رمضان بطعم آخر

ها قد هلت علينا الثلاثين يوم المنتظرة التي توحد كافة المسلمين، الغني والفقير، الأبيض والأسود، القريب والبعيد. نستعد فيها بكل همة وحماس، بتقاليدنا المغربية المتميزة من الأطباق الشهية ومائداتنا المتنوعة، بفرحة الأقارب والأحباب ولمة العائلة، بالاستعداد لتطهير النفس والاجتهاد في العبادات والهرولة للمساجد لأداء صلاة التراويح.

رمضان هذه السنة أقدم علينا بحلة جديدة وصورة مختلفة، افتقدنا فيه حلاوة النسمات الليلية عند الخروج في الظلمات إلى المساجد، حيث الروح تسري إلى مولاها، تناجيه، تتذلل إليه، وترجو رحمته ثم تعرج حين الوصول إلى بيته جل في علاه لتتحد بالجسد وتقف في صفوف المصلين خاشعة خاضعة.

افتقدنا فيه بيوت الأجداد، إلى كرمهم، حنانهم ودعواتهم الفياضة النابعة من الأعماق، إلى ذكريات الطفولة المرسومة على زوايا وجدران البيت. إلى همسات سبحة كبار البيت…

افتدنا لصوت صغار الحي، للعبهم قبل آذان المغرب، للتبريكات بين نساء الحي التي تتبادل طيلة الشهر الفضيل.

افتقدنا فيه مشاركة البيوت للأطباق الشهية بين الجيران التي تعطى بحب وابتسامة مرسومة على الوجوه.

مقالات مرتبطة

رمضان هو اختبار لمدى إنسانيتنا، وحبنا، وكرمنا وإحساسنا بغيرنا، هو تفريغ للذات، وشحن بطارية الروح وتنقيتها من سموم السنة. رمضان هذه السنة جاء مختلفا، على غير العادة، لبس رداء جديدا، ظاهره قسوة وباطنه رحمة، حرمنا من زيارة الأقارب وصلاة التراويح في المساجد، ولكنه أضحى أفضل وأنفع على أهل البيت. أصبح في كل بيت مسجد، إمامه رب الأسرة، سيقضون وقتا أطول مع بعضهم، سيقومون بكل العبادات بحب وود وانسجام.

رمضان هذه السنة رجع للم الشمل الذي غالبا ما نفتقده في حياتنا اليومية المليئة بالانشغالات والمصالح الدنيوية.

رمضان هذه السنة تفتح فيه الحوارات الممتعة بين أفراد الأسرة، تتبادل فيه الكلمات وتسرد فيه القصص الشيقة من طرف صغار البيت. لقد جاء بطعم الحب والود واللم والتماسك.

الحرية ذاك التاج الذي لم نره يوما، كان أمرا عاديا، بديهيا، كنا نتمتع بها غير مبالين. فتحت لنا سلسلة من التأملات، تذكرنا إخواننا المحرومين من هذه النعمة، أحسسنا بقيمة النعم الصغيرة الكبيرة التي كنا نراها بسيطة. أحسسنا بقيمة ما كنا نراه متعبا، مملا وروتينيا…هي وقفة للخلوة، والتأمل، والتفكر والتدبر في ماهية هذه الحياة، تفاصيلها وقيمتها.

ليكن رمضان هذه السنة نقطة تحول وتغير لحياتنا نحو الإيجابية، لنجعل هذا الشهر الفضيل يغير حياتنا ويجعل لها معنى، بدءا بالعبادات. ليكن هذا الصيام إمساكا عن كل سوء، ليتجاوز معناه البسيط، ليكن إمساكا عن الشر، عن الغدر، عن الخيانة، عن الظلم وعن القسوة… ولتكن الصلاة وقوفا في حظرة ملك الملوك، استحضارا لعظمته، خضوعا وتذللا بين يديه، وثقة قوية في رحمته وعطائه وكرمه…

ولنجعلها بداية جديدة لحياة ذات معنى في حركاتها وسكناتها وفي أدق تفاصيلها. فبإدراكنا لمعنى الحياة، يصبح التعب متعة، والصبر قوة، والتجربة تطورا.