مللنا الموت ….و ما شبعنا

هل رأيت يوما ذئبا في البراري يأكل أخاه؟… طبعا لا!! فرغم وحشيته الغريزية التي تدفعه لافتراس و القض على اول ضحية تقع بين يداه و نهش جسدها إلا أنه لا و لن يضاهي بوحشيته الانسان المعاصر  الذي  يستحق و عن جدارة لقب احقر الكائنات الحية التي وطأت قدماها الأرض؛ اذ ما فتئ يعث فيها فسادا و خرابا الى ان حول العيش فيها الى جحيم لا يطاق ففي كل شبر من ترابنا جائر و في كل قطعة من ثرانا مفسد و الفساد سكن في الارض و لم يبرح لقد اغتيل الحب في اوطاننا و اختفى فيها السلام و العدل كنجوم لم تعد تسطع .

و لنا في ما نعيشه اليوم خير مثال و دليل :حروب تحصد كل يوم ضحايا جدد ،ارهاب قائمة ضحاياه في تزايد مستمر ، خراب في كل مكان، عنف تفنن الانسان في تطوير اساليبه ، و سلام ضاق درعا من تعصبنا و الكراهية التي استوطنت نفوسنا فحمل حقائبه و غادرنا دون امل عودة ؛عائلات هجرت ،اطفال يتمت، زوجات ترملت، امهات على فقدان فلذات اكبادها بكت دما لا دمعا، شبان و شابات في مقتبل العمر رحلت، و رجال من الكرامة و العيش الهنيئ حرمت و من ضيق الحيلة و قلة ذات اليد ملت و سئمت، صرخات مستضعفين مكلومين يتردد صداها في شتى الانحاء و الارجاء نسمعها كل ليلة ،يتردد انينهم في آذاننا لكنها لا تستطيع قض مضجعنا ، اجيال المستقبل من نعمة الحب، السلم ،السلام ،التسامح حرمت.

لقد تجرد الانسان من انسانيته و تحول لوحش ضاري متعطش للـعنف و القتل لا يروي عطشه هذا الا استرخاؤه في حوض دماء ساخن مُلئ من جفون المستضعفين ؛ وحشٍ غير مبال لمعاناة الانسان الاخر، فما دام هذ الانسان “آخر” و ليس ب “انا” فألمه، معاناته ،عذابه بل حتى موته كلها امور تافهة لاجدوى من اضاعة الوقت في محاولة التخفيف منها ، لقد اصبحنا انانيين و عدوانيين للحد الذي لا حد له . نستمتع بنهش لحوم بعضنا البعض بشراهة لا تضاهى.

و  انه ليخيل لي احيانا اننا نعيش فيلم رعب نلعب فيه دور “الدراكولا” و “الضحية” في نفس الوقت بل و نحن ايضا الجمهور الذي يشاهده باستمتاع و نشوة لا مثيل لهما ؛لا يخفي مدى اعجابه بقوة الدراكولا و ووحشيته لكنه يعجز عن ابداء بعض الأسى و الاسف ازاء الضحية فقد اختلت موازيننا :نساند الجاني و نلوم الضحية .لقد خسرنا انسانيتنا في مقابل صنعنا لسعادة مادية من دون اخلاقنا لن نستسيغ لها طعما ،لقد اصبحت الحيوانات ارحم منا، ارق منا و أحَن على بعضها البعض منا. في سبيل تحقيق التقدم حكمنا على أنفسنا بالفناء و وضعنا حدا لوجودنا و لوجود كل ما يحيط بنا ، حتى الطبيعة هي الاخرى لم تسلم من بطش أيدينا ، إذ يبدو عالمنا رماديا كئيبا و كأن قرونا قد مضت دون ان تشرق علينا شمسٌ، هي الأخرى غادرتنا كما هاجر الحب و السلم اراضينا ،شمسٌ غابت ليحل محلها ظلام يعم فينا. اني لأشك في ما اذا كنا قد تخطينا فعلا حالة الطبيعة ؛ اذ لا يزال الانسان ذئبا لاخيه الانسان ، لا يزال يتحين فرصة القضاء على اخيه . فبداخل كل منا شر دفين لن يتردد في اظهاره ما ان سنحت له فرصة فعل ذلك فنحن لم نرْقَ بعد لمستوى المدنية. لقد فقدنا مشاعرنا، قيمنا، مبادئنا، و جميع احاسيسنا لم نعد نخشى شيئا، الا ان شيئا واحدا ما لبث يبث الرعب في نفوسنا :انه الاختلاف، فرغم طغياننا و تجبرنا الا اننا نخشاه و نرى فيه مدعاة للخلاف؛ فاختلاف الدين، اللون ،الفكر،العرق،والجنس يؤذينا ،بسبب عدم تقبلنا اياه تحولنا لبعضنا سما زعاف، فمتى سيحل السلام فينا؟؟ اما آن للظلم ان يرفع ؟ اما آن  للحال ان يصلح ؟؟فقد ذقنا من حياتنا ذرعا وآن الأوان لباب العدل ان يهتز و ان يقرع.