لا يوجد شخص حر ولا يمكن أن يوجد أبدا!

منذ أن وطأت أقدام الإنسان أرض خلافته، وحمِّل مسؤولية عليها، فقد شيئا لم يكن مصطلحه كائنا آنذاك، إذ لا يمكن معرفة كينونة شيء إذا لم يكن معروفا ونحس به، ولا يمكن الإحساس بشيء إلا عند فقدانه. وتتوالى الأجيال، ويخلف سلفنا سلفاً آخر، والإنسان في تحرك دائم، محركه شيء غير ملموس، سميته الغريزة كبداية ومن زمن لزمن ومن عهد لعهد وإلى يومنا هذا لا زال الانسان يُحرك بنفس ما حُرِّك به سلفه الأول (الأصل)، وإن طمس هذا المحرك بالعديد من المصطلحات والقيم والمبادئ فإن في لب الإنسان غريزة لا تموت إلا مع موت الروح، وأرى أن أهم غريزة لدى الإنسان هي الحرية، وسميتها غريزة الحرية كتتمة للبداية. فهل الإنسان فعلا حر؟

أنا شخص مولوع بالتاريخ، وهذا المقال يناقش مصطلحا قديما قدم الإنسان أو أكثر، فإني أطلب الالتحاق بي في مركبتي ولنسافر عبر الزمن، “أين؟ أو متى؟”، لنعد بالتاريخ إلى ألوف السنين، لنرى إنسان الكهوف، الإنسان البدائي هل كان حرا فعلا؟ كان هم الإنسان الأول هو البقاء، والتكاثر، وتوفير الطعام، والاستدفاء بالنار والاستئناس برفيق، هكذا عاش أجدادنا الأوائل من كهف إلى آخر ومن منطقة لأخرى أحرارا في تحركاتهم، لكن الحرية كانت بالنسبة لهم هي البقاء، أن يكون حرا في العيش والاستمرار، وأن يتغلب على كل الصعاب، لكنه لم يقدر، بل كان خاضعا لقوة أكبر قوة تحدد له المصير وتسطر حياته البدائية.

ومن العيش المتفرق، بدأ الإنسان في التجمع والعيش في مجتمعات بدائية، وأنتج الديانات والعادات والتقاليد فصار مقيدا بها، وصار للمجتمع قوي يسيطر على الضعفاء، ذلك الضعيف الذي تلخصت حريته آنذاك في التخلص من القوي، حتى ترسخ في دواخله أن حريته كائنة لكن العائق بينه وبينها هو ذلك القوي المسيطر، الذي توهم أن حريته تتمثل في السيطرة على من هم أدنى منه.

ولأن الخلف نتاج السلف فقد انتقلت ما سميته “متلازمة القوي الضعيف” من جيل إلى ٱخر، من جيل المجتمعات البدائية إلى جيل المدن أو عصر المدن، مدن الرافدين هناك توطدت المتلازمة وطغى القوي عن الضعيف، الذي تمنى القوة من أجل الحرية، فتلخصت الحرية في القوة.

نقفز قليلا إلى عصر الإمبراطوريات، حيث إن المتلازمة لا زالت موجودة، من الفراعنة إلى اليونان إلى الفرس، إلى مقدونيا إلى روما، رأينا العبيد ورأينا المنع المطلق من الحرية، وأصبح الاستعباد الشريان الأبهر لكل حضارة، فبنيت الحضارات على أنقاض الحرية (استعباد الضعيف)، أو في سبيل الحرية (رغبة القوي)، وأخلفت الحرية ففرعون رآها في الألوهية، والإسكندر في الغزو، أما قيصر فرآها في عرش روما والقاسم بينهم كان سفك الدماء تحت مجموعة غايات تتغذى أوردتها من نهر الحرية.

أما بنو اسرائيل، والقرطاجيون والأمازيغ والجرمانيون فرأوا أن حريتهم مسلوبة من طرف قوة أقوى منهم، رأوا أن حريتهم تتمثل في طرد الغريب وعدم دفع الضرائب فناضل حنعبل، وثار أرمينيوس وسفكت الدماء من أجل التخلص من مقيدي الحرية، وسالت الدماء من أجل الحرية.

