيقظ صباحا متوجها إلى عملك، وكلك أمل وطموح ونشاط، تعمل بكل جد ونشاط، دون أن تشتكي من سوء معاملة أو رد من أحد، ودون أن تعبر عن ضجرك من تصرف تراه لا يليق، ثم تعود إلى منزلك مرهقا، فتفتح حسابك على الفيسبوك فتنفجر في وجهك أنواعٌ لا تحصى من الشكاوى والطاقة السلبية التي يتم إفراغها في الفيسبوك. تجد أن الشخص يتذمر لأسباب تافهة، لا تستدعي كل ذلك. تحاول أن تفهم تلك النفسيات فلا تستطيع، لأن الأمر أشبه بإرادة التذمر، لا أكثر ولا أقل. وكأنه لا يحقق وجوده إلا إذا تذمر واشتكى، وأعلن سخطه على البلاد والعباد.

وأنت عزيزي القارئ حين تتأمل في عددِ هؤلاء الذين يعبرون في كل مرة عن رغبتهم في هجر هذا الوطن، وعدم العودة إليه مرة أخرى ولو على سبيل الزيارة وصلة الأرحام، سيُفزعك الأمر! وستتساءل في خاصة نفسك: إلى أين نحن ذاهبون لو أُتِيح لكل هؤلاء فعلا أن يغادروا هذا الوطن؟ مَن سيبقى هنا؟ ولِمن سنَكِلُ أمرَ هذا الوطن من بعدنا؟ ولكن هذا التخوف سرعان ما ينكشف ويزول؛ ذلك أنه من الصعوبة البالغة جدا أن يكون كل من تمنى الهجرة تتاح له. فالهجرة إلى بلد أجنبي تتطلب من المرء أحد ثلاثة أمور: فإما أن تكون لديه القدرة اللازمة لتحمُّل ضغط العمل الكبير في الدول المتقدمة، سواء في أوروبا أو غيرها من دول العالم؛ أو أن يملك من المال ما يسمح له بالانتقال وتأسيس مشاريع شخصية تُمكّنه من العيش هنا؛ فإن لم يتوفر فيه أحد هذين الشرطين، فيجب ويتعين عليه أن يكون قد راكم مساراً دراسيا محترماً يُؤهله لشغل مناصب محترمة لا تتطلب الكثير من الجهد. ومن لم تتوفر فيه هذه الثلاثة، أو أحدها فيتعذر عليه أن يهاجر إلى أي بلد كائنا ما كان، لأن ذلك سيكون انتحارا سيكلفه ما لا يخطر على باله.

وفضلا عن ذلك، إن مَن يريد الهجرة لا يُجاهر بها على الملأ، أو في مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما يضع مِقْعَدتَهُ على الأرض، ملازما مكتبه وكرسيه دراسةً وتخطيطا للمسار الجديد الذي سينخرط فيه، عساه يشُقّ طريقه ويحقق ما يريد.

وليس معيبا أن نعبر عن سخطنا من حين لآخر، وأن نُبرز وجهات نظرنا في أحداث ووقائع تمسنا وتمس بلادنا ومواطنينا. وإنما المشكل حين يتحول هذا الأمر إلى شبه عادة وإدمان، يكون مقصودا لذاته، فيجلس الشخص يشتكي طوال اليوم، دون أن يبدي رأيا سديدا، أو يَتقدم بمقترح معقول، أو يكتشف بدائل وجيهة قد تساعد على تجاوز تحدٍّ ما. المشكل حين يتحول الشخص إلى مدمن لهذا النوع من السلبية الخالصة، فلا هو يُفكر في تأسيس مشاريع شخصية جديدة، ولا هو مستعد لأن ينخرط في مشاريع غيره قائمة، ولا في أعمال تنموية، أو مشاركات ومبادرات جمعوية. غايةُ أمره أن يشتكي، ويا ليته يبدي آراءً شخصية محترمة، تتسم بالحد الأدنى من التماسك المنطقي، وتنتج عنها فائدة مشكورةٌ من خلال تعيين مسؤول عن الحادث، أو تحديدٍ لأسباب المشكل، واقتراحٍ لأوجهٍ من الحلول الممكنة.

