خلعت حجابها فاستردت إنسانيتها…!

1٬479

رغم أنني لست الأولى ولا الأخيرة التي ستتحدث عن هذا الموضوع الذي أسال الكثير من المداد وفتح الكثير من النقاشات والتساؤلات حوله في الآونة الأخيرة، ورغم أنني لست أهلا للحديث عن حيثيات هذا الموضوع إلا أنني قررت الكتابة عنه لأسباب أجدها مقنعة شيئا ما. لا أدري لماذا، لكن كلما جاءتني صديقة أو شخص في الآونة الأخيرة يحكون لي عن فلانة ابنة الحركة الإسلامية، ابنة الداعية فلان والمربية فلانة، والتي كانت على نهج والديها تحبب الكثير من البنات في الحجاب وتدعوهن إليه، قد نزعت الحجاب. أجيب غير متفاجئة بتاتا: “جيد، الله يعينها ويسخر لها إذا كان ذلك ما ترغب فيه حقا”.

صدمت إجاباتي الكثيرين في الآونة الأخيرة، كيف ذلك؟ أتمزحين؟ أجيب مرة أخرى: “هناك حلان لا ثالث لهما، نقصد جميعا منزل هذه الفتاة ونبرحها ضربا حتى ترتدي الحجاب مرغمة، أو ندعو لها ولنا بالهداية والثبات”. نظرت إلي صديقة بعدما جحدت عيناها: “تتكلمين بجدية؟”. أجبتها: “وماذا تريدين منا أن نفعل، أن نقاطعها ونستعر منها؟ أن نحظرها من قائمة أصدقائنا على الفيسبوك؟ أن ننسى كل ما عشناه ونعلن الحرب عليها؟”.

تفاجأت الصديقة كثيرا لرد فعلي غير المتوقع لتعترف بعدها أنني على حق وأن أقصى ما يمكننا القيام به هو الدعاء لها ولنا بالهداية والثبات إلى آخر المطاف، خصوصا وأن ما تخفيه لنا الحياة من مفاجآت غريب جدا، تجعلنا نغير قناعاتنا وطريقة تفكيرنا ومشاعرنا وميولاتنا، كما أنها يمكن أن تدفعنا راغبين أو صاغرين إلى تغيير نظرتنا للأمور جذريا -رغم أن هناك أشياء لا نقاش فيها- إلا أن النفس البشرية هي أكثر شيء متقلب في الكون، هي كالسيل الجارف، يصعب التحكم فيه أو التنبؤ به.

نزعت فلانة الحجاب لأنها لم تعد مقتنعة به، اقتنعت به عندما وضعته أول مرة، أو ربما شجعها وسطها على وضعه عندما كانت صغيرة، لكنها اليوم صارت غير مقتنعة به بتاتا لأسباب ما، لذلك نزعته، وهذا الأمر يظل حرية شخصية شئنا أم أبينا، فلا إكراه في الدين والله أعلم بما في صدورنا.

أعتقد جازمة أن الاقتناع بالحجاب كالحب تماما، لو أحبتك امرأة فستفعل المستحيل لأجلك رغم الظروف ورغم كل شيء، أما إذا نفرت منك فستجد مائة سبب للابتعاد. فحب الحجاب والانصهار في حكمته ومقصده شرطان أساسيان لجعله شيئا جميلا يبهج الروح عِوَض أن يكون عبئا يثقل رأس صاحبته وفؤادها.

إن وضع الحجاب دون اقتناع كالصلاة دون خشوع وكالحب دون بذل وكطلب العلم دون شغف. الاقتناع هو اللبنة الأساس في كل أمور حياتنا وخصوصا في مسألة حساسة كهذه، لأن فتاة قد فُرض عليها الحجاب ستشعر بمشاعر سلبية وحقد على الوسط الذي فرض عليها الحجاب وعلى ذلك اللباس نفسه، وربما ستسعى إلى نزعه عندما “تتحرر” من ذلك الوسط الذي ضيق عليها الخناق.

لطالما كنت ضد فرضه في الجمهورية الإيرانية وضد منعه في جامعات بعض الدول الأوروبية كفرنسا مثلا، لأن الفرض والمنع لا يمتان بصلة لروح تلك العلاقة السامية بين المخلوقة وخالقها، ذلك الطريق الطويل المتذبذب الذي تسير فيه الفتاة إلى خالقها سواء أكانت تضع الحجاب أو نزعته لتوها أو تفكر في وضعه أو لا تفكر في وضعه مطلقا، فهي في طريقها إليه ومعرفتها له تصيب مرة وتخطئ ألفا. ليس لزاما عليها أن تسافر إلى الهند أو أدغال الأمازون أو أي مكان آخر لتعرف الله وتعود وقد قررت نزع الحجاب، معرفة الله أسمى من ذلك بكثير.

على الفتاة أن تقتنع بالكامل أن وضعها للحجاب ليس لأحد، هو لخالقها فقط. رضا الناس غاية لا تدرك، بينما رضا الله غاية ندركها بالإنفاق في سبيله بشتى الطرق، بالجهد والوقت والمال وغيرها.

