زنازين الأفكار المظلمة

86

ليست الزنازين المادية وحدها هي ما تسلب الإنسان حريته وتمنعه من التحرك والتفكير، لكن العكس هو الصحيح! والتجارب الإنسانية تشهد على ذلك، فكم من مفكر وكاتب؛ كان السجن دافعه إلى الإبداع؛ إذ لم تمنعه الجدران الأربعة من أن يحلق حرا طليقا في سماء الفكر الفسيحة.. فأنتج هؤلاء المبدعون المتحررون فكريا، أعمالا خلدها التاريخ، فكانوا بحق أحرار الفكر!

لكن هناك نوع آخر من السجناء المتوهمين للحرية؛ الذين يتنفسون الهواء الطلق، ويرددون في بباغية لفظ الحرية، لكنهم سجناء بجدران رمزية، منعتهم من أن يكونوا أحرارا؛ فكانوا بحق سجناء في زنازين الفكر المظلمة.

ينبغي الإقرار أولا بأننا لسنا بصدد الحديث عن فئة الأميين، الذين لم تتح لهم فرصة التعلم والمعرفة، فهذه الفئة من الناس، لا يكون الحكم عليها انطلاقا مما تلقته من علم، أو في فصول الدراسة، وإنما يحكم عليها انطلاقا من اجتهادها في مدرسة الحياة، وتلك مدرسة لها مناهجها ونقادها، وخريجوها المجتهدون، ونبغاؤها. إنما حديثنا هنا؛ عن فئة المتعلمين؛ الذين يدعون الثقافة ويجادلون أشد الجدل، ويخاصمون أشد الخصومة على معتقداتهم التي يظنون أنها الحق المطلق ولا حق سواها.

السؤال الذي يمكن أن نفتتح به الكلام هو: ما الذي يجعل إنسانا يتمتع بكل القدرات العقلية، أن يتعصب لفكرة ما أشد التعصب، ولا يقبل حتى مجرد النقاش؟ ألم يعد هذا الشخص الذي سيطرت عليه هذه الفكرة إلى هذا الحد سجينا لها؟ قد يكون الإنسان مصيبا فيما يعتقد وفيما يؤمن به؟ لكن الإنسان الذي يؤمن بناء على قناعات مؤسسة على قواعد متينة، يقبل النقاش، بل ويدعو إلى ما يؤمن به بالحكمة والموعظة الحسنة.

لا تكمن المشكلة في التعصب للقناعات فقط، وإنما في النظرة الدونية التي يخص بها سجناء الأفكار خصومهم، والأمر عند التحقيق؛ لا يعدو أن يكون فكرة بسيطة، زرعت في عقل إنسان عبر مجموعة من الوسائل التي توظف لغرس الأفكار في العقول، فأصبح المسكين سجينها، كأنه وضع لنفسه سياجا شائكا، وأقنع نفسه بأن العالم هو ما بداخل السياج، أما ما خارجه فليس بالعالم. ولكي ننزل بالنظري إلى أرض الواقع، سنضرب بعض الأمثلة من واقع الناس لتتضح الفكرة أكثر.

المثال الأول: عن امرأة سيطرت عليها وسائل غرس الأفكار، فأصبحت تسير في ما يسمى فلك الموضة، وجعلت من الأخيرة مدارها، حتى غدت سجينة للجديد من الملبس والإكسسوارات، بل وحتى الحركات وأساليب الكلام. إن خطورة هذا السجن الرمزي لا يتمثل في الجدران المادية والمعنوية التي يفرضها على السجينة، ويسحبها من عالم الواقع؛ إلى عالم هوليود ومشتقاته، وإنما أيضا في مدى إقناع هذه السجينة بأن ذلك هو العالم الوحيد، والنمط الحياتي الوحيد المطروح للعيش وفقه، بل إنه أرقى الأنماط. فالسجين العادي على الأقل يتوق إلى الحرية خارج أسوار سجنه، أما السجينة المسكينة في زنزانة فكرة تافهة كهذه، لا تتوق إلى الخروج من سجن هذه الفكرة، لأنها لا ترى ما خارجها…إنه سجن التفاهة لو تعلمون.

المثال الثاني: عن رجل آمن بفكرة دينية أو لا دينية، حتى أصبح يظن بأنه بلغ حق اليقين، وكل ما دونه من البشر همج رعاع لا يستخدمون عقولهم للتفكير، وفي هذا يستوي سجين الفكرة الدينية المتطرفة؛ واللادينية المتطرفة، فكلاهما ينطلق من مبدأ الحق المطلق، وامتلاك السلطان على عقول الناس، ومن هنا يبدأ العنف؛ أي من التصور الخاطئ بامتلاك الحق الذي لا يشوبه باطل.

وكل من المثالين يجسد حقيقة السجن الرمزي، على اختلاف في قسوته وآثاره؛ فالمثال الأول قتل للطاقة، والجهد والمال في أمور تافهة، والمثال الثاني قتل لطاقة التفكير، وسجن للعقل والجسد، وتعطيل للحوار الإنساني ومبدأ التعارف.

لعل السبب الرئيس في دخول سجن الأفكار هو بالأساس هو:

  • طغيان العاطفة: في تقدير الموقف، فتعمى عين الحقيقة وتجانب الصواب، على اعتبار أن العاطفة العمياء: هي تلك العاطفة المنفلتة عن العقل؛ بحيث تكون الأفكار مبنية على رد الفعل؛ لا عن تفكير عميق وتدقيق في الأدلة، وتمحيص للأمور، وسبر لأغوار المسائل.
  • التقليد المطلق: فمن هؤلاء السجناء من يتعصب لأفكار من يقلد؛ فإن كان من أهل الفكر؛ فإنه مقلد لمفكر ما يتعصب لقوله أشد التعصب، وإن كان من أهل المشيخة؛ فإن له شيخه الذي لا يبصر إلا بعينيه، وإن قال له شيخه لا تنصت لفلان، ولا تقرأ لفلان، فالسمع والطاعة يا مولاي!
  • الصنمية: أقصد بها استصنام الأفكار وعبادتها، حتى تغدو غير قابلة للمناقشة؛ بله التغيير والدحض، وتلك عقدة ومرض في النفس، أن لا يناقش الإنسان معتقداته ولا يعرضها على الدليل بين الفينة والأخرى، فالفكرة التي لا تقوم على أي دليل هي خرافة حري بالمرء أن يتخلى عنها.
  • الاعتقاد قبل الاستدلال: تقول القاعدة المنطقية: استدل ثم اعتقد، لكن قلب القاعدة أفرز لنا صنفا من الناس يبنون نظريات وقرارات قد تكون مصيرية أحيانا، بناء على اعتقاد منفلت من أي أدلة، ثم يبحثون في فتات المعرفة على أدلة يمكن أن تصلح لتقوية آرائهم.

ختام القول، إن الحديث في تجليات، وتمظهرات، ومسببات زنانين الأفكار قد يطول، لكن الحقيقة هي أن: زنازين الأفكار أشد بأسا من زنازين السجون المادية؛ من دخلها كان مهيأ ليهلك الحرث والنسل.