كتاب رحلتي على شفا الهاوية النووية

2

My Journey at the Nuclear Brink
يبدأ الكتاب بقلم جورج شولتز وهي إحدى الشخصيات التي صادقت وليام بيري، كل الكلمات التي سقطت من قلمه في تقديم الكتاب تشيد بدور جيه بيري وسعيه في الحد من الأسلحة النووية وتوجيه العالم إلى جادة الصواب يقول: “والأمريكيون يدينون بالعرفان لوليام بيري الذي كرس رحلة حياته للأمن القومي. وهي الرحلة التي لا يزال يمضي بها بكل ما لديه من خبرة وطاقة وحماس لا ينطفئ.”

بدأت رحلة الكاتب في منتصف الأربعينات بوصفه مجندا في الجيش الأمريكي في اليابان، إلى أن تولى بعد ذلك بسنوات منصب وزير الدفاع في عهد كلينتون، لذلك فقد حرص على رفاهية كل جندي لأنه يقر بوجود علاقة حتمية بين القدرة العسكرية ونوعية الحياة وهو بذلك يسير مع مقولة الريب ريتشارد “اهتم بجنودك وسوف يهتمون بك” فنجدها مكررة باستمرار في ثنايا الكتاب.

يتألف الكتاب من خمس وعشرين فصلاً إلى جانب التقديم وتمهيد وشكر وتقدير، تحكي سيرة المؤلف مذكرات انتقائية عن رحلة حياته في العصر النووي وكذا دوره في محاولة تشكيل هذا العصر واحتوائه، فهي رحلة سنوات حاول تقسيمها بتقسيم الأحداث والمشاريع كفصل الإخفاق في العراق أو فصل مشروع الأمن النووي وغير ذلك.

استهل بيري كتابه بالحديث عن الحدث الأبرز في تاريخ الحقبة النووية ألا وهو أزمة الصواريخ الكوبية، أو كما أطلق عليه كابوس نووي ابتدأت الأحداث سنة 1962 مع خطاب جون كينيدي للرد على هجوم الاتحاد السوفياتي والتسارع نحو التسلح، فهذه الأزمة كانت بالنسبة لبيري بمثابة الدعوة التي ستؤدي إلى العمل التعاوني الدولي للحد من الأسلحة النووية وإنهاء الخلاف قبل وقوع كارثة نووية.

شكل الاتحاد السوفيتي تهديداً للأمريكين، فلم تكن الولايات المتحدة مستعدة لمجابهة السوفييت لكونها جاهلة بالصواريخ، لذلك كان لا بد لها من ولوج هذا العالم عالم النووي والصواريخ ولا بد من معرفة حجم قوة الأسلحة النووية التي يمتلكها السوفييت، ومداها، ودقتها وتأثيرها، فهو يذكر في إحدى الفقرات أن بعض الصواريخ قادرة على تدمير بعض المدن الأمريكية بأكملها وغيرها من الأمور. بدأت رحلته في شركة سيلفانيا عام 1954 يشغل منصب رئيس العلماء للدفاع الإلكتروني، هذا الأمر الذي سيتركه في ما بعد وسيعده أصدقاؤه وأقرباؤه عملا متهوراً وتأسيس شركة إي إس إل -سيفرد فصلاً من الكتاب للحديث عنها وعن أعمالها وتمويلها وما قدمته في مجال الحصول على المعلومات التفصيلية للتهديد النووي السوفييتي- فمنصب مدير مختبرات الدفاع الإلكتروني مكنه من الحصول على بعض المعلومات لمنشآت تابعة لبرنامج الصواريخ السوفييتية، إلى أن توصل فيما بعد إلى نتيجة مفادها أن البرنامج السوفييتي للصواريخ غير مقلق وأن عدد الصواريخ المنتشرة بالفعل كان قليلاً.

كما خصص جزءا متفرقاً من كتابه تحدث فيه عن مناصبه وأشغاله وإنجازاته، فمثلا في الفصل الخامس تناول الحديث عن استدعائه إلى الوظيفة الحكومية في إدارة الرئيس جيمي كارتر بوصفه نائبا ووكيلا لوزير الدفاع هارولد براون في البحوث المقدمة للوزارة والهندسة سنة 1977، فانتقل من مدينة كاليفورنيا إلى واشنطن، فكان لهذه الوظيفة أهمية بالغة لدى بيري والتي ستمكنه من الاستفادة من المجال الديبلوماسي الدولي.