لا يمكننا أن ننكر بتاتا أن نزع سيدة من وسطنا للحجاب بعد مدة طويلة من وضعه يشكل صدمة يختلف صداها من شخص لآخر، نظرا لاعتبارات دينية واجتماعية وثقافية، لكن نزعها له لا يستبيح دمها ولا يجعل منها شخصا أقل قيمة أو إيمانا أو تقوى. الله وحده عليم بذات الصدور وهو الوحيد العليم بالنوايا.

لكن المؤسف حقا في الأمر برمته ليس نزع الحجاب، بل في ردود الأفعال المفاجئة والتي صدرت من أشخاص كنت أظنهم على حكمة وثقافة ورحابة صدر وتقبل للآخر، مباركة وتهانٍ تنهال عليها كالمطر وكأنها انتصرت على عدو ما. فقد قرأت قبل مدة تعاليق العديد على صورة فتاة نزعت الحجاب، لم أفهم حقا معناها:

مقالات مرتبطة

* “هنيئا عليك إنسانيتك”: وكأن تلك الفتاة ستسترجع أخيرا إنسانيتها المسلوبة من طرف خرقة شعر بالية، وكأن المسكينة كانت تعيش في سجن لسنوات منع عنها الضوء والماء والكرامة.

* “اليوم انتصرت لإنسانيتك عزيزتي، دمت إنسانة”: وكأنهم يقصدون أننا نحن معشر المحجبات نعيش القمع والتسلط وجميع أنواع الاستعباد، وكأننا نكابد المشقة والآلام كل يوم بسبب الحجاب، وكأننا حيوانات لا ترقى للإنسانية إلا إذا انتفضت على تلك الخرقة التي تحجب شعرنا وجمالنا وبريقنا.

* “الآن كبرت في عيني أكثر”: وكأن ذلك الحجاب الذي وضعت على رأسك لسنوات جعل منك شخصا متناهي الصغر لا يرى بالعين المجردة، ولا يظهر جليا إلا إذا “قلع الحجاب”.

* “هنيئا لك حبيبتي، من اليوم فصاعدا سنصير صديقتين”: اليوم خرجت من سجن العبودية فكانت إنسانيتك هي ما يقدمه لك السجان عند صدور قرار الإفراج عنك وخروجك من السجن، اليوم زادت قيمتك عند الكثيرين ممن لم يعيروا وجودك اهتماما يوما، لأن حجابك كان يحجب عنهم الرؤية ولا يجعل منك شخصا سويا يمكن مناقشته وحواره بعيدا عن كل اعتبار.

* “اليوم فقط صرت إنسانة وخارقة الجمال كذلك لأن الحجاب كان يمتص جمالك كل يوم. اليوم فقط كسرت تلك الأصنام التي صنعها حجابك الذي رماك في أسفل المستنقع، اليوم ستصيرين إنسانة أجمل، ستنجحين أكثر وستشعين أكثر وستصبحين أهلا لتكوني صديقة للكثير ممن لم يرك أبدا عندما كنت متحجبة”.

هذه خلاصة بسيطة لمئات التعاليق التي قرأت والتي كتبها أشخاص يدعون الحداثة والتسامح وتقبل الآخر رغم الاختلاف، فهمت بعدها بطريقة غير مباشرة أن هناك فعلا أشخاصا أعرفهم يَرَون فيّ وفي كافة المتحجبات نقصا لأننا نضع الحجاب عن اختيار وقناعة.

تعرفت منذ سنوات على فتاة كانت تشتغل في شركة عالمية في فرنسا تمنع الحجاب منعا كليا، كانت الفتاة تضع الحجاب عندما تخرج من العمل وتشعر بتأنيب الضمير كل يوم لأنها مفرطة في شيء تحبه حبا جما. كانت في كل مرة تحدثني تخبرني عن مشاعرها وحزنها وتسألني الدعاء كي تجد عملا آخر يتقبلها بحجابها، مرت أشهر قليلة وكلمتني الصديقة مرة أخرى، كانت تفيض فرحا وبهجة. أخبرتني أنها وجدت عملا آخر وليس لديهم مشكلة مع الحجاب. أشعر حقا بالفرح كلما تذكرت فرحها هي التي درست في وسط لا يتحدث فيه أحد عن الدين ووضعت الحجاب عن قناعة وحب.

لا يزال الكثير من الناس يسألونني: “ألم يحن الوقت لكي تنزعي هذا الحجاب عن رأسك بعد؟.. صدقيني، الحياة أجمل بدون حجاب.. استمتعي بشعرك قبل أن يشيب.. لماذا لم تنزعي الحجاب يوم زفافك؟”. أختار الصمت في كل مرة، لأن علاقتي بالحجاب علاقة بيني وبين خالقي، اخترته عن حب وقناعة وأعلم أنني مقصرة جدا في حقه، وأسأله الهداية في كل لحظة. لكن هذا لا يعني مطلقا أنني أفضل من غيري.

ستخلع المزيد من الفتيات حجابهن في السنوات القادمة وستضعه الكثيرات ممن لم نكن نتخيل ولو مزحا أنهن سيضعنه. هذه سنة الحياة التي تتطلب منا الكثير من الحب والاقتناع والتصالح مع الذات في سبيل أن نفعل ما يشعرنا بالرضا.