حياة بدون باب

لعل أكثر ما يميزنا نحن البشر عن الكائنات الأخرى هو أننا لا نستطيع العيش بدون خصوصية. فمنذ القدم جعل الإنسان ضرورة البحث عن مأوى يأويه وعائلته مسألة لا تقل أهمية عن البحث عن الطعام، ومن صفات هذا المأوى أنه لا يحميه فقط من قسوة البرد وحر الشمس، بل من شأنه كذلك أن يضمن له ولذويه شيء من الخصوصية. غير أنه لا يؤدي هذه الوظيفة إلا إذا توفر على باب أو -إن صح التعبير- حاجز مرئي يمنع دخول الغرباء سواء أكان بيتا أو كوخا أو حتى خيمة. هكذا جرت العادة منذ العصور القديمة ولا يزال الإنسان اليوم يسير على نهج أسلافه وإن اختلفت وتطورت أشكال الأبواب.

يمثل الباب حاجزا ماديا يحمي البيت من أن يصير عرضة لكل من هب ودب، فهو تجسيد قوي للمثل الشهير: “حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخر.” أي أنه يضع حدودا لحرية الٱخرين؛ بحيث يفرض عليهم الامتثال لقوانينه كالاستئذان قبل الدخول والتزام الاحترام بعد اجتيازه.

ولما كان لهذا الباب هذه الفوائد الأمنية وحفاظا على راحة الإنسان النفسية، فإنه يحرص دائما على أن يبقيه موصدا. غير أن بعض الناس ينسون وهم يحكمون إغلاق باب بيتهم أن يغلقوا بابا أكثر أهمية وهو باب حياتهم، أو بعبارة أخرى، باب عقلهم وقلبهم.

إن العقل والقلب هما مصدر سعادة الإنسان وشقائه، ومن ترك بابهما مفتوحا على مصراعيه في وجه العلن فقد حكم على حياته بالفوضى، التي سرعان ما ستلقي به في براثن التعاسة إن لم تقده نحو الجنون.

أن تغلق باب قلبك وعقلك لا يعني أن تعرض عن كل فكرة مختلفة أو أن تعتزل كل شخص غريب، بل المقصود هو أن تجعل من نفسك مراقبا على كل ما يتوافد إليهما من أفكار وأشخاص وأيديولوجيات ومشاعر وأن تكون أنت من يقرر ما يصلح استقباله وما لا يستحق ذلك، تماما كما تفعل عندما يطرق باب بيتك، فهل يعقل أن تفتح الباب قبل أن تتأكد من هوية الطارق وتتيقن أنه لا يشكل خطرا على سلامتك؟

أن تغلق باب عقلك وقلبك يعني أن تحميهما من التلوث الفكري والعاطفي، أن تمنع الآخرين من أن يجعلاهما سلة مهملات لأفكارهم السامة ولمشاعرهم السلبية، أن تعرض عن التفاهة والكلام غير المفيد، وأن تبني لهما حدودا تحميهما من كل ما/من يستنزفهما ويؤثر على راحتهما.

إن ترك باب قلبك وعقلك بدون باب أشبه بترك باب بيتك مفتوحا، جرب أن تترك هذا الأخير مفتوحا ليوم واحد وعلق عليه لافتة مكتوب عليها: “مسموح الدخول للجميع”، ثم راقب ماذا سيحدث بعد ذلك. حتما سترى أن كل أشكال الناس سيتوافدون إليه، سترى كيف أن كل المنحرفين والمجرمين والمتشردين وحتى بعض القطط والكلاب الضالة سيقصدون بيتك ليحولوه بعد ذلك إلى فوضى سيستحيل عليك العيش معها.

ترى كيف عساها تكون ردة فعلك؟
ستقرر بدون شك أن تترك كل شيء وراءك وتغادر بيتك بعد أن فقدت كامل السيطرة عليه. وهذا بالضبط ما يحدث في عقلك وقلبك إذا تركتهما بدون باب، سوى أن في بيتك تستطيع أن تحمل نفسك وترحل بكل بساطة في حين أنك لا تستطيع أن تفعل ذلك مع قلبك وعقلك، ففي ٱخر المطاف ليس هناك أية امكانية لاستبدالهما.

إن قلبك وعقلك يستحقان منك كل الحرص، فهما جوهر حياتك. لذلك فأنت بحاجة إلى الحرص على إغلاق بابهما؛ لأن بذلك يتحقق التوازن والتناغم الداخلي وتضمن سلامتك النفسية والعقلية وتحفظ كينونتك الخاصة، لهذا في المرة المقبلة عندما تهم بإغلاق باب بيتك، لا تنس أن تتأكد أن باب عقلك وقلبك مغلق، فإن تركه مفتوحا لهو أسوأ بكثير من ترك بيتك بدون باب.