جاء الإسلام، فساوى بين القوي والضعيف، قلت بين القوي والضعيف وليس الفتى وسيده، وأعطى الإسلام كل ذي حق حقه وجعل للمولى حقا على سيدة وللسيد حقا على مولاه وبهتت لسنوات قليلة متلازمة القوي والضعيف، إلى أن جاءت الخلافة الأموية والعباسية، فصرنا نرى المتلازمة من جديد وسيطرة القوي على الضعيف.

من هناك إلى عصر الحروب الصليبية، هناك اتخذت الحرية منحى دينيا، هذا المنحى كان موجودا من قبل لكن تجلى بكل وضوح في هذا العصر وصار امتلاك القدس هو امتلاك للحرية، التي رآها المسلم بإعلاء الآذان في الأقصى وتوهمها المسيحي في سيطرة الصليب على القدس، على العالم، أما اليهودي الذي كان مستضعفا آنذاك فرأى حريته في العيش بين هاتين القوتين دون اضطهاد.

ونحن الآن في عصر الأنوار، ثار الفلاح على الملك من أجل لقمة خبز، من أجل الحرية، وتوثق مصطلح الحرية وقالوا عنه الكثير فقال سينيكا: “الشجاع حر”، وقال لوثر كينغ “الحرية هي عدم الانحناء”، وقال داهية عصره فولتير “الحرية تتحقق بمجرد أن تتمناها”. هاته كانت الأقوال أما الأفعال فقد وطددت المتلازمة وظهرت القوى الاستعمارية وقبل سبي أفريقيا والأمريكيتين، فتلخصت حرية القوي في التوسع، والضعيف في العودة إلى وطنه.

اتخذت الحرية المنحى الاستغلالي، والديني والتوسعي الاقتصادي، فتوهم الضعيف أن الحرية الحقيقة سلبت منها، ورجف القوي من كأس الحرية الوهمية، فظن أنه حر فعلا. وبعد الحرب العالمية الأولى، قُيدت ألمانيا بمعاهدات رأى زعيم نازي أنها انتهاك لحرية الوطن، وفي الجهة الأخرى رأت أمريكا أن توسع اليابان في جزر الهادي تهديد لقوتها، لحريتها، وأخلفت المصالح كل يفسرها حسب حريته واندلعت أبشع حرب في التاريخ وأظهرت المتلازمة في أقبح صورها، خلفت أزيد من أربعين مليون قتيلا من أجل حرية وهمية.

نعود إلى عصرنا هذا، ونترك مركبتنا لمسافر آخر، في عصرنا هذا انفجرت “الحريات”، وصار الانحلال الأخلاقي حرية والتسيب حرية، بخلاصة صار النمو الحضاري الوهمي حرية، ومع اللوبيات والمصالح اتخذ هذا الانحلال دعما تجاريا، وصارت المتلازمة متخفية بما لا نهاية من الشعارات التي تتطمسها، لكنها كائنة في الأعماق تتغذى على الجشع والجهل والاستهلاك غير المفيد، فرأينا الآن متلازمة القوي والضعيف تمثلت في التكنولوجيا والإنسان، الإنسان والإنسان، الإنسان والشهوات.

أقول إن حرية الإنسان لم تقيد في أي عصر بمثل ما قيدت به الآن. ومن الاسترداد التاريخي فإننا وصلنا إلى أن الحرية ما هي إلا شيء نسبي، تختلف من زمن لزمن ومن فرد لآخر أي أنها غير ثابتة، وغير الثابت لم يكن أبدا حقا بل وهما.

أرى أن الإنسان سجين ذاته أولا، وأن حريته صورها في تحقيق رغباته، التي هو سجين لها أيضا. ثم إنه سجين مجتمعه وأفكاره، بل وسجين أرض مسير فيها أكثر من مخير.

في الختام، أقول إن عنوان المقال ناقص وتتمته هي: “في الدنيا لا يوجد إنسان حر، ولا يمكن أن يوجد أبدا، إلا بتحقيق راحة روحه.” والروح ترتاح على فطرتها، الفطرة التي خلقنا الله عليها وولدنا بها؛ ولدنا أحرارا وأفنينا عمرنا نضيع في فطرتنا (حرية حقة) بحثا عن حرية وهمية.

1xbet casino siteleri bahis siteleri