وقد كانَ ممكناً أن يكتُب الشخص بدلاً من ذلك، تدوينات معقولة، تتناول بالدرس والتحليل مشاكل اجتماعية حقيقية، ويبلغها إلى من يعنيه الأمر، وربما يوجه أصابع الاتهام إلى المسؤول عنها. وقد يبث الأمل في متابعيه وقرائه، ويدعوهم للانخراط في مسار الإصلاح الذي لا يُبرّئ الذات، وإنما يجعلنا جميعاً نتحمل جزءا من المسؤولية من تلك الأوضاع التي تثير سخطنا. ذلك أن الأفضل ممكن دوما، وأن بإمكاننا أن نجعل الأمور أقلَّ سوءاً، لو صح منا العزم والإرادة، وأدى كلُّ شخصٍ ما عليه، ولو تجاه نفسه فقط.

إن مَن حالُهُ الشكوى فقط لا يُمكن أن يكون ممن يُعوَّل عليه في البناء، ولا في إيجاد الحلول لمشاكل حقيقية، بل ولا يمكن أن يكون صادقا في تحسين الأوضاع؛ لأن تحسينها وإصلاحها بالنسبة إليه قضاءٌ على شيء كان يَقضي ليله ونهاره في التباكي عليه، ففي إصلاحه إعدام لموضوع نشاطه اليومي الذي يحقق فيه ذاته. إذ لا يمكن أن يتخلى عن هاتفه، ويغادر حائط المبكى المقدس، حائط الفيسبوك، ويتوجه إلى البحث عن العمل؛ الحياة عنده مزيجٌ من تباكٍ وتضجر وتذمر. وهي، في أحيان أخرى، تسلية للوقت في تتبع فضائح الآخرين، ومشاركة فيديوهات الاعتداء على هذا الأستاذ أو ذاك الطفل، أو انتحار فلانة بسبب حملها غير الشرعي، أو جريمة ذلك الزوج بسبب الخيانة الزوجية أو غيرها من توافه الأمور وسفاسفها. لا تتحرك همته إلا إذا تعلق بالفضائح والأحداث والجرائم، وخاصة ما يسمى منها بجرائم الشرف. وبين فينة وأخرى، يكسر ذلك الروتين بشيء من النكات الجنسية التي تفتقد إلى الحدود الدنيا من الذوق السليم. ثم سرعان ما يعود إلى هوايته في نشر سموم السلبية وتعكير مزاج الآخرين عبر التركيز والحديث الدائم عن الجانب المظلم من القضية، والجزء الفارغ من الكأس، حيث الأشياء كلها باللون الأسود، والمياه كلها بلون الغرَق، بتعبير إميل سيوران.

والمواطن المغربي كائن يعاني شيئا من المازوشية، ولذلك تجده أحيانا يقوم بأشياء لا تشبه إلا تلك الطقوس الشيعية في كربلاء، وكأنه يجد لذته في إيقاع الألم بنفسه، فيعاتبها على أشياء لم يفعلها، ويبدأ في خلق جو من الألم النفسي والتعذيب الجسدي، من خلال قراءة أمور لا تثير إلا الأشجان والأحزان وتعكير صفو المزاج، ومشاهدة جميع المصائب، أو الحديث عن الحروب القادمة والأخطار الداهمة والظلام الدامس القادم في أفق مشبوه؛ أو عبر تخيُّل مظاهر القتل والتنكيل القادمة التي سوف تنزل بهذا الوطن -في مخيلته- عبر الاعتقاد الموهوم بحتمية المرور من المسار السوري لو فكر في أي محاولة للتغيير الحقيقي.

