لماذا نخلد نكباتنا؟!

0

أتساءل جديا كلما حلت ذكرى من ذكرى نكباتنا الكثيرة، سر هذا الاهتمام والحرص على إحياء ذكريات النكبات والمصائب التي حلت على هذه الأمة، يبدو لي الأمر أحيانا كما لو أننا نستمتع بنكث الجراح دون استخلاص لأي عبرة ولا ابداء لأية رغبة في النهوض. كانما استمتعنا بانبطاحنا أرضا وصارت ذكريات الانبطاح أمرا يجب أن يخلد.
يتراءى الأمر لي كزوجة نكدة تستمتع كل سنة بتخليد ذكرى وفاة زوجها وتتحرى التاريخ كأنه شيء مقدس وتجتهد في ذرف الدموع وتعداد المناقب وذكر الحسنات…تستمتع بالأمر لدرجة تعتقد معها أن زوجها يمكن أن يبعث من العدم. ثم تكتشف فجأة كأنما كانت بغيبوبة أن الجسد الذي غادر ما عاد بوسعه أن يعود، وبشكل اوتوماتيكي وغير متعمد أو متعمد أحيانا ستجد نفسها تكرر ذات الرثاء وذات الأدوار التراجيدية في نفس التاريخ من كل سنة.
ربما ستتنبه أنه بإمكانها ان تفعل شيئا غير الاستغراق في النكد والتباكي، ربما بإمكانها أن تربي أبناء ذلك الرجل كما كان يتمنى أو أفضل، ربما بوسعها أن تخصص صدقة جارية على روحه تنفع الحي والميت، ربما باستطاعتها أن تكون أقوى وأن تحاول أن تصبح المرأة التي تمناها هو طيلة حياته. لكنها تنشغل عن العمل بكثرة الكلام والكسل!

مقالات مرتبطة

هذا تماما ما يبدو لي حاصلا في كوكبنا العربي المترامي الحدود، يتحرى الناس والكتاب والمثقفون ذكريات الهزائم والنكبات كما يتحرون هلال رمضان، يسخرون أقلامهم وبرامجهم كأنما هم بصدد صنع فتح عظيم…كأننا كلما تكلمنا أكثر سنكون أقرب لاستعادة ما احتل من أرض أو ما هزم من حضارة أو ما قتل من بشر. والحقيقة أنها نوبة موسمية للتنفيس والترويح عن عقدة الهزيمة التي لا تنقح علينا إلا في تواريخ معينة، أما باقي الايام فنستمتع بأشعة الشمس الذهبية والرمال الوهاجة والتجوال بين بقاع الأرض بلا مشاكل.
الأمر حقيقة يبدو لي كما لو كان شيءا جبلنا عليه وصرنا نستمتع به…كانه شيء من ارثنا الذي لا نود التخلي عنه! فالعرب منذ القدم استمتعوا بتعداد المناقب والمكاسب وخلدوا حروبا في قصائد مراتونية، حتى الغزل كان مرادفا دوما لثقافة الحروب والنوازل.
الأمر هو ذاته منذ مئات السنين إلى اليوم دوما ما شكل الرثاء هواية يتقنها العامة والخاصة، رثاء الأمجاد، رثاء الخصال التي انقرضت، رثاء الانسان نفسه…رثاء الأندلس نموذجا الذي كتبت عنه مئات القصائد وانتجت عشرات البرامج والمسلسلات التي تتحسر على المجد الذي ضيعناه بأيدينا…ولو أن قلة قلة فقط من هذه الأمة انبرت لدراسة تاريخ الأندلس دراسة علمية أكاديمية خالية من مشاعر البطولات ونظريات المؤامرة لبنينا اندلسا جديدة منذ عقود، لو أننا استخلصنا العبر لما كنا بحاجة إلى بكائياتنا الموسمية ولكان شعور غبن حقيقي استشعرناه مرة واحدة كافيا لاستنهاضنا وكتابة فصل جديد من التاريخ نكون واعيين فيه كفاية بما لنا وما علينا، نكون واعين بأخطائمنا التاريخية التي نمجدها وبأفكارنا المغلوطة التي اسقيناها من معين التخلف ولكنا من الجرأة ما يسمح لنا بقراءة التاريخ قراءة موضوعية، بعيدا عن التقديس والتبجيل.
ان ذات الرثاء هو الذي يجعلنا نتحسر على زمن لم نعشه وعلى اناس لم نقابلهم، فيغدو كل ما له علاقة بالماضي ساحرا، جميلا، كأنما الأخلاق خلقت حصرا لذلك الزمان ومنعت عن زماننا. ولو أننا قدرنا الانسان الكامن فينا، والفطرة السليمة التي جبلنا عليها لكنا الى تقديس الروح الانسانية أقرب ولكان بناء الإنسان مدخلا لبناء حضارة لا تلتفت الى البكائيات.