قصة حياة

دائما ما كانت لمحطات السنين هيبتها ورهبتها، فهي من نقلتنا بلمح البصر من لهو الطفولة وطيش الصبا إلى نضج وجد الشباب، وهي أيضا من خُولت لها أحقية ترحيلنا إلى سن آخر، ذي طابع خاص فريد به، إنه سن الشيخوخة أو الهرم والكبر، سن لا بد لكل واحد منا أن يلاقيه إن كان في العمر بقية.

مقالات مرتبطة

هذه السنين شقت مسارها في حياتنا بفأس من حديد، لتخلد معالما شاهدة عليها، معالما انشقت إلى ثلاثة أجزاء، منها النفسي، والفكري والجسدي أيضا، ولعل الشقين الأولين أهون بكثير من رفيقهما وقرينهما الثالث، فبالرغم من عدالة السنين وإنصافها لكل واحد منهم؛ بحيث لا تمر سنة واحدة إلا وقد طرقت أبواب ثلاثتهم، ليدلوا بنصيبهم للحياة، إلا أن آخرهم لطالما شكل فرقا كبيرا في أنفسنا؛ فهبة صغيرة منه كفيلة بأن تشكل منعطفا حقيقيا بالنسبة للكثير منا، مجرد التفكير في هذا الأمر وما قد يصاحبه من علامات كضعف قوى الأجساد، وتراجع قدرات الذاكرة، وغيرها من العلامات كثير…، كلها أفكار قادرة على أن تجعل جسدك يقشعر، حتى ولو كنت محاطا بآلاف المحبين، ومئات المهتمين، فما بالك بمن رسمت لهم أقدارهم طريقا آخر، طريق الوحدة والشقاء، طريقا كانت وجهته الأخيرة هي دار المسنين. قد ينعتها البعض أحيانا بدار المسنين، أو دار العجزة، أو دار الرعاية، إنها تسميات مختلفة لمكان واحد، كل تسمية منها أجد لها شرحا وتفسيرا قد يكون مغايرا لما يظنه الكثيرون، فبالنسبة للتسمية الأولى “دار المسنين” فأجدها غير ملائمة إطلاقا، لأني أومن أن السن لم يكن يوما سببا وجيها لإحداث مثل هاته الدور، كما أنه لم يكن بمحدد لطبيعة الأشخاص الذين جعلوا منها ملجأ ومسكنا لهم، فبزيارة واحدة ستجزم باليقين أن العمر أو السن بريء مما قد أُنسب إليه، لأن أعمارهم تتفاوت بين الواحد والآخر بأشواط كبيرة، أما بالنسبة للتسمية الثانية أو بالأحرى ما سميناها “دار العجزة” فإنها أبعد بكثير مما قد يتقبله عقلي، فلعلي أربطها بأصل الكلمة، والذي يتمثل في العجز، عجز دائما ما كنت أتساءل حول نوعيته، أهو عجز مادي أو جسدي أو نفسي عاطفي؟ أي نوع منهم كفيل بكسر الروح إلى تلك الدرجة، أيهم كفيل برسم تلك الملامح الحزينة التي أُطفِئت شرارتها، صدقا كم يحز في قلبي سماع مثل هاته التسميات، فهذا العجز يا سادة لم يكن بوليد اليوم، ولم يأت من فراغ، بل كان نتيجة حروب ضارية خاضها كل واحد منهم، حروب أفضت بهم وحيدين، سالكين درب المجهول محاولين الوصول إلى بر آمن، لكي يلملموا ما بقي من أنفسهم، وليضمدوا جروح الزمن التي أبت الشفاء، فمع كل حرب جديدة وكل جرح عميق تُترك بصمة خالدة في نفوسهم، لا الزمان قادر على محوها ولا ضعف الذاكرة قادر على إبطال فعاليتها.

هذه الحروب تحكي قصص حياة وعمر، كل واحدة منها تصلح لأن تدون وتؤرخ، إنها ذاكرة حية لتجارب وأحداث عاشها أصحابها بكل ما فيها، من حلوها ومرها، وبالرغم من ذلك لا يزالون قادرين على الاستمرار والمضي قدما، حتى ولو كانت لحظات الوجع والحنين دائما ما تتسلل لتجد طريقها إلى أنفسهم، فتتصارع على إثرها مشاعرهم بين ما كان وما هو كائن وما سيكون، لحظات قد يسودها صمت مخيف إلى حين مقاطعتها ببعض الضحكات الطائشة من هنا وهناك، لتجد بعدها ابتسامة متثاقلة ارتسمت على محياهم، إنها ابتسامة ذات طابع خاص، ابتسامة تجعل قلوبهم تضحك كطفل صغير يؤمن بأن القادم أجمل، قادم يحمله مستقبل ينتظرونه بشوق عند شروق شمس كل يوم جديد، لعله يكون يوم الفرج القريب، أو يوم الفرح الجديد، فرح بزيارة إنسان قريب أو عزيز، فبربكم عن أي عجز تتحدثون.