ولا شك أن هذا الشخص نفسه سينقل هذه الأوهام والسلوكات العجيبة إلى أبنائه، ليتحولوا بدورهم إلى جيل آخر جديد، ينضاف إلى صفوف السوداويين في هذا البلد، ليتحول الجميع إلى طابور من الشاكين لكل شيء، دون أن تكون لديهم القدرة لشق طريقهم بأيديهم، وإبداع مشروع لهم يكون همَّهُم الذي يُلهيهم عن متابعة فضائح الآخرين، وقطع الصلة بتلك العادة القبيحة: عادة الشكوى والتذمر من كل شيء، والتباكي على كل شيء. وذلك من أجل فتح الآفاق أمام جيل جديد يكون ديدنه العمل والاجتهاد والنضال من أجل الأفضل، جيلٍ لا يجدُ أيَّ مُتعةٍ في لزوم التشاؤم والكسل، جيلٍ لا يرضى بغير الأفضل، والأفضل فقط. والأهم من ذلك، جيل لا يُفكر في مغادرة الوطن، ولا يراه شرطا لازما في تحسين ظروفه، والارتقاء بمستوى عيشه، جيل لا يرى في بلده “سجنا كبيرا”.

نعم، أرضُ الله واسعة، ووطن كل أحدٍ حيثُ يجد نفسَهُ واطمئنانه وراحته. وشخصيا، أتطلع دوماً إلى حياةٍ أفضل، وطالما آمنتُ أنني أستطيع أن أصل إلى ما أريد، وقد يكون ذلك في بلد آخر غير المغرب. لكن لم أربط أبدا ذلك بالهجرة بحيث لا يمكن أن يتحقق إلا بها، ولم أتجرأ يوما، ولا استطعتُ أن أتقبل وصف بلدي بــ “السجن الكبير”، ولا أن أدعي أن “أسوأ ما قد يقع للمرء أن يعيش في المغرب، ثم يؤول مآله في الآخرة إلى جهنم”؛ أو أن أتبنى ذلك الشعار الهازل: “الهربة لمن استطاع”، لم أُقبل على ذلك في يوم من الأيام. مع إيماني القوي بحق المرء في الانتقال في أرض الله الواسعة، وأن يهاجر إلى الأرض التي يراها تستجيب لطموحاته، فالتعلق المرضي بالأرض لم يكن من اختيار العقلاء في يوم من الأيام. وإن كان حب المرء لوطنه جبلةٌ يصعب الخلوص منها، وخروج المرء عن مألوفه صعب وشديد.

‎أجل، وطن المرء حيث يكون مرتاحا ونافعا ومنتجا، لكن الذي لم يستطع أن يجد لنفسه موطئ قدمٍ في بلده صعبٌ عليه جدا أن يجدها في موطنٍ آخر. ولا يغرّنك ما قد يحصل من ذلك أحياناً، حين يتم رفض بعض النوابغ والأذكياء في أوطانهم، ثم تحضنهم حكومات أخرى في بلدان أخرى؛ فهو محضُ اتفاقِ، وتلك استثناءات لا ينبني عليها شيء. وإبداع المرء في بلده وبين قومه الذين تشبع بثقافتهم، وتشرب أفكارهم، أسهل منه في أي مكان آخر في العالم. فضلا عن أن الإنسان كائن معقد، قد يكون نجاحه البسيط بين قومه وأبناء جماعته أبعث له على الرضا والإشباع النفسي من النجاح الهائل الذي يحققه في جماعة هو غريب عنها، لا يعرفه إلا زملاؤه في العمل، والذين يكونون غالبا في مثل مرتبته ودرجته، فلا يجد أي شيء يميزه عنهم.

وبعد؛
فمعظم الدول لها سفاراتها، على من أراد الهجرة أن يتوجه إليها، وينظر ماذا هو فاعل؛ فإذا كان لديه ما يُقدمه لهذه الدول فلا شك أن كل الدول تبحث عن الطاقات والكفاءات، ولها مكاتب لملء الاستمارات وجلب الأدمغة والكفاءات للنهوض ببلدانها. وأما إن كان المرء عاجزا، فاقدا لأية مؤهلات، فلن يُرحب به أحد؛ فإن قبِل به بلدُه فليحمد الله على ذلك، وليلتزم الصمتَ فإنه ممدحة حين يكون في محله ووقته. وأما التغيير فلا سبيل إليه إلا بالعمل الجاد، والتكوين الشخصي المستمر والمتين. وما خابَ مَن بذل غاية وُسعه، وسعى في تحسين وَضعه، بالعمل لا بالثرثرة وفحش القول. وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسولُه والمؤمنون.