هل نصنع المحتوى… أم المحتوى هو من يصنعنا؟

46

لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي قد طَبَعت عصرنا هذا بطابعها الخاص، وصارت جزءا لا يتجزأ من حياة أغلب الناس؛ إذ إن جزءا كبيرا من أعمارنا يذهب في تصفحها. وتأثيرُها على حياتنا وأسلوب عيشنا، بل وعلى تفكيرنا وانشغالاتنا، يزداد يوما بعد يوم. وإذا كان لهذا المستجد في حياتنا كلُّ هذه الأهمية، فإن التفكير فيه والحديثَ المستمر حوله يظل معقولا، إن لم يكن ضرورة وحاجة ملحة تستدعي منا التوقف الطويل معها: فهما وتحليلاً ونقداً وإرشاداً وتوجيهاً…؛ إذ لا يمكن أن نترك هذه المواقع تتغلغل في حياتنا، وتدمر نفسياتنا وتُشتت أسرنا. وفي المقابل، لا يمكن أن نتخذ منها موقفا سلبيا، يُـفوّت علينا إيجابياتها الكثيرة. ضمن هذا التصور، جاء هذا المقال الذي أُضمّنه مُجمل تجربتي في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، ورؤيتي لهذا المستجد، وكيف يمكن أن نجعله عاملاً مساعدا للارتقاء بأوضاعنا وبوعي أبناء مجتمعنا.

وبادئ ذي بدءٍ، لا بد من الاعتراف بأن هذه الوسائل قد أحدثت ثورة هائلة في كل شيء. وعلاقةً بمجال اهتماماتي، فقد كنا فيما مضى إذا أردنا أن نقوم بحملة طبية أو عمل تطوعي فقد يتطلب الأمر استعدادا مسبقا قد يستغرق شهوراً، لجمع المتطوعين، والذين عليك أن تتصل بهم بشكل شخصي، ولأنهم في مناطق متفرقة من المغرب، فالقليل منهم من يردون بالإيجاب. فضلا عن أنك لكي تتصل بهم، ينبغي أن تكون على تواصل ومعرفة مسبقيْنِ بهم، أو أن تلجأ إلى وسائط بينك وبينهم، لتحصل في الأخير على عدد معين من المتطوعين قد يكفي وقد لا يكفي لتنزيل المبادرة إلى أرض الواقع.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم قد سهّلت الأمر، وجعلته مرنا مثمرا وفعالا، فيكفي أن تنشر منشورا تُعلن فيه عن مبادرة ما، حتى يأتيك الراغبون في الانخراط من كل ربوع المغرب. وفي الكثير من الأحيان، تجد نفسك مضطرا لأن تنتقي من هذا العدد الكبير مجموعة معينة محدودة، لتنفيذ الخطة أو المبادرة. وهذا جانب واحد فقط من الجوانب التي يمكن أن تستثمر فيها هذه الوسائل. لكن مع ذلك، معظم الناس اليوم يميلون إلى أن لوسائل التواصل تأثيرا سلبيا على حياتهم: الصحية والاجتماعية، وقد قمت مؤخرا باستفتاء على صفحتي على الانستغرام حول هذه النقطة، فصوت عليه أكثر من خمسة الآف شخص، تسعون في المائة منهم يرون أن لها تأثيرا سلبيا على الصحية النفسية.

مع كل هذه السهولة واليسر، فإن أصحاب المحتويات المفيدة والهادفة على هذه المواقع لا ينجحون في الاستمرار، نظرا لقلة التفاعل مع ما ينشرون، بالمقارنة مع الجهد الكبير الذي يبذلونه، لذلك تجد الكثير منهم سرعان ما يستسلمون، ويُضربون صفحاً عما بدؤوه. كما أن عددا كبيرا من متابعيهم أو مراقبيهم -إن صح القول- سيبدؤون بالتشكيك في نواياهم وعما إذا كانوا يبطنون ما لا يظهرون، ثم يقومون في النبش في حياتهم الخاصة ليبحثوا فيها عن النواقص والزلات، وهذا شيء عادي كما ذكر ذلك أبو حزم الأندلسي: “من تصدر لخدمه العامة، فلا بد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم، حت وإن واصل الليل بالنهار.”

فصانع المحتوى معرَّضٌ لأن يكون محلَّ حديث الناس وسخريتهم، خاصة في مجتمع مثل مجتمعنا، الذي تنتشر فيه السلبية بشكل ملحوظ، وموضوع الحديث المفضل فيه هم الآخرون. وتحضرني هنا مقولة لزوجة الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت، تقول فيها: “العظماء من الناس يناقشون الأفكار، والمتوسطون منهم يناقشون الأحداث، وأما صغار الناس فيناقشون الآخرين”.

ومن أسف، فمنظومتنا الاجتماعية والتربوية لا تعلّم الناس التركيز على الأفكار، ومناقشتها وحدها بتجريدها عن كل ما هو شخصي. فتجد الناس في الغالب إما أن يناقشوا الأحداث -ويا ليتها تكون أحداثا عظيمة تستحق المناقشة- أو تجدهم، وهم الأكثر، يناقشون الآخرين ويسخرون من اختياراتهم في الحياة وطريقة عيشهم. ومن كانت هذه حاله، لن يستطيع التركيز على الأفكار بالغةً ما بلغت من الأهمية والخطورة. عوضا عن ذلك، سيختار أن يناقش شخصك وما لا يهمه من أمورك الشخصية. وفي مثل هذه البيئة، من الطبيعي أن تكثر السلبية، وأن يكون صانع المحتوى على الأنترنت هدفا للرسائل السلبية، وما لم تكن له مناعة قوية ضدها فستنال منه، ليتحول بدوره إلى شخص سلبي، يرى كل شيء أسود، لا يبعث إلا على التشاؤم.

إن صانع المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، إذا كان له هدف واضح، وجرّب من الحياة ما يؤهله لأن يتخلص من نظرة الآخر له، فسيستمر مهما كانت ردود أفعال الناس تجاه ما ينشر، وطبيعي كما قلنا أن الناس سيلاحقونه في حياته العملية والشخصية، ليبحثوا عن شيء ما يكون وسيلتهم للنيل منه وتقويض بنيانه من القواعد. ذلك أننا في مجتمع، كما نلْحظ دائما، يغيظه نجاح الآخرين، ويسعى إلى إفشالهم. وما أخلقَ بالناس أن يكونوا على خلاف ذلك، أن يفرحوا للناجحين، وأن يحتفلوا بهم، لأن نجاح المجتمعات بنجاح أفرادها. فالأحرى بنا أن نكثّر من سواد الناجحين بيننا، وأن نعينهم على ذلك، إذ نجاحهم نجاحنا، فَـبِهم نرتقي، وكلما كثر عددهم بيننا، مهما كانت مجالاتهم والميادين التي ينشطون فيها، كان ذلك في صالحنا جميعا، وفي صالح مكانتنا بين الأمم.

قبل سنوات، كنت أخصص معظم وقت فراغي للتدوين، إذ كان يستهويني التدوين بشكل لا يقاوم، لكن لاحظت أن التغيرات التي حدثت على المستوى التقني والتكنولوجي أدت إلى تزايُد دور المرئي والمسموع على حساب المكتوب والمقروء. والمدون والكاتب لا يمكن أن يبقى حبيس الكتابة والتدوين؛ لأنه بذلك سيحكم على نفسه بالانقراض. ذلك أن التكيف مع التغيرات هو أمر ضروري نُلجأ إليه إلجاءً، ولا نختاره، بل إن داروين في كتابه أصل الأنواع نص على أن: “القوي من الأنواع هو الذي يستطيع التكيف مع التغيرات”. ومن ثم يحمي نفسه من الانقراض، وهذا معنى صحيح، بغض النظر عن نظريته بشكل عام، فالإنسان القوي هو الذي يستطيع أن يتصرف في كل وضعية يوضع فيها، ويستطيع أن يستوعب التطورات التي تحدُث، وأن يكيف مهاراته لتتناسب مع ما تقتضيها هذه التطورات.

في هذا الإطار، جاء تحولي، ليس الانتقال من الكتابي إلى المرئي والمسموع، لكن الجمع بينهما، ومحاولة جعل أحدهما في خدمة الآخر، ليخدما معاً الهدف نفسه، وهو نشر الوعي، والإسهام بقدر المستطاع في الارتقاء بوعي الناس، خاصة بالنسبة للناس العاديين الذين لا اشتغال لهم بقضايا المجتمع في مستواها الفكري والنظري. فالمهم هو جرُّ الناس للتفكير في واقعهم وقضاياهم بشكل يحترم الحد الأدنى من العقلانية، والتركيز على ما ينفعهم، عوض إشغالهم بتوافه الأمور وسفاسفها مما نراه كل يوم في اتجاه المحتوى المغربي على اليوتيوب / tendance.

فإذن، قد اخترت مشاركة محتويات مرئية تتعلق بعملي في غرفة العمليات، انطلاقا من هذه الفكرة: محاولة جرّ الناس إلى فهمِ، ولو في حدود معينة، ما يقوم به الأطباء في غرفة العمليات. وهذا أيضا يحقق هدفا جانبيا، وهو جعل الناس أكثر حرصا وعناية واهتماما بصحتهم، ودحض بعض الأفكار المنتشرة بين الناس حول المهنة، من ذلك أن الأطباء عبارة عن جزارين بوزرة بيضاء، وأنهم يربحون الأموال الباهظة بأقل جهد وتكلفة. وأظن أن هذه المبادرة ستسهم في تصحيح بعض التصورات الخاطئة لدى متابعيّ على الانستغرام حول مهنة الطب والأطباء عموما، وحول الجراحة بشكل خاص، والتي ما زال الكثير من الناس يعتبرونها “أسطورة”، أو على الأقل شيئا غير مفهوم. طبعا لا يخلو الأمر من بعض حظوظ الناس، لأن الجراحة هي شغفي، وأحب أن أشاركها الناس، فهذا جانب شخصي من الموضوع، لكن الأهم فيه هو التأثير أو الأثر الذي يُحدثه لدى الآخرين.

إن الخطر الذي قد يهدد مسيرة صانع المحتوى على الأنترنت ليس هو عدم وجود متفاعلين بالشكل الكافي، لكن بالأحرى وجود عدد كبير من المتفاعلين بشكل يجعله محل أنظار المعلنين والمشهّرين. ذلك أنه قد يُلهيه عن هدفه الأصلي الذي من أجله شرع في صناعة محتوى معين. فصانع المحتوى حين يصبح شخصية مشهورة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولديه متابعون كثُر، ستأتيه عروض المشاركة في أعمال لا تتماشى مع أهدافه التي سطرها حينما بدأ وعروض للإشهار من دون شك، وأحيانا مقابل عوض ماليٍّ يسيل له اللعاب. وفي هذه الحالة، سيكون عليه العودة إلى نفسه، والتساؤل: ما هي الصورة التي أريد أن أقدمها عن نفسي؟ وقبل ذلك: كيف ينظر هو لنفسه؟
إن الإشهار ليس حراما، ولا كسب المال حرام كذلك. ونحن، المغاربةَ، لدينا علاقة غريبة مع المال، شيء أشبه بانفصال في شخصيتنا تجاه المال. فالكل يبحث عن المال، والكل يريد الغنى، لكن المال في ثقافتنا ينتمي إلى الأشياء المتدنية، “أوساخ الدنيا” بالتعبير الدارج، كما أن فكرنا المالي والاقتصادي ليس بحالٍ جيد؛ فكل من استطاع أن يدخر بعض الأموال إلا وقرّر أن يفتحَ بها مقهى، مما يدلك على الفقر الفكري الاقتصادي الذي نعاني منه.

فصانع المحتوى إذن بإمكانه أن يقوم بالإعلانات على صفحته أو قناته على اليوتيوب، ولكن الأمر يتوقف عن تصوره لنفسه، لا أقل من ذلك ولا أكثر. هذه القيمة التي يعطيها لذاته والطريقة التي ينظر بها إلى نفسه هي ما ستسمح له باختيار نوع الإشهار الذي يخدم مصالحه ويتماشى مع أهدافه وقيمه، دون أن يتحول إلى لوحة إشهارية تتعاقب عليها منتوجات غير متناسقة فيما بينها وبعيدة كل البعد عن رسائل صانع المحتوى.

شخصيا لم أَقبل أي عرض قُدم لي بهذا الخصوص، سوى ما كان من الإعلان لمبادرة قام بها بعض الشباب حول القراءة ونشر الكتاب الورقي بالإنجليزية. وأنا أحب مثل هذه المبادرات، ولا أجد أي حرج في الإعلان والترويج لها. لكن لا يمكن أن أقوم بالإشهار لشركة بعيدة عن مجال نشاطي، كشركة سيارات أو مشروبات معينة. مع أن الإشهار في ذاته ليس فيه من محذور، ما دام يتعلق بأمر مشروع، ليس فيه تغرير أو تدليس أو إضرار بصحة الناس.

ومن الطبيعي أن يأخذ صانع المحتوى مقابلا على ذلك، لأن فيه استثمارا لوقته، فهو يقتطع جزءا من عمُره ليقضيه في أمر معين، إشهار، لفائدة طرف ثانٍ، سيجني وراءه أموالا، ربما تكون طائلة، فلا بد من الحصول على مقابل لتلك الخدمة.

إن مواقع التواصل الاجتماعي اليوم، لم تعد تختزل خدماتها في مشاركة الصور والمقالات والمحادثات الآنية بين مستعمليها، بل دخلت فيه أمور علمية أكثر تأثيرا، إذ تلجأ الشركات إلى الاستعانة بالعلم لتحقيق الربح، ليس فقط بالتكنولوجيا والإعلانات الذكية، ولكن باستثمار علم النفس أيضا، عبر الاستعانة بخبراء نفسيين، يُدركون خبايا النفس البشرية، وما يدفع الناس ويعطي معنى لحياتهم. ومن ذلك الحاجة إلى الانتماء باعتبارها حاجة أساسية لا محيد لنا عن تلبيتها، فلا بد لنا من الانتماء، والحاجة إلى أن نكون محل تقدير الآخرين، وقدواتٍ لهم، والرغبة في نيل إعجابهم ورضاهم. فهذه حاجات بشرية طبيعية، يتم استغلالها بشكل ذكي في الترويج لخدمات هذه المواقع وللمنتوجات التي تعرض لها. فكلما قضيت وقتًا أكبر وأنت تتصفحها كلما زاد ربحها وبسطت هيمنتها أكثر. ولعل هذا يفسر الكثير من التصرفات غير المفهومة التي أصبحنا نشاهدها في الآونة الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

ومما ينبغي أن يحذر منه صانع المحتوى على الأنترنت أن يتجنب التقليد الأعمى للآخرين. صحيح أنه قد يكون بحاجة إلى من يدفع به إلى الأمام، لا ليتخذه قدوة يجتهد ليكون نسخة مكررة منه، لكن لكي يستفيد من تجاربه، ويتعلم من أخطائه، ويُنشئ شيئا آخر مناسبا لشخصيته ومهاراته، ومتوافقا مع ميولاته وأذواقه. ومع مرور الوقت، سيجد نفسه من رواد ذلك النشاط أو المهنة أو أي شيء آخر. ولا أحدَ يبدأ كبيراً، بل الكل يبدأ صغيرا ثم يكبر؛ فذلك الكاتب العالمي المرموق، الذي لم يترك جائزة عالمية إلا وفاز بها، هو أيضا بدأ بتعلم الحروف الأبجدية، وذلك الطبيب أو المهندس أو عالم الفيزياء أو غيرهم من ذوي الصيت العالمي، كلهم بدؤوا بحفظ جدول الضرب، ولا أحد منهم نام ليلةً ثم أصبح عالماً بين ليلة وضحاها.

الذي نحتاجه دائما هو الصبر، كيف تصبر حتى تتقن شيئا ما إتقانا تاما، ذلك أننا كائنات يسرع إليها الملل، متعجلون للنتائج، وذلك طبعٌ في الإنسان الذي جاء به القرآن نصّاً في سورة الإسراء: {وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا}. لكن الإنسان له القدرة على أن يدرب نفسه، وأن يُطبّعها على ما تكره حتى تألفه، ولولا ذلك لم ينجح إنسان، ولمكثنا في المرحلة البدائية، فما نفع البشرية إلا تلك المشاق التي تحملها بعض أفرادها، التي تحملها ذلك العالِم وهو يسهر في مختبره على التجارب، وهو يختبر الفرضيات التي يضعها لتفسير ظاهرة معينة. ولو آثر الناس كلهم إتيان ما يحبون والاكتفاء بالراحة، لما صارت البشرية إلى ما صارت إليه على طول تاريخها من تقدم وتطور في كل مناحي الحياة.

والحاصل أن وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي يمكنها أن تكون مثمرة في حياتنا المهنية والتحسيسية إذا أحسنّا استثمارها، فهي تُسهّل ما كان صعباً، وتقرّب ما كان بعيدا. غير أن تحقيق هذا المبتغى منوط بمدى الوعي الذي يتمتع به مستخدم هذه الوسائل؛ لأن التقنية وحدها من دون وعي ومن دون فكر أقرب إلى أن تكون وسيلة دمارٍ منها لأن تكون وسيلة إيجابية، تستخدم لخدمة أهداف نبيلة. والواجب الذي يُناط بالمثقفين أن ينشروا هذا الوعي، وأن يُنبهوا إلى خطورة إساءة استعمال هذه الآليات. وبخاصة في ظل ما نشهده في الأيام الأخيرة من المحتويات البذيئة التي تُنشر ويروج له على هذه المواقع. فنشر هذا الوعي، إذن، أصبح واجبَ الوقت الذي لا يتحمل التأجيل.