من بين المهام التي وقعت على عاتق بيري بوصفه وكيلا لوزارة الدفاع، وضع “استراتيجية التعويض” أي (offset strategy) وهي استراتيجية صممت للتعويض عن تفوق السوفييت في القوات النووية و إعادة تثبيت التوازن العسكري، ومن الأسلحة التي تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من تطويرها وإنجازها طائرة (أف177-القاذفة الشبح) وتطوير صواريخ كروز قصير المدى وطائرات الاستطلاع والسفن الحربية وصاروخ توماهوك الذي وصفه بكونه أكثر الأسلحة موثوقية، فالمتأمل في هذا الفصل يلاحظ أن من أهم الدروس والعبر التي أخذها الكاتب قوله: “ربما يكون الدرس الأهم من بين الدروس المستفادة هو أن التكنولوجيا باتت قضية ملحة في يومنا هذا، فإذا كانت التكنولوجيا الثورية قد جلبت الأسلحة النووية وخطرها إلى العالم، فإن هذه التكنولوجيا الثورية ضرورية أيضا لتحسين أنظمة السلامة بشكل تدريجيي.”

يعد برنامج نان – لوغار ضمن سياق الجهود التي كان يبذلها بيري لإبقاء العالم في مأمن من الكارثة النووية، وبرنامج “نان لوغار” هو برنامج لتفكيك الأسلحة النووية التي خلفها الاتحاد السوفييتي من جهة والأسلحة التي تجهزها بعض القوى الصاعدة كـ كوريا الجنوبية، ابتدأ فريق بيري بأول منطقة وهي pervomaysk الأوكرانية التي تضم حوالي ثمانين صاروخا باليستيا عابر للقارات فهذه المنطقة أحد أضخم المواقع الصاروخية وأخطرها، ولا يترأس هذا الفريق لتفكيك الأسلحة النووية بيري وإنما آشتون كارتر، لكن يبقى برنامجا من أهم المشاريع التي اهتم بها الكاتب في رحلته النووية والتي يتحدث عنها في ثنايا هذا الكتاب، لكونها بمنزلة معجزة وسط التاريخ الحافل بالصواريخ والكوارث والتهديد التاريخي والرهانات التاريخية، لكن هذا البرنامج أقر التعاون الدولي من أجل المصلحة العامة وكذا يبرز كإحدى المبادرات الأكثر استنارة في الكونغرس الأمريكي، فهذا البرنامج بالنسبة لبيري حقق نتائج مرموقة وهامة لتحصين الأمن الأمريكي وأمن الحضارة في نفس الوقت لأنه يتسم بالابتكار والإلهام وبعد النظر.

قد يتساءل البعض لماذا هذا الاهتمام بتفكيك الأسلحة النووية؟ إن هذه الأسلحة بالنسبة لوليام جيه لا تعزز أمن الوليات المتحدة الأمريكية وإنما تعرضه للخطر وهذا شيء هام بنسبة لبيري، كونه شخص مشدود إلى أمة ومرتبط بوطنه يقول: “إن وقود القنابل التي كانت موجهة في السابق نحو أهداف في أميركا، أصبح الآن يوفر الكهرباء للمنازل والمصانع الأميركية”، هكذا يلخص الكاتب النتيجة التي تم التوصل إليها بعد البدء بتدمير وتفكيك الأسلحة النووية في الجمهوريات السوفييتية المستقلة، ولا سيما في أوكرانيا حيث كان يوجد أضخم المواقع الصاروخية.

وفي الختام، كل ما تم عرضه هو جزء بسيط مقابل م

ا ذكر في الكتاب فهو حافل بالمعلومات، والحقائق، والتجارب النووية، والمشادات السياسية ومحاولة الوصول إلى توافق في الآراء؛ فالكاتب يجلب القارئ ليسبح معه في عالم السياسية وصناعة الأسلحة وتدبير الشؤون السياسية الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية. هو كتاب يستحق القراءة والاستفادة منه، فأهم ما لفت انتباهي من الوهلة الأولى التي أمسكت فيها الكتاب هو أن كل ما وصل إليه الكاتب من مناصب واختراعات وإنجازاته كان دافعها شعوره بالانتماء إلى شعبه وأهله ووطنه وخدمته فهو أشار إلى ذلك بمفهوم الأمة وأنه أراد أن يخدم شعبه يعني بغض النظر هل خدمته لذلك الشعب هل كانت على حساب سحق الشعب الأخرى أم